العدد : ١٧١٧٩ - السبت ٠٥ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٤٦هـ

العدد : ١٧١٧٩ - السبت ٠٥ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٧ شوّال ١٤٤٦هـ

قضايا و آراء

النضج الفكري بين وعي الشباب وحنكة الكبار

بقلم: عبدالهادي الخلاقي

السبت ٠٥ أبريل ٢٠٢٥ - 02:00

سنحت‭ ‬لي‭ ‬الفرصة‭ ‬لزيارة‭ ‬المملكة‭ ‬المغربية‭ ‬عام‭ ‬2003م‭ ‬ضمن‭ ‬وفد‭ ‬لحضور‭ ‬معسكر‭ ‬كشفي‭ ‬عربي‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬الرباط‭ ‬وتحديداً‭ ‬في‭ ‬غابة‭ ‬المعمورة‭ ‬أثناء‭ ‬دراستي‭ ‬الجامعية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬البحرين،‭ ‬فكان‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬فعاليات‭ ‬المعسكر‭ ‬الكشفي‭ ‬أن‭ ‬تُنظم‭ ‬الدولة‭ ‬المستضيفة‭ ‬برنامج‭ ‬زيارات‭ ‬للوفود‭ ‬المشاركة‭ ‬للتعرف‭ ‬على‭ ‬معالم‭ ‬البلاد‭ ‬التاريخية‭ ‬والحضارية‭ ‬وجمال‭ ‬طبيعتها،‭ ‬فكانت‭ ‬زيارتنا‭ ‬للمدينتين‭ ‬العريقتين‭ ‬فاس‭ ‬ومكناس‭ ‬للتعرف‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تحتويانه‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬وحضارة‭ ‬وثقافة‭ ‬وطبيعة‭ ‬وجمال،‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأثناء‭ ‬كُنا‭ ‬مجرد‭ ‬شباب‭ ‬يافع‭ ‬لا‭ ‬يكترث‭ ‬للمعالم‭ ‬والتاريخ‭ ‬والثقافة‭ ‬والفن‭ ‬وجمال‭ ‬العمارة‭ ‬والآثار‭ ‬والعادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬وأمور‭ ‬كثيرة،‭ ‬وإنما‭ ‬كنا‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬الاستمتاع‭ ‬بوقتنا‭ ‬خارج‭ ‬أسوار‭ ‬المعسكر‭ ‬وبصحبة‭ ‬الأصدقاء‭ ‬ولم‭ ‬نهتم‭ ‬بما‭ ‬تحتويه‭ ‬هاتين‭ ‬المدينتين‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬وإثر‭ ‬ثقافي‭ ‬وحضاري‭ ‬أي‭ ‬اهتمام‭ ‬ليس‭ ‬تعمداً‭ ‬وإنما‭ ‬لقلة‭ ‬ادراك‭ ‬منا‭ ‬بهذا‭ ‬الجانب‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يُمثل‭ ‬لنا‭ ‬أي‭ ‬إضافة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت،‭ ‬وهذا‭ ‬يؤكد‭ ‬لنا‭ ‬بأن‭ ‬المراحل‭ ‬العمرية‭ ‬للإنسان‭ ‬يختلف‭ ‬فيها‭ ‬الإدراك‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬لأخرى،‭ ‬الآن‭ ‬لو‭ ‬عاد‭ ‬بي‭ ‬الزمان‭ ‬وحظيت‭ ‬بزيارة‭ ‬لهاتين‭ ‬المدينتين‭ ‬سوف‭ ‬اتمعن‭ ‬بتاريخهما‭ ‬العريق‭ ‬وبجمالهما‭ ‬وبروعة‭ ‬العمارة‭ ‬وجمال‭ ‬الألوان‭ ‬فيهما،‭ ‬ولسوف‭ ‬اتعرف‭ ‬إلى‭ ‬عادات‭ ‬وتقاليد‭ ‬أهلها‭ ‬والمهن‭ ‬التي‭ ‬يمتهنونها‭ ‬والاطلاع‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬السائدة‭ ‬فيها‭ ‬وإمعان‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬تفاصيل‭ ‬دقيقة‭ ‬كثيرة‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المدن‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬حضارات‭ ‬واحداث‭ ‬تاريخية‭ ‬مختلفة‭.‬

النضج‭ ‬الفكري‭ ‬هو‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬بعمق‭ ‬والتحليل‭ ‬الواعي‭ ‬للأمور‭ ‬واتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬متزنة‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬العواطف‭ ‬المتسرعة‭ ‬والوصول‭ ‬بالعقل‭ ‬البشري‭ ‬لمرحلة‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬واستيعاب‭ ‬القضايا‭ ‬المركبة‭ ‬والمتعددة‭ ‬الأبعاد‭ ‬بشكل‭ ‬واع‭ ‬وسديد،‭ ‬وتحضر‭ ‬الحنكة‭ ‬والنباهة‭ ‬في‭ ‬التصرف‭ ‬والتدبير،‭ ‬ووفق‭ ‬مقاييس‭ ‬صحيحة‭ ‬وسليمة‭ ‬بإعمال‭ ‬النظر‭ ‬العقلي‭ ‬وإتباع‭ ‬طرق‭ ‬الاستدلال‭ ‬الصائب،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬مع‭ ‬غياب‭ ‬النضج‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬تكون‭ ‬السطحية‭ ‬والرعونة‭ ‬في‭ ‬الفهم‭ ‬والضحالة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الإنتاج‭ ‬العقلي‭.‬

وبلا‭ ‬شك‭ ‬فإن‭ ‬الإدراك‭ ‬يختلف‭ ‬بين‭ ‬الكبار‭ ‬والشباب‭ ‬اليافع‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬جداً،‭ ‬فالكبار‭ ‬لديهم‭ ‬خبرات‭ ‬حياتية‭ ‬واسعة‭ ‬تساعدهم‭ ‬على‭ ‬رؤية‭ ‬أوسع‭ ‬وتحليل‭ ‬المواقف‭ ‬بشكل‭ ‬أدق‭ ‬وأعمق،‭ ‬بينما‭ ‬يعتمد‭ ‬اليافعون‭ ‬على‭ ‬مشاعرهم‭ ‬وعواطفهم‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات،‭ ‬أما‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالتطور‭ ‬العقلي‭ ‬فالدماغ‭ ‬لدى‭ ‬اليافعين‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬النمو،‭ ‬خاصة‭ ‬الفص‭ ‬الجبهي‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬والتفكير‭ ‬النقدي‭ ‬مما‭ ‬يجعلهم‭ ‬أكثر‭ ‬اندفاعاً،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬اليافعين‭ ‬يميلون‭ ‬إلى‭ ‬التأثر‭ ‬بالعواطف‭ ‬والانفعالات‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الكبار‭ ‬الذين‭ ‬يعتمدون‭ ‬غالباً‭ ‬على‭ ‬المنطق‭ ‬والتحليل،‭ ‬بفضل‭ ‬تراكم‭ ‬التجارب،‭ ‬يميل‭ ‬الكبار‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬بهدوء‭ ‬قبل‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬المهمة،‭ ‬بعكس‭ ‬الشباب‭ ‬الذين‭ ‬قد‭ ‬يكونون‭ ‬أكثر‭ ‬تسرعاً‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬دون‭ ‬إدراك‭ ‬للنتائج،‭ ‬وعند‭ ‬مواجهة‭ ‬الأزمات‭ ‬يكون‭ ‬الكبار‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬بحكمة‭ ‬وروية،‭ ‬نظراً‭ ‬لما‭ ‬مروا‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬مواقف‭ ‬وتجارب‭ ‬صقلت‭ ‬مهاراتهم‭ ‬الحياتية‭ ‬والعملية،‭ ‬عاطفياً‭ ‬يتصف‭ ‬الكبار‭ ‬بأنهم‭ ‬أكثر‭ ‬استقراراً‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬العاطفية،‭ ‬مما‭ ‬يساعدهم‭ ‬غالبا‭ ‬على‭ ‬تجنب‭ ‬القرارات‭ ‬المتسرعة‭ ‬أو‭ ‬العاطفية‭.‬

تيم‭ ‬كوك‭ ‬هو‭ ‬أنموذج‭ ‬لنجاح‭ ‬الخبرة‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬نمو‭ ‬مُذهل‭ ‬لشركة‭ ‬أبل؛‭ ‬فبعد‭ ‬وفاة‭ ‬ستيف‭ ‬جوبز‭ ‬تساءل‭ ‬الجميع‭: ‬هل‭ ‬سينهار‭ ‬إرث‭ ‬أبل؟‭ ‬لكن‭ ‬تيم‭ ‬كوك،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬الشركة‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬استلم‭ ‬القيادة‭ ‬في‭ ‬2011‭ ‬وبفضل‭ ‬خبرته‭ ‬العميقة‭ ‬في‭ ‬العمليات‭ ‬وسلاسل‭ ‬التوريد،‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬نمو‭ ‬لشركة‭ ‬أبل‭ ‬لتصبح‭ ‬أول‭ ‬شركة‭ ‬تصل‭ ‬قيمتها‭ ‬السوقية‭ ‬إلى‭ ‬3‭ ‬تريليونات‭ ‬دولار،‭ ‬وهذا‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الخبرة‭ ‬الطويلة‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬نجاح‭ ‬مذهل‭.‬

الفهم‭ ‬الأعمق‭ ‬للأمور‭ ‬يعني‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحليل‭ ‬المواقف‭ ‬بشكل‭ ‬شامل‭ ‬وعدم‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالمظاهر‭ ‬السطحية‭ ‬ويتميز‭ ‬الشخص‭ ‬ذو‭ ‬الفهم‭ ‬العميق‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬يركز‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬بل‭ ‬يربط‭ ‬الأحداث‭ ‬والسياقات‭ ‬لفهم‭ ‬المعنى‭ ‬الحقيقي‭ ‬ولا‭ ‬يقبل‭ ‬المعلومات‭ ‬كما‭ ‬هي،‭ ‬بل‭ ‬يسأل‭ ‬‮«‬لماذا؟‮»‬‭ ‬و«كيف؟‮»‬‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬جذور‭ ‬الأمور،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يحكم‭ ‬على‭ ‬الأشياء‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬المظهر‭ ‬الخارجي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الأسباب‭ ‬والنتائج‭ ‬العميقة‭ ‬فالفهم‭ ‬العميق‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬بحث‭ ‬وتجربة،‭ ‬لذلك‭ ‬يسعى‭ ‬دائماً‭ ‬لاكتساب‭ ‬المعرفة‭ ‬ويفهم‭ ‬كيف‭ ‬تؤثر‭ ‬الأمور‭ ‬على‭ ‬بعضها‭ ‬البعض،‭ ‬مما‭ ‬يُمكنه‭ ‬من‭ ‬التنبؤ‭ ‬بالنتائج‭ ‬واتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬حكيمة‭ ‬وصائبة‭.‬

لكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الشباب‭ ‬غير‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬القيادة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬بل‭ ‬يكون‭ ‬للشباب‭ ‬أفكار‭ ‬إبداعية‭ ‬وطاقة‭ ‬تدفعهم‭ ‬للنجاح،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬وريادة‭ ‬الأعمال،‭ ‬وكل‭ ‬جيل‭ ‬له‭ ‬مميزاته‭ ‬وتحدياته،‭ ‬لذلك‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬الشباب‭ ‬والكبار‭ ‬ضرورة‭ ‬لتحقيق‭ ‬النجاح‭ ‬والتوازن‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا