سنحت لي الفرصة لزيارة المملكة المغربية عام 2003م ضمن وفد لحضور معسكر كشفي عربي في العاصمة الرباط وتحديداً في غابة المعمورة أثناء دراستي الجامعية في جامعة البحرين، فكان من ضمن فعاليات المعسكر الكشفي أن تُنظم الدولة المستضيفة برنامج زيارات للوفود المشاركة للتعرف على معالم البلاد التاريخية والحضارية وجمال طبيعتها، فكانت زيارتنا للمدينتين العريقتين فاس ومكناس للتعرف على ما تحتويانه من تاريخ وحضارة وثقافة وطبيعة وجمال، في تلك الأثناء كُنا مجرد شباب يافع لا يكترث للمعالم والتاريخ والثقافة والفن وجمال العمارة والآثار والعادات والتقاليد وأمور كثيرة، وإنما كنا نبحث عن الاستمتاع بوقتنا خارج أسوار المعسكر وبصحبة الأصدقاء ولم نهتم بما تحتويه هاتين المدينتين من تاريخ وإثر ثقافي وحضاري أي اهتمام ليس تعمداً وإنما لقلة ادراك منا بهذا الجانب الذي لم يكن يُمثل لنا أي إضافة في ذلك الوقت، وهذا يؤكد لنا بأن المراحل العمرية للإنسان يختلف فيها الإدراك من مرحلة لأخرى، الآن لو عاد بي الزمان وحظيت بزيارة لهاتين المدينتين سوف اتمعن بتاريخهما العريق وبجمالهما وبروعة العمارة وجمال الألوان فيهما، ولسوف اتعرف إلى عادات وتقاليد أهلها والمهن التي يمتهنونها والاطلاع على الثقافة السائدة فيها وإمعان النظر إلى تفاصيل دقيقة كثيرة عن هذه المدن العربية التي شهدت حضارات واحداث تاريخية مختلفة.
النضج الفكري هو القدرة على التفكير بعمق والتحليل الواعي للأمور واتخاذ قرارات متزنة بعيداً عن العواطف المتسرعة والوصول بالعقل البشري لمرحلة يكون فيها قادراً على فهم واستيعاب القضايا المركبة والمتعددة الأبعاد بشكل واع وسديد، وتحضر الحنكة والنباهة في التصرف والتدبير، ووفق مقاييس صحيحة وسليمة بإعمال النظر العقلي وإتباع طرق الاستدلال الصائب، مما يعني أنه مع غياب النضج في التفكير تكون السطحية والرعونة في الفهم والضحالة على مستوى الإنتاج العقلي.
وبلا شك فإن الإدراك يختلف بين الكبار والشباب اليافع بشكل كبير جداً، فالكبار لديهم خبرات حياتية واسعة تساعدهم على رؤية أوسع وتحليل المواقف بشكل أدق وأعمق، بينما يعتمد اليافعون على مشاعرهم وعواطفهم أكثر في اتخاذ القرارات، أما فيما يتعلق بالتطور العقلي فالدماغ لدى اليافعين لا يزال في مرحلة النمو، خاصة الفص الجبهي المسؤول عن اتخاذ القرارات والتفكير النقدي مما يجعلهم أكثر اندفاعاً، كما أن اليافعين يميلون إلى التأثر بالعواطف والانفعالات أكثر من الكبار الذين يعتمدون غالباً على المنطق والتحليل، بفضل تراكم التجارب، يميل الكبار إلى التفكير بهدوء قبل اتخاذ القرارات المهمة، بعكس الشباب الذين قد يكونون أكثر تسرعاً في اتخاذ القرار دون إدراك للنتائج، وعند مواجهة الأزمات يكون الكبار أكثر قدرة على التعامل معها بحكمة وروية، نظراً لما مروا به من مواقف وتجارب صقلت مهاراتهم الحياتية والعملية، عاطفياً يتصف الكبار بأنهم أكثر استقراراً من الناحية العاطفية، مما يساعدهم غالبا على تجنب القرارات المتسرعة أو العاطفية.
تيم كوك هو أنموذج لنجاح الخبرة في تحقيق نمو مُذهل لشركة أبل؛ فبعد وفاة ستيف جوبز تساءل الجميع: هل سينهار إرث أبل؟ لكن تيم كوك، الذي كان يعمل في الشركة لسنوات طويلة استلم القيادة في 2011 وبفضل خبرته العميقة في العمليات وسلاسل التوريد، نجح في تحقيق نمو لشركة أبل لتصبح أول شركة تصل قيمتها السوقية إلى 3 تريليونات دولار، وهذا يؤكد أن الخبرة الطويلة تؤدي إلى تحقيق نجاح مذهل.
الفهم الأعمق للأمور يعني القدرة على تحليل المواقف بشكل شامل وعدم الاكتفاء بالمظاهر السطحية ويتميز الشخص ذو الفهم العميق بأنه لا يركز فقط على التفاصيل الصغيرة بل يربط الأحداث والسياقات لفهم المعنى الحقيقي ولا يقبل المعلومات كما هي، بل يسأل «لماذا؟» و«كيف؟» ليصل إلى جذور الأمور، كما أنه لا يحكم على الأشياء بناء على المظهر الخارجي فقط، بل يبحث عن الأسباب والنتائج العميقة فالفهم العميق يحتاج إلى بحث وتجربة، لذلك يسعى دائماً لاكتساب المعرفة ويفهم كيف تؤثر الأمور على بعضها البعض، مما يُمكنه من التنبؤ بالنتائج واتخاذ قرارات حكيمة وصائبة.
لكن هذا لا يعني أن الشباب غير قادرين على القيادة في بعض الحالات، بل يكون للشباب أفكار إبداعية وطاقة تدفعهم للنجاح، خاصة في مجالات التكنولوجيا وريادة الأعمال، وكل جيل له مميزاته وتحدياته، لذلك التكامل بين الشباب والكبار ضرورة لتحقيق النجاح والتوازن في المجتمع.
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك