العدد : ١٧١٧٨ - الجمعة ٠٤ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤٦هـ

العدد : ١٧١٧٨ - الجمعة ٠٤ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤٦هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

تطبيع العلاقات مع يهودي

بينما‭ ‬كنت‭ ‬وزملائي‭ ‬المبتعثين‭ ‬للدراسة‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬نخسر‭ ‬المعركة‭ ‬تلو‭ ‬المعركة‭ ‬في‭ ‬صدام‭ ‬الحضارات،‭ ‬كان‭ ‬أصدقاء‭ ‬السوء‭ ‬يتوقعون‭ ‬منا‭ ‬أن‭ ‬نعود‭ ‬من‭ ‬لندن‭ ‬ومعنا‭ ‬ملفات‭ ‬ضخمة‭ ‬عن‭ ‬غزواتنا‭ ‬العاطفية،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الشائع‭ ‬وقتها‭ -‬وما‭ ‬زال‭ ‬بعض‭ ‬الأفارقة‭ ‬والعرب‭ ‬يعتقدون‭- ‬أن‭ ‬بنات‭ ‬الخواجات‭ ‬على‭ ‬الهبشة،‭ ‬والواحدة‭ ‬منهن‭ ‬‮«‬ما‭ ‬تصدق‮»‬‭ ‬تلقى‭ ‬إشارة‭ ‬أو‭ ‬غمزة‭ ‬من‭ ‬زائر‭ ‬غريب،‭ ‬حتى‭ ‬تفقد‭ ‬صوابها‭ ‬وثيابها‭ ‬وتتبعه‭ ‬كظله‭: ‬شبيك‭ ‬لبيك،‭ ‬كرستينا‭ ‬بين‭ ‬يديك،‭ ‬أنا‭ ‬الدجاجة‭ ‬وأنت‭ ‬الديك‭!! ‬لم‭ ‬نصادف‭ ‬هذا‭ ‬الصنف‭ ‬من‭ ‬البنات‭ ‬ولم‭ ‬نسع‭ ‬إلى‭ ‬مصادفته‭ ‬فقد‭ ‬كنا‭ ‬مبهورين‭ ‬بكل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬لندن‭. ‬وطفنا‭ ‬بحدائقها‭ ‬ومتاحفها‭ ‬وميادينها‭ ‬التاريخية‭. ‬ووجدت‭ ‬بين‭ ‬إخوتي‭ ‬السود‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬لندن‭ ‬نشاطا‭ ‬سياسيا‭ ‬مخلصا‭ ‬وصادقا‭ ‬لتعرية‭ ‬نظام‭ ‬الفصل‭ ‬العنصري‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬إفريقيا،‭ ‬وكانت‭ ‬حكومة‭ ‬بريتوريا‭ ‬العنصرية‭ ‬قد‭ ‬قتلت‭ ‬المناضل‭ ‬الأسود‭ ‬الشاب‭ ‬ستيف‭ ‬بيكو‭ ‬في‭ ‬ضاحية‭ ‬سويتو‭ ‬في‭ ‬جوهانسبيرغ،‭ ‬وعمت‭ ‬معظم‭ ‬عواصم‭ ‬العالم‭ ‬مظاهرات‭ ‬غاضبة‭ ‬تطالب‭ ‬بإسقاط‭ ‬النظام‭ ‬العنصري‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬إفريقيا،‭ ‬ووجدت‭ ‬نفسي‭ ‬منغمسا‭ ‬مع‭ ‬البريطانيين‭ ‬السود‭ ‬في‭ ‬التعبئة‭ ‬العامة‭ ‬ضد‭ ‬ذلك‭ ‬النظام،‭ ‬وأوصلتني‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬مساعدة‭ ‬تدريس‭ ‬بالمعهد‭ ‬الذي‭ ‬كنا‭ ‬ندرس‭ ‬فيه‭ ‬فنون‭ ‬العمل‭ ‬التلفزيوني،‭ ‬كانت‭ ‬جوان‭ ‬دُران‭ ‬ذات‭ ‬تركيبة‭ ‬عجيبة‭ ‬فقد‭ ‬ولدت‭ ‬في‭ ‬كوبا،‭ ‬وقضت‭ ‬شطرا‭ ‬من‭ ‬عمرها‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ثم‭ ‬إسبانيا‭ ‬وكان‭ ‬أبوها‭ ‬مقاتلا‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬الجمهوريين‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭ ‬في‭ ‬إسبانيا‭ ‬ضد‭ ‬عصبة‭ ‬الدكتاتور‭ ‬فرانكو،‭ ‬وكانت‭ ‬شديدة‭ ‬الحماس‭ ‬لقضايا‭ ‬التحرر‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الثالث،‭ ‬وزرنا‭ ‬والدتها‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬كيمبردج،‭ ‬وكانت‭ ‬مقعدة‭ ‬تستخدم‭ ‬كرسيا‭ ‬متحركا،‭ ‬ووجدناها‭ ‬‮«‬ثورية‮»‬‭ ‬تعرف‭ ‬كل‭ ‬كبيرة‭ ‬وصغيرة‭ ‬عن‭ ‬التحولات‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬وآسيا‭ ‬وأمريكا‭ ‬الجنوبية‭ ‬ولديها‭ ‬صلات‭ ‬بالحركات‭ ‬الثورية‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬القارات‭.‬

ذات‭ ‬مرة‭ ‬قررت‭ ‬تصوير‭ ‬لقطات‭ ‬تتعلق‭ ‬بدراستي‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬بريكستون‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬لندن،‭ ‬وكان‭ ‬مهندس‭ ‬الصوت‭ ‬في‭ ‬المعهد‭ ‬بريطانيا‭ ‬يهوديا،‭ ‬وأبدى‭ ‬رغبته‭ ‬في‭ ‬الذهاب‭ ‬معي‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬يخيل‭ ‬إليك‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬الكونغو‭ ‬لكثرة‭ ‬عدد‭ ‬السود‭ ‬فيها،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬وقتها‭ ‬حساسيات‭ ‬شديدة‭ ‬بين‭ ‬السود‭ ‬والبيض‭ ‬في‭ ‬بريطانيا،‭ ‬ولكن‭ ‬كان‭ ‬الحذر‭ ‬واجبا‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬البيض‭ ‬عندما‭ ‬يدخلون‭ ‬مناطق‭ ‬معظم‭ ‬سكانها‭ ‬من‭ ‬السود،‭ ‬فاصطحبته‭ ‬وذهبنا‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬ثقافي‭ ‬للسود،‭ ‬كنت‭ ‬أعرف‭ ‬القائمين‭ ‬على‭ ‬أمره‭ ‬وقلت‭ ‬لهم‭: ‬هذا‭ ‬الرجل‭ ‬أبيض‭ ‬ويهودي‭. ‬إما‭ ‬أن‭ ‬يهتف‭ ‬بسقوط‭ ‬إسرائيل‭ ‬هنا‭ ‬أو‭ ‬يكون‭ ‬لنا‭ ‬معه‭ ‬‮«‬تصرف‭ ‬آخر‮»‬‭. ‬ضحك‭ ‬أصدقائي‭ ‬وأحس‭ ‬اليهودي‭ ‬بالحرج،‭ ‬ولكنه‭ ‬استجمع‭ ‬شجاعته‭ ‬وقال‭: ‬لن‭ ‬أهتف‭ ‬بسقوط‭ ‬إسرائيل،‭ ‬رغم‭ ‬أنني‭ ‬مرفوض‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬التجمعات‭ ‬اليهودية‭ ‬في‭ ‬لندن،‭ ‬لأنني‭ ‬لا‭ ‬أعترف‭ ‬أصلا‭ ‬بحق‭ ‬اليهود‭ ‬في‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬فلسطين،‭ ‬وكنت‭ ‬أعرف‭ ‬أنه‭ ‬صادق‭. ‬وكنت‭ ‬أعرف‭ ‬سلفا‭ ‬أنه‭ ‬يهودي‭ ‬‮«‬قِشرة‮»‬‭ ‬كما‭ ‬نقول‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬عن‭ ‬الشخص‭ ‬ضعيف‭ ‬الانتماء‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬ما‭.. ‬يهودي‭ ‬بحكم‭ ‬المولد،‭ ‬ومتعاطف‭ ‬مع‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وكل‭ ‬الشعوب‭ ‬المقهورة‭.‬

وكان‭ ‬هناك‭ ‬اثنان‭ ‬من‭ ‬أساتذتنا‭: ‬مايكل‭ ‬باريت‭ ‬وجون‭ ‬كلهار،‭ ‬عاشقين‭ ‬لإفريقيا‭ ‬بحكم‭ ‬أنهما‭ ‬عملا‭ ‬طويلا‭ ‬في‭ ‬دولها،‭ ‬وكان‭ ‬كلهار‭ ‬‮«‬صائعا‮»‬‭ ‬من‭ ‬الدرجة‭ ‬الأولى‭.. ‬ضارب‭ ‬الدنيا‭ ‬صرمة‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬المصريون،‭ ‬ودعاني‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬لتناول‭ ‬الغداء‭ ‬على‭ ‬نفقته‭ ‬وقادني‭ ‬إلى‭ ‬مطعم‭ ‬بائس‭ ‬الأثاث‭ ‬وفقير‭ ‬الإضاءة،‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬تراه‭ ‬في‭ ‬أفلام‭ ‬الرعب،‭ ‬وبكل‭ ‬بجاحة‭ ‬قلت‭ ‬له‭ ‬إنني‭ ‬جئت‭ ‬من‭ ‬السودان‭ ‬هربا‭ ‬من‭ ‬المطاعم‭ ‬الركيكة،‭ ‬وإنني‭ ‬لست‭ ‬متخلفا‭ ‬بحيث‭ ‬أتناول‭ ‬طعاما‭ ‬في‭ ‬مطعم‭ ‬قذر‭ ‬كذاك،‭ ‬فكان‭ ‬رده‭ ‬أنه‭ ‬عندما‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬زامبيا‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬أصيب‭ ‬باضطرابات‭ ‬هضمية‭ ‬كادت‭ ‬أن‭ ‬تقتله،‭ ‬وشيئا‭ ‬فشيئا‭ ‬اعتاد‭ ‬على‭ ‬أكل‭ ‬الطعام‭ ‬حيثما‭ ‬اتفق‭ ‬وشرب‭ ‬الماء‭ ‬من‭ ‬نهر‭ ‬زمبيزي‭ ‬مباشرة،‭ ‬وأنه‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬عاد‭ ‬الى‭ ‬بريطانيا‭ ‬صار‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬حساسية‭ ‬من‭ ‬‮«‬الأكل‭ ‬النظيف‭ ‬المفلتر‮»‬‭.. ‬ونصحني‭: ‬لا‭ ‬تدلع‭ ‬بطنك‭.. ‬ولا‭ ‬يغرك‭ ‬منظر‭ ‬الأكل‭ ‬في‭ ‬المطاعم‭ ‬الراقية‭.. ‬خليك‭ ‬في‭ ‬المطاعم‭ ‬الشعبية‭ ‬وستعقد‭ ‬بطنك‭ ‬هدنة‭ ‬مع‭ ‬الجراثيم‭ ‬والباكتيريا‭. ‬وتصبح‭ ‬صحتك‭ ‬‮«‬حديد‮»‬‭!‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا