أظهرت الأحداث الأخيرة التي يشهدها العالم أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تعمل من أجل الحفاظ على النظام العالمي، ولا تهتم بالقضايا العالمية بقدر الاهتمام بمصالحها الذاتية الضيقة. في المقابل، لم تعد طموحات الصين أو روسيا الاتحادية طموحات أيديولوجية أو تتركز في إعادة البعث للشيوعية، لكن بكين تسعى إلى التصرف بمسؤولية دولية من خلال إظهار الحكمة في إدارة الأزمات والاهتمام بالمجالات البشرية، مثل الصحة ومواجهة الفقر والبنية التحتية.
إذا قدر للصين أن تتولى قيادة العالم، فستكون الدولة الأولى غير الديمقراطية التي لا تتحدث الإنجليزية التي تتولى زمام الأمور العالمية، ما يطرح تساؤلات عن الأسباب وراء إعادة تشكيل النظام العالمي وملامح النظام العالمي الجديد وسبل المواجهة بين القطب الحالي والقطب المحتمل وسلوك الأقطاب في الشرق الأوسط وما يمكن أن يحمله التنافس القطبي من فرص وما يفرضه من تحديات وتداعيات، في ظل كون الشرق الأوسط إقليمًا استثنائيا على نحو جعل بكين تتحاشي طويلا التدخل في أموره بشكل كامل لفترات طويلة، واقتصر تدخلها على بعض النواحي الاقتصادية أو التدخل كوسيط نزيه مثلما حدث في التوسط بين السعودية وإيران. أما روسيا، فإن تدخلها يعتمد بشكل أساسي على القوة العسكرية التي تمتلك فيها ميزة نسبية، وأيضًا خبرات تاريخية.
موقع الصين وروسيا
في الساحة العالمية:
هناك نظرة مشتركة بين البلدين تجاه النظام العالمي، وهو أن كلاً منهما محاصر بمجال نفوذ أمريكي مباشر من خلال تايوان وأوكرانيا. وتمتلك معظم الدول المجاورة للصين وروسيا علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية. على الرغم من ذلك، فإن واشنطن بات لديها هواجس تبعث على القلق من بكين، حيث تملك الصين أقوى قوة عسكرية برية في العالم، وهي صاحبة ثاني أكبر ميزانية عسكرية في العالم، وتملك ثالث أكبر قوة جوية في العالم، وتقوم بتطوير طائرات متقدمة بتكنولوجيا محلية لأغراض الدفاع المحلي والتصدير، وتقوم بتطوير سلاحها البحري بسرعة فائقة، ونجحت في إنتاج حاملة طائرات محلية، وأرسلت سفينة إلى سطح القمر مصنوعة بتكنولوجيا محلية، فضلاً عن ذلك، بدأت تسعى لإقامة قواعد عسكرية في الخارج (مثل قاعدة جيبوتي)، كما تتوسع في الحصول على تسهيلات في الكثير من الموانئ العالمية، وامتلكت شركاتها حصصًا في أكثر من ثلاثة عشر ميناء في أوروبا، وأنشأت العديد من الجزر الصناعية في بحر الصين الجنوبي للتحكم في حركة الملاحة. إضافة إلى ذلك، تتبنى الصين استراتيجية اقتصادية توسعية لربط الصين بالعالم من خلال مبادرة «الحزام والطريق»، وتملك نفوذا متزايدًا في سوق المنتجات التكنولوجية المتقدمة في مجالات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والطاقة الشمسية، والسيارات وأجهزة الذكاء الاصطناعي وغيرها.
على صعيد آخر، تعمل روسيا على تعزيز وجودها العسكري في ليبيا بعد أن كرست وجودها في سوريا، من خلال زيادة شحنات القوات والمعدات العسكرية إلى ليبيا، ما يرسخ نفوذها الذي يمكن أن يؤثر في تدفقات الهجرة نحو أوروبا. فالوجود الروسي في ليبيا الذي أصبح ملموسا منذ عام 2019 متمثلا في عناصر الشركات العسكرية الخاصة، ولا سيما شركة فاجنر الروسية، شهد تسارعًا مفاجئا منذ بداية عام 2024. وأكد فريق تحقيق دولي معني بالشبكات الروسية في إفريقيا أن نقل المعدات والمركبات العسكرية من سوريا إلى ليبيا يشكل الجانب الأكثر وضوحًا لهذا التدخل المتزايد. وأن هناك الآن أكثر من 1800 روسي منتشرين في جميع أنحاء ليبيا، فضلا عن أن سفينتي إنزال تابعتين للبحرية الروسية غادرتا قاعدة طرطوس البحرية السورية ووصلتا إلى ميناء طبرق في 8 أبريل 2024.
فرص وتحديات
بشكل عام، لا تحمل بكين وكذلك موسكو، وهي تدير علاقاتها مع دول الشرق الأوسط، أي أعباء استعمارية سابقة، الأمر الذي يمهد أمامها الطريق لإقامة علاقات متوازنة من خلال حل الأزمات، وليس إشعالها، وأيضا القيام بدور الشريك النزيه، ما يساعد على إحداث تنمية اقتصادية بالمنطقة. وقد حدد الرئيس الصيني شي جين بينج طريقة تعامل بلاده مع الشرق الأوسط، حيث ذكر أنها تلتزم بتحديد سياستها واتخاذ إجراءاتها مع الشرق الأوسط بناء على الحقائق عن القضايا نفسها، وانطلاقًا من المصلحة الأساسية لشعوب المنطقة، وأن بكين تعمل على النصح بالتصالح والحث على التفاوض ولا تقوم بتنصيب الوكلاء.
يتيح التقدم التكنولوجي الصيني، في مجالات عدة، فرصًا هائلة للشرق الأوسط للتغلب على الفجوة التكنولوجية التي أوجدتها الولايات المتحدة الأمريكية ولم تعمل على معالجتها. هناك تعاون صيني مع العديد من دول المنطقة في هذا المجال، مثل التعاون مع شركة «سابك» السعودية باستثمارات تبلغ أكثر من ستة مليارات دولار. وتسعى الصين إلى تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، وترى أن أنشطة روسيا بالوكالة تتعارض مع مصالحها الاقتصادية. لهذا السبب، وعلى الرغم من التعاون المكثف بين البلدين في معارضة الأنشطة العسكرية والسياسية للغرب في الشرق الأوسط، وجدت بكين وموسكو نفسيهما على طرفي نقيض في قضايا أخرى، مثل الموقف من الملف اليمنى. وتبنت الصين أيضًا نهج عدم الانحياز تجاه الصراع في ليبيا، على عكس روسيا التي عززت وجودها العسكري في شرق ليبيا عن طريق نشر قوات فاجنر.
يمكن أن يصبح التنافس بين الصين وروسيا على مبيعات الأسلحة مصدرا للمنافسة بين البلدين في المستقبل، إذ تعد الصين رابع مصدر للأسلحة في العالم (بعد الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا). كما أن موسكو وبكين تتمتعان بخبرة في تصدير الأسلحة إلى الشرق الأوسط على الرغم من أن روسيا تتصدر تلك السوق بفارق كبير.
من أهم التحديات أن منطقة الشرق الأوسط لا تزال حكرًا على الولايات المتحدة في ملفات كثيرة، من خلال تقديم الدعم والمعونات العسكرية، وإدارة النزاعات والصراعات وسعي بعض دول المنطقة إلى توقيع اتفاقات أمنية مشتركة، وأيضا من خلال وجود نحو 42 ألف جندي أمريكي بالمنطقة و17 قاعدة جوية و8 قواعد بحرية. من ثم، فإن الدورين الصيني والروسي لن يكونا بديلين، ولكنه يظل خيارا يقدم شروطًا أفضل في بعض الملفات، خاصة الاقتصادية والتنموية.
محددات المستقبل:
إن سياسة التحالفات والأقطاب والتوازنات التي حرصت الولايات المتحدة على تثبيتها، بحيث تحافظ على موقعها الأحادي من خلال عسكرة المنطقة وربط أمن دولها السياسي وقرارها بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية، يمكن أن يستبدل بها مسعى صيني - روسي يهدف إلى دفع المنطقة إلى التكامل وتسوية خلافاتها بالطرق السلمية. فالنظام العالمي الذي تهدف بكين وموسكو إلى إرساء قواعده يوازن بين القرار السيادي للدول والمصالح الاقتصادية ضمن إطار سياسة الاعتماد المتبادل والمنفعة المشتركة.
عندئذ، تكون من أهم التداعيات تقليل حدة الصراعات بالمنطقة، ويمكن أخذ الدور الصيني في عودة العلاقات السعودية الإيرانية كمثال في هذا السياق.
إن اتخاذ دول الشرق الأوسط قرارها بتوسيع دائرة الخيارات التي يتم التعامل معها في النظام الدولي ليشمل الصين وروسيا، سيؤدى بالضرورة إلى حدوث تعارض في المصالح وتقاطع في السياسات مع الولايات المتحدة، بما سيؤثر في منظومة العلاقات وحالة الاستقرار بالمنطقة. وفي الواقع أن زيادة تقارب الصين وروسيا مع دول الشرق الأوسط يرجع إلى سياسة الولايات المتحدة، بداية منذ عهد أوباما، القائمة على مبدأ الانخراط المحدود في الشرق الأوسط، أو القيادة من الخلف.
لكن، الملاحظ أن ترامب يسعى في فترته الرئاسية الثانية إلى تعزيز انخراطه في منطقة الشرق الأوسط باعتبارها من الأصول الاستراتيجية الأهم بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ولا سيما تعزيز العلاقات مع الدول الرئيسية المنتجة للنفط في الخليج. فمستقبل الصين وروسيا في الشرق الأوسط يظل مرهونًا برؤية القيادة الأمريكية للشرق الأوسط للإبقاء على مكانة ومصالح وتحالفات واشنطن في الشرق الأوسط، أم نجد قيادة تدير ظهرها بالكامل للمنطقة وتفتح باب المنافسة وربما الإحلال على مصراعيه؟
{ أستاذ مساعد بقسم العلوم الاجتماعية
كلية الآداب – جامعة البحرين
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك