زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
تطبيع العلاقات مع يهودي
بينما كنت وزملائي المبتعثين للدراسة في لندن نخسر المعركة تلو المعركة في صدام الحضارات، كان أصدقاء السوء يتوقعون منا أن نعود من لندن ومعنا ملفات ضخمة عن غزواتنا العاطفية، فقد كان من الشائع وقتها -وما زال بعض الأفارقة والعرب يعتقدون- أن بنات الخواجات على الهبشة، والواحدة منهن «ما تصدق» تلقى إشارة أو غمزة من زائر غريب، حتى تفقد صوابها وثيابها وتتبعه كظله: شبيك لبيك، كرستينا بين يديك، أنا الدجاجة وأنت الديك!! لم نصادف هذا الصنف من البنات ولم نسع إلى مصادفته فقد كنا مبهورين بكل شيء في لندن. وطفنا بحدائقها ومتاحفها وميادينها التاريخية. ووجدت بين إخوتي السود في جنوب لندن نشاطا سياسيا مخلصا وصادقا لتعرية نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وكانت حكومة بريتوريا العنصرية قد قتلت المناضل الأسود الشاب ستيف بيكو في ضاحية سويتو في جوهانسبيرغ، وعمت معظم عواصم العالم مظاهرات غاضبة تطالب بإسقاط النظام العنصري في جنوب إفريقيا، ووجدت نفسي منغمسا مع البريطانيين السود في التعبئة العامة ضد ذلك النظام، وأوصلتني إلى ذلك مساعدة تدريس بالمعهد الذي كنا ندرس فيه فنون العمل التلفزيوني، كانت جوان دُران ذات تركيبة عجيبة فقد ولدت في كوبا، وقضت شطرا من عمرها في الولايات المتحدة ثم إسبانيا وكان أبوها مقاتلا في صفوف الجمهوريين خلال الحرب الأهلية في إسبانيا ضد عصبة الدكتاتور فرانكو، وكانت شديدة الحماس لقضايا التحرر في العالم الثالث، وزرنا والدتها ذات مرة في كيمبردج، وكانت مقعدة تستخدم كرسيا متحركا، ووجدناها «ثورية» تعرف كل كبيرة وصغيرة عن التحولات في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية ولديها صلات بالحركات الثورية في تلك القارات.
ذات مرة قررت تصوير لقطات تتعلق بدراستي في منطقة بريكستون في جنوب لندن، وكان مهندس الصوت في المعهد بريطانيا يهوديا، وأبدى رغبته في الذهاب معي إلى تلك المنطقة التي يخيل إليك أنها في الكونغو لكثرة عدد السود فيها، ولم تكن هناك وقتها حساسيات شديدة بين السود والبيض في بريطانيا، ولكن كان الحذر واجبا من جانب البيض عندما يدخلون مناطق معظم سكانها من السود، فاصطحبته وذهبنا إلى مركز ثقافي للسود، كنت أعرف القائمين على أمره وقلت لهم: هذا الرجل أبيض ويهودي. إما أن يهتف بسقوط إسرائيل هنا أو يكون لنا معه «تصرف آخر». ضحك أصدقائي وأحس اليهودي بالحرج، ولكنه استجمع شجاعته وقال: لن أهتف بسقوط إسرائيل، رغم أنني مرفوض من قبل التجمعات اليهودية في لندن، لأنني لا أعترف أصلا بحق اليهود في إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين، وكنت أعرف أنه صادق. وكنت أعرف سلفا أنه يهودي «قِشرة» كما نقول في السودان عن الشخص ضعيف الانتماء إلى شيء ما.. يهودي بحكم المولد، ومتعاطف مع الفلسطينيين وكل الشعوب المقهورة.
وكان هناك اثنان من أساتذتنا: مايكل باريت وجون كلهار، عاشقين لإفريقيا بحكم أنهما عملا طويلا في دولها، وكان كلهار «صائعا» من الدرجة الأولى.. ضارب الدنيا صرمة كما يقول المصريون، ودعاني ذات يوم لتناول الغداء على نفقته وقادني إلى مطعم بائس الأثاث وفقير الإضاءة، من النوع الذي تراه في أفلام الرعب، وبكل بجاحة قلت له إنني جئت من السودان هربا من المطاعم الركيكة، وإنني لست متخلفا بحيث أتناول طعاما في مطعم قذر كذاك، فكان رده أنه عندما ذهب إلى زامبيا لأول مرة أصيب باضطرابات هضمية كادت أن تقتله، وشيئا فشيئا اعتاد على أكل الطعام حيثما اتفق وشرب الماء من نهر زمبيزي مباشرة، وأنه وبعد أن عاد الى بريطانيا صار يعاني من حساسية من «الأكل النظيف المفلتر».. ونصحني: لا تدلع بطنك.. ولا يغرك منظر الأكل في المطاعم الراقية.. خليك في المطاعم الشعبية وستعقد بطنك هدنة مع الجراثيم والباكتيريا. وتصبح صحتك «حديد»!
إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"
aak_news

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك