كلنا نحن المسلمين نقرأ القرآن، ونتعاهده بالليل والنهار.. نقرأه في صلواتنا كل يوم سبع عشرة مرة، ونقرأه في خلواتنا طلبًا للأجر، وسعيًا وراء البركة، ولكن كم واحدا منا يفقه ما يقرأ؟، ويدرك غاية ما يرجوه من القراءة، قليل منا يفعل ذلك، ويجني ثمرة اتصاله بالقرآن، ثم يحصل له ذلك الفهم السديد لمقاصده وغاياته، ربما يسأل سائل لماذا لا يتحقق لنا ما نرجوه من قراءتنا للقرآن؟
السبب قد يكون واضحًا لأولي البصيرة، ولقد أشار القرآن إليه، وعلى قارئ القرآن أن يتدبر ما يقرأ حتى يجد ضالته.
في وضوح تام، وفي جلاء لا تخطئه العين الباصرة فضلًا عن البصيرة النافذة، يقول سبحانه: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) محمد / 24.
وهل للقلوب أقفال لابد من فتحها قبل أن نسارع إلى فتح المصاحف لنقرأ؟.
هذه الآية الجليلة من سورة محمد (صلى الله عليه وسلم) تكشف لنا السر الدفين في التعرف على منهج قراءتنا للقرآن، وأنه يجب علينا وقبل أن نفتح المصاحف لنقرأ يجب علينا أن نفتح قلوبنا ونزيل ما علق بها من شواغل، ونزيل عنها ما ران عليها، وعلى قارئ القرآن ألا يغتر بما يحمله من شهادات علمية في حفظ القرآن، وبلوغ درجة المعلم لأصول القراءات، بل عليه أن يتواضع وإن كان عالمًا متمكنًا لأنه فاته أن يفتح قلبه قبل أن يفتح المصحف، وفتح القلوب هو أن يكون ذلك عن طريق القاعدة الإيمانية القائلة: بالتخلية قبل التحلية، كما يقول العارفون لأسرار القرآن وعلومه، أي أن تخلي قلبك من الشواغل الدنيوية، وتطهرها بعد التخلية حتى لا يبقى أثرٌ أو قفل ٌمن أقفالها على قلبك يمنع وصول النور إلى قلبك ونفسك، وحين تشعر بالحرية والسمو على الصغائر، وتشعر أنك في رحاب القرآن، وفي آفاقه الرحبة عندها افتح المصحف واقرأ وأنت على ثقة من تواصلك مع القرآن وسوف تشعر بالطهر من الشواغل، والتطهر من الذنوب، وعندها سوف تشعر بدبيب المعرفة القرآنية، وتجد في نفسك وفي وعيك الرغبة الشديدة إلى المزيد من القراءة وتذوق حلاوة الاتصال بالقرآن، وإدراك مقاصده وغاياته وعندها سوف تشعر بأنك صرت قرآنيًّا وليس بشرًا عاديًا لأنك تقرأ بـ(باسم الله الرحمن الرحيم) وتختم تلاوتك وتدبرك لما تقرأ بـ(الحمد لله رب العالمين) هذان القوسان سوف يحققان لك الارتباط الوثيق، والالتحام بالقرآن، وسوف تتداعى المعاني والعطاءات بشكل يشيع في قلبك الفرحة والسعادة، ويصبح قلبك مستعدًا ومهيأ لاستقبال عطاءات القرآن، وهو الكتاب المعجز الذي أكرم الله تعالى به رسوله وخاتم أنبيائه (صلى الله عليه وسلم) وجعله المعجزة الوحيدة الباقية من معجزات الأنبياء التي هي بين أيدينا وإلى أن تقوم الساعة.
والقرآن العظيم لا يقتصر دوره، ومهمته بأن يكون شاهدًا على صدق الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) في بلاغه عن ربه سبحانه.
وللقرآن أدوار عديدة ، ومهمات لا عد لها ولا حصر، ومنها أنه سجل حافل بتاريخ الأمم مع أنبيائهم، وشاهد عدل، كما هو مصدر تتبدى به ومنه الإشارات العلمية التي تحفز العقول الراشدة على البحث العلمي، وهو كذلك ميزان توزن به ما اختلف فيه الناس من أمور معاشهم ومعادهم، ولقد شهدت الكتب المنزلة على أنبياء الله ورسله بنبوة رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، وها هو المسيح ابن مريم عليه السلام يشهد لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة ، قال تعالى: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) الصف / 6.
وعطاء القرآن، ويسر التفاعل معه يغريك بزيادة الإقبال عليه عندها تشعر في يقين أن قلبك قد أُزيلَت عنه جميع الأقفال، وأصبح مستعدًا لتلقي فيوضات القرآن، وأن آفاق المعرفة القرآنية صارت سهلة ميسرة بعد العهد الذي قطعه الله تعالى على نفسه بأن ييسر هذا القرآن للذكر، يقول تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) القمر / 17. ولقد أكد الحق سبحانه على هذا العهد أربع مرات في سورة القمر في الآيات: (17 ،22، 32، 40) والحق سبحانه وتعالى في هذه السورة يناشد التالين للقرآن أن يتدبروا آياته وسوره، والتدبر درجات، يترقى فيها المسلم ليدرك ما عجز غيره عن إدراكه إما لأنهم لم يفتحوا قلوبهم قبل أن يفتحوا مصاحفهم، أو لأنهم لم يحاولوا الحصول على معارف أعمق، ولم يتجشموا عناء البحث عن لآلئ هذا الكتاب العظيم وكنوزه الدفينة التي تحتاج إلى جهاد ومجاهدة ليتحقق لقارئ القرآن، المتدبر لآياته وسوره أن يحققها.
وتظل الدعوة المخلصة مفتوحة: افتحوا قلوبكم قبل أن تفتحوا مصاحفكم.. وعليكم بالتخلية قبل التحلية!.
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك