العدد : ١٧١٧٨ - الجمعة ٠٤ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤٦هـ

العدد : ١٧١٧٨ - الجمعة ٠٤ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤٦هـ

قضايا و آراء

العالم يتجه نحو نظام دولي جديد

بقلم: د. عبدالحق عزوزي {

الجمعة ٠٤ أبريل ٢٠٢٥ - 02:00

مع‭ ‬الولاية‭ ‬الثانية‭ ‬للرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترمب،‭ ‬دخل‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬حقبة‭ ‬جديدة،‭ ‬ودخلنا‭ ‬في‭ ‬تغيرات‭ ‬جيوسياسية‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وفي‭ ‬أهداف‭ ‬حلف‭ ‬الناتو،‭ ‬ولربما‭ ‬سنصبح‭ ‬في‭ ‬حقبة‭ ‬تتمأسس‭ ‬فيها‭ ‬3‭ ‬كتل‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬‮«‬أمريكية‭ ‬وروسية‭ ‬وصينية‮»‬‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬تعم‭ ‬الفوضى‭ ‬والصراعات‭ ‬الساحة‭ ‬الدولية،‭ ‬وستتكيف‭ ‬كل‭ ‬منطقة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬بشكل‭ ‬متزعزع‭ ‬مع‭ ‬التكوين‭ ‬الجديد‭ ‬للقوة‭.‬

لا‭ ‬أحد‭ ‬كان‭ ‬يتكهن‭ ‬أن‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬سيحدث‭ ‬شرخاً‭ ‬عظيماً‭ ‬في‭ ‬جدار‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الجديد‭ ‬بهذه‭ ‬الحدة،‭ ‬ولا‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬التغييرات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وبالأخص‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أن‭ ‬القادة‭ ‬الأوروبيين‭ ‬بدأ‭ ‬ينتابهم‭ ‬خوف‭ ‬وجودي‭ ‬شديد،‭ ‬وهم‭ ‬يعيشون‭ ‬اليوم‭ ‬بين‭ ‬سندان‭ ‬ضرورة‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬الودّ‭ ‬الأمريكي،‭ ‬ومطرقة‭ ‬الاستقلال‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬العسكري‭ ‬الأوروبي‭.‬

استفاقت‭ ‬أوروبا‭ ‬على‭ ‬واقع‭ ‬جديد،‭ ‬كان‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬السابق‭ ‬بايدن‭ ‬يرسل‭ ‬الأسلحة‭ ‬والعتاد‭ ‬إلى‭ ‬أوكرانيا‭ ‬بكرم‭ ‬وحماس‭ ‬شديدين‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬مقابل‭ ‬مالي،‭ ‬وكان‭ ‬يطمئن‭ ‬حلفاءه‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الحلف‭ ‬الأطلسي‭ ‬مظلة‭ ‬عسكرية‭ ‬تحميها‭ ‬العيون‭ ‬الاستخباراتية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وتغذيها‭ ‬آخر‭ ‬الاختراعات‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭.‬

وكان‭ ‬الأوروبيون‭ ‬بذلك‭ ‬في‭ ‬مأمن‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يؤخذوا‭ ‬في‭ ‬تقلبهم‭ ‬فما‭ ‬هم‭ ‬بمعجزين‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬تخوف،‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬ترامب‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬تغير‭. ‬وجد‭ ‬الأوروبيون‭ ‬أنفسهم‭ ‬مع‭ ‬رجل‭ ‬يجلس‭ ‬على‭ ‬عرش‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬وهو‭ ‬يملك‭ ‬مقاليد‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية‭ ‬بأكملها؛‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬يأتي‭ ‬بقرارات‭ ‬يوقعها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬اكتراث‭ ‬بأدبيات‭ ‬فصل‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وفي‭ ‬صمت‭ ‬عجيب‭ ‬وغير‭ ‬مسبوق‭ ‬من‭ ‬الديمقراطيين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يحركون‭ ‬ساكنا‭.‬

وجد‭ ‬الأوروبيون‭ ‬أنفسهم‭ ‬مع‭ ‬رجل‭ ‬أعمال‭ ‬ذكي‭ ‬وماهر‭ ‬في‭ ‬المفاوضات‭ ‬ولا‭ ‬يخاف‭ ‬العواقب؛‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬المساهمة‭ ‬البخسة‭ ‬لأوروبا‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬تسلحها‭ ‬ودفاعها،‭ ‬وكأن‭ ‬أمريكا‭ ‬وصية‭ ‬على‭ ‬وجودها‭ ‬بين‭ ‬الأمم‭. ‬بدأ‭ ‬بعملية‭ ‬التأديب‭ ‬والترويض‭ ‬للأوكرانيين،‭ ‬وكانت‭ ‬المشادة‭ ‬العلنية‭ ‬اللامسبوقة‭ ‬بين‭ ‬الرئيس‭ ‬الأوكراني‭ ‬زيلينسكي‭ ‬والرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬وهي‭ ‬مواجهة‭ ‬في‭ ‬بث‭ ‬مباشر‭ ‬تناقلتها‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬تعجب‭ ‬وذعر‭ ‬أصاب‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬وبالأخص‭ ‬الحلفاء‭ ‬الأوروبيون‭.‬

لقد‭ ‬غيّرت‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬قصير‭ ‬موقفها‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬وجمدت‭ ‬مساعداتها‭ ‬العسكرية‭ ‬لكييف‭ ‬وتبادل‭ ‬المعلومات‭ ‬الاستخباراتية‭ ‬معها‭... ‬لم‭ ‬تمر‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭ ‬حتى‭ ‬بدأت‭ ‬اجتماعات‭ ‬متتالية‭ ‬للقادة‭ ‬الأوروبيين،‭ ‬يحركهم‭ ‬أحد‭ ‬جناحي‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬أي‭ ‬فرنسا‭ ‬فقط،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أصيب‭ ‬الجناح‭ ‬الثاني،‭ ‬وأعني‭ ‬بذلك‭ ‬ألمانيا‭ ‬بمشاكل‭ ‬سياسية‭ ‬داخلية‭ ‬صعبة‭... ‬والنتيجة‭ ‬اتفاق‭ ‬قادة‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬على‭ ‬خطة‭ ‬لإعادة‭ ‬تسليح‭ ‬أوروبا،‭ ‬تقضي‭ ‬برصد‭ ‬نحو‭ ‬800‭ ‬مليار‭ ‬يورو،‭ ‬وبالتأكيد‭ ‬سيخصص‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬منه‭ ‬لشراء‭ ‬السلاح‭ ‬الأمريكي،‭ ‬لأن‭ ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬سيجود‭ ‬بها‭ ‬عن‭ ‬مضض‭ ‬دافعو‭ ‬الضرائب‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬ولكنها‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالقدرة‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬فأوروبا‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬إنتاج‭ ‬السلاح‭ ‬بشكل‭ ‬كبير؛‭ ‬فمصانع‭ ‬الأسلحة‭ ‬قليلة‭ ‬مقارنة‭ ‬بنظيراتها‭ ‬الأمريكية‭ ‬أو‭ ‬الروسية‭ ‬أو‭ ‬الصينية،‭ ‬وهناك‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬منشآت‭ ‬جديدة،‭ ‬وتطوير‭ ‬سلسلة‭ ‬الإمدادات،‭ ‬وصناعة‭ ‬مواد‭ ‬أولية‭ ‬لمواكبة‭ ‬الطلب‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الأوكرانيين‭ ‬سيسمحون‭ ‬لأمريكا‭ ‬باستغلال‭ ‬معادن‭ ‬أوكرانيا‭ ‬النادرة‭ ‬لتغطية‭ ‬المصاريف‭ ‬العسكرية‭ ‬لإدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬السابق‭ ‬بايدن‭ ‬لصالح‭ ‬الأوكرانيين‭... ‬وبحسب‭ ‬معهد‭ ‬كيل‭ ‬الألماني،‭ ‬فإن‭ ‬واشنطن‭ ‬قدّمت‭ ‬بمفردها‭ ‬نحو‭ ‬نصف‭ ‬قيمة‭ ‬المساعدات‭ ‬العسكرية‭ ‬لأوكرانيا‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬من‭ ‬2022‭ ‬إلى‭ ‬2024‭. ‬الرابح‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬أمريكا‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬بامتياز،‭ ‬والخاسر‭ ‬الأكبر‭ ‬هو‭ ‬أوكرانيا‭ ‬وأوروبا،‭ ‬وستطول‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة،‭ ‬لأن‭ ‬أوروبا‭ ‬لو‭ ‬أنفقت‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬جميعاً‭ ‬في‭ ‬تسلحها،‭ ‬فلا‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تستغني‭ ‬عن‭ ‬أمريكا‭ ‬وعن‭ ‬سلاحها‭ ‬وعن‭ ‬استخباراتها‭ ‬وعن‭ ‬أقمار‭ ‬تجسسها‭ ‬وأنظمة‭ ‬مراقبتها‭ ‬وعن‭ ‬هيمنتها‭ ‬وعن‭ ‬دورها‭ ‬المركزي‭ ‬كمظلة‭ ‬حماية‭ ‬في‭ ‬الحلف‭ ‬الأطلسي‭.‬

وهناك‭ ‬مشكل‭ ‬آخر‭ ‬يؤرق‭ ‬الحلفاء‭ ‬الأوروبيين،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬دخل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬المجهول‭ ‬والتوجس‭ ‬والغموض‭ ‬واللايقين‭. ‬ومرد‭ ‬ذلك‭ ‬أنهم‭ ‬لا‭ ‬يدرون‭ ‬ما‭ ‬يخفيه‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬نفسه‭ ‬كل‭ ‬ليلة‭ ‬ولا‭ ‬يبديه‭ ‬لهم؛‭ ‬وهو‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬يطلب‭ ‬المزيد،‭ ‬لأنَّه‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬قوة‭ ‬ولا‭ ‬يبالي‭ ‬بالأعراف‭ ‬والتقاليد‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والتجارية؛‭ ‬وهو‭ ‬يقدس‭ ‬قاعدة‭ ‬‮«‬أمريكا‭ ‬أولاً‮»‬،‭ ‬ويريد‭ ‬تغيير‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭ ‬الذي‭ ‬ألفته‭ ‬الدول،‭ ‬ونظر‭ ‬له‭ ‬المنظرون‭ ‬منذ‭ ‬عقود؛‭ ‬ويأخذ‭ ‬قرارات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬ومتتالية‭. ‬

ويكفي‭ ‬أن‭ ‬نستحضر‭ ‬أنه‭ ‬خلال‭ ‬40‭ ‬يوماً،‭ ‬أصدر‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬79‭ ‬أمراً‭ ‬تنفيذياً،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬مجموع‭ ‬مراسيم‭ ‬بايدن‭ ‬خلال‭ ‬عامه‭ ‬الأول‭ ‬بالبيت‭ ‬الأبيض‭. ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬العقيدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الترامبية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬‮«‬إحياء‭ ‬الحلم‭ ‬الأمريكي‮»‬‭ ‬وما‭ ‬تتبعها‭ ‬من‭ ‬سياسات‭ ‬صارمة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الهجرة،‭ ‬وأخرى‭ ‬اقتصادية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬ضد‭ ‬دول،‭ ‬مثل‭ ‬كندا‭ ‬والمكسيك‭ ‬والاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬وهي‭ ‬مجتمعة‭ ‬تغير‭ ‬النظام‭ ‬العالمي،‭ ‬وتزعزع‭ ‬الأسواق‭ ‬والبورصات،‭ ‬وتسرح‭ ‬العمال،‭ ‬وتؤثر‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬الأحزاب‭ ‬الحاكمة‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬البلدان‭.‬

{ أكاديمي‭ ‬مغربي‭ ‬متخصص‭ ‬

في‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬والقانون

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا