العدد : ١٧١٧٨ - الجمعة ٠٤ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤٦هـ

العدد : ١٧١٧٨ - الجمعة ٠٤ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤٦هـ

قضايا و آراء

افتحوا قلوبكم قبل مصاحفكم!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٣٠ مارس ٢٠٢٥ - 02:00

كلنا‭ ‬نحن‭ ‬المسلمين‭ ‬نقرأ‭ ‬القرآن،‭ ‬ونتعاهده‭ ‬بالليل‭ ‬والنهار‭.. ‬نقرأه‭ ‬في‭ ‬صلواتنا‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬سبع‭ ‬عشرة‭ ‬مرة،‭ ‬ونقرأه‭ ‬في‭ ‬خلواتنا‭ ‬طلبًا‭ ‬للأجر،‭ ‬وسعيًا‭ ‬وراء‭ ‬البركة،‭ ‬ولكن‭ ‬كم‭ ‬واحدا‭ ‬منا‭ ‬يفقه‭ ‬ما‭ ‬يقرأ؟،‭ ‬ويدرك‭ ‬غاية‭ ‬ما‭ ‬يرجوه‭ ‬من‭ ‬القراءة،‭ ‬قليل‭ ‬منا‭ ‬يفعل‭ ‬ذلك،‭ ‬ويجني‭ ‬ثمرة‭ ‬اتصاله‭ ‬بالقرآن،‭ ‬ثم‭ ‬يحصل‭ ‬له‭ ‬ذلك‭ ‬الفهم‭ ‬السديد‭ ‬لمقاصده‭ ‬وغاياته،‭ ‬ربما‭ ‬يسأل‭ ‬سائل‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬لنا‭ ‬ما‭ ‬نرجوه‭ ‬من‭ ‬قراءتنا‭ ‬للقرآن؟‭ ‬

السبب‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬واضحًا‭ ‬لأولي‭ ‬البصيرة،‭ ‬ولقد‭ ‬أشار‭ ‬القرآن‭ ‬إليه،‭ ‬وعلى‭ ‬قارئ‭ ‬القرآن‭ ‬أن‭ ‬يتدبر‭ ‬ما‭ ‬يقرأ‭ ‬حتى‭ ‬يجد‭ ‬ضالته‭. ‬

في‭ ‬وضوح‭ ‬تام،‭ ‬وفي‭ ‬جلاء‭ ‬لا‭ ‬تخطئه‭ ‬العين‭ ‬الباصرة‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬البصيرة‭ ‬النافذة،‭ ‬يقول‭ ‬سبحانه‭: (‬أفلا‭ ‬يتدبرون‭ ‬القرآن‭ ‬أم‭ ‬على‭ ‬قلوب‭ ‬أقفالها‭) ‬محمد‭ / ‬24‭.‬

وهل‭ ‬للقلوب‭ ‬أقفال‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬فتحها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نسارع‭ ‬إلى‭ ‬فتح‭ ‬المصاحف‭ ‬لنقرأ؟‭.‬

هذه‭ ‬الآية‭ ‬الجليلة‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬محمد‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬تكشف‭ ‬لنا‭ ‬السر‭ ‬الدفين‭ ‬في‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬منهج‭ ‬قراءتنا‭ ‬للقرآن،‭ ‬وأنه‭ ‬يجب‭ ‬علينا‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬نفتح‭ ‬المصاحف‭ ‬لنقرأ‭ ‬يجب‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نفتح‭ ‬قلوبنا‭ ‬ونزيل‭ ‬ما‭ ‬علق‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬شواغل،‭ ‬ونزيل‭ ‬عنها‭ ‬ما‭ ‬ران‭ ‬عليها،‭ ‬وعلى‭ ‬قارئ‭ ‬القرآن‭ ‬ألا‭ ‬يغتر‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬شهادات‭ ‬علمية‭ ‬في‭ ‬حفظ‭ ‬القرآن،‭ ‬وبلوغ‭ ‬درجة‭ ‬المعلم‭ ‬لأصول‭ ‬القراءات،‭ ‬بل‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يتواضع‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬عالمًا‭ ‬متمكنًا‭ ‬لأنه‭ ‬فاته‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬قلبه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬المصحف،‭ ‬وفتح‭ ‬القلوب‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬القاعدة‭ ‬الإيمانية‭ ‬القائلة‭: ‬بالتخلية‭ ‬قبل‭ ‬التحلية،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬العارفون‭ ‬لأسرار‭ ‬القرآن‭ ‬وعلومه،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬تخلي‭ ‬قلبك‭ ‬من‭ ‬الشواغل‭ ‬الدنيوية،‭ ‬وتطهرها‭ ‬بعد‭ ‬التخلية‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬أثرٌ‭ ‬أو‭ ‬قفل‭ ‬ٌمن‭ ‬أقفالها‭ ‬على‭ ‬قلبك‭ ‬يمنع‭ ‬وصول‭ ‬النور‭ ‬إلى‭ ‬قلبك‭ ‬ونفسك،‭ ‬وحين‭ ‬تشعر‭ ‬بالحرية‭ ‬والسمو‭ ‬على‭ ‬الصغائر،‭ ‬وتشعر‭ ‬أنك‭ ‬في‭ ‬رحاب‭ ‬القرآن،‭ ‬وفي‭ ‬آفاقه‭ ‬الرحبة‭ ‬عندها‭ ‬افتح‭ ‬المصحف‭ ‬واقرأ‭ ‬وأنت‭ ‬على‭ ‬ثقة‭ ‬من‭ ‬تواصلك‭ ‬مع‭ ‬القرآن‭ ‬وسوف‭ ‬تشعر‭ ‬بالطهر‭ ‬من‭ ‬الشواغل،‭ ‬والتطهر‭ ‬من‭ ‬الذنوب،‭ ‬وعندها‭ ‬سوف‭ ‬تشعر‭ ‬بدبيب‭ ‬المعرفة‭ ‬القرآنية،‭ ‬وتجد‭ ‬في‭ ‬نفسك‭ ‬وفي‭ ‬وعيك‭ ‬الرغبة‭ ‬الشديدة‭ ‬إلى‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬القراءة‭ ‬وتذوق‭ ‬حلاوة‭ ‬الاتصال‭ ‬بالقرآن،‭ ‬وإدراك‭ ‬مقاصده‭ ‬وغاياته‭ ‬وعندها‭ ‬سوف‭ ‬تشعر‭ ‬بأنك‭ ‬صرت‭ ‬قرآنيًّا‭ ‬وليس‭ ‬بشرًا‭ ‬عاديًا‭ ‬لأنك‭ ‬تقرأ‭ ‬بـ‭(‬باسم‭ ‬الله‭ ‬الرحمن‭ ‬الرحيم‭) ‬وتختم‭ ‬تلاوتك‭ ‬وتدبرك‭ ‬لما‭ ‬تقرأ‭ ‬بـ‭(‬الحمد‭ ‬لله‭ ‬رب‭ ‬العالمين‭) ‬هذان‭ ‬القوسان‭ ‬سوف‭ ‬يحققان‭ ‬لك‭ ‬الارتباط‭ ‬الوثيق،‭ ‬والالتحام‭ ‬بالقرآن،‭ ‬وسوف‭ ‬تتداعى‭ ‬المعاني‭ ‬والعطاءات‭ ‬بشكل‭ ‬يشيع‭ ‬في‭ ‬قلبك‭ ‬الفرحة‭ ‬والسعادة،‭ ‬ويصبح‭ ‬قلبك‭ ‬مستعدًا‭ ‬ومهيأ‭ ‬لاستقبال‭ ‬عطاءات‭ ‬القرآن،‭ ‬وهو‭ ‬الكتاب‭ ‬المعجز‭ ‬الذي‭ ‬أكرم‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬به‭ ‬رسوله‭ ‬وخاتم‭ ‬أنبيائه‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬وجعله‭ ‬المعجزة‭ ‬الوحيدة‭ ‬الباقية‭ ‬من‭ ‬معجزات‭ ‬الأنبياء‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬بين‭ ‬أيدينا‭ ‬وإلى‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬الساعة‭. ‬

والقرآن‭ ‬العظيم‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬دوره،‭ ‬ومهمته‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬صدق‭ ‬الرسول‭ ‬محمد‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬في‭ ‬بلاغه‭ ‬عن‭ ‬ربه‭ ‬سبحانه‭.‬

وللقرآن‭ ‬أدوار‭ ‬عديدة‭ ‬،‭ ‬ومهمات‭ ‬لا‭ ‬عد‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬حصر،‭ ‬ومنها‭ ‬أنه‭ ‬سجل‭ ‬حافل‭ ‬بتاريخ‭ ‬الأمم‭ ‬مع‭ ‬أنبيائهم،‭ ‬وشاهد‭ ‬عدل،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬مصدر‭ ‬تتبدى‭ ‬به‭ ‬ومنه‭ ‬الإشارات‭ ‬العلمية‭ ‬التي‭ ‬تحفز‭ ‬العقول‭ ‬الراشدة‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬العلمي،‭ ‬وهو‭ ‬كذلك‭ ‬ميزان‭ ‬توزن‭ ‬به‭ ‬ما‭ ‬اختلف‭ ‬فيه‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬أمور‭ ‬معاشهم‭ ‬ومعادهم،‭ ‬ولقد‭ ‬شهدت‭ ‬الكتب‭ ‬المنزلة‭ ‬على‭ ‬أنبياء‭ ‬الله‭ ‬ورسله‭ ‬بنبوة‭ ‬رسول‭ ‬الإسلام‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬وها‭ ‬هو‭ ‬المسيح‭ ‬ابن‭ ‬مريم‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬يشهد‭ ‬لرسول‭ ‬الله‭ ‬محمد‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬بالنبوة‭ ‬،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: (‬وإذ‭ ‬قال‭ ‬عيسى‭ ‬ابن‭ ‬مريم‭ ‬يا‭ ‬بني‭ ‬إسرائيل‭ ‬إني‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬إليكم‭ ‬مصدقًا‭ ‬لما‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬من‭ ‬التوراة‭ ‬ومبشرًا‭ ‬برسول‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬بعدي‭ ‬اسمه‭ ‬أحمد‭ ‬فلما‭ ‬جاءهم‭ ‬بالبينات‭ ‬قالوا‭ ‬هذا‭ ‬سحر‭ ‬مبين‭) ‬الصف‭ / ‬6‭.‬

وعطاء‭ ‬القرآن،‭ ‬ويسر‭ ‬التفاعل‭ ‬معه‭ ‬يغريك‭ ‬بزيادة‭ ‬الإقبال‭ ‬عليه‭ ‬عندها‭ ‬تشعر‭ ‬في‭ ‬يقين‭ ‬أن‭ ‬قلبك‭ ‬قد‭ ‬أُزيلَت‭ ‬عنه‭ ‬جميع‭ ‬الأقفال،‭ ‬وأصبح‭ ‬مستعدًا‭ ‬لتلقي‭ ‬فيوضات‭ ‬القرآن،‭ ‬وأن‭ ‬آفاق‭ ‬المعرفة‭ ‬القرآنية‭ ‬صارت‭ ‬سهلة‭ ‬ميسرة‭ ‬بعد‭ ‬العهد‭ ‬الذي‭ ‬قطعه‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬بأن‭ ‬ييسر‭ ‬هذا‭ ‬القرآن‭ ‬للذكر،‭ ‬يقول‭ ‬تعالى‭: (‬ولقد‭ ‬يسرنا‭ ‬القرآن‭ ‬للذكر‭ ‬فهل‭ ‬من‭ ‬مدكر‭) ‬القمر‭ / ‬17‭. ‬ولقد‭ ‬أكد‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬العهد‭ ‬أربع‭ ‬مرات‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬القمر‭ ‬في‭ ‬الآيات‭: (‬17‭ ‬،22،‭ ‬32،‭ ‬40‭) ‬والحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬السورة‭ ‬يناشد‭ ‬التالين‭ ‬للقرآن‭ ‬أن‭ ‬يتدبروا‭ ‬آياته‭ ‬وسوره،‭ ‬والتدبر‭ ‬درجات،‭ ‬يترقى‭ ‬فيها‭ ‬المسلم‭ ‬ليدرك‭ ‬ما‭ ‬عجز‭ ‬غيره‭ ‬عن‭ ‬إدراكه‭ ‬إما‭ ‬لأنهم‭ ‬لم‭ ‬يفتحوا‭ ‬قلوبهم‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يفتحوا‭ ‬مصاحفهم،‭ ‬أو‭ ‬لأنهم‭ ‬لم‭ ‬يحاولوا‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬معارف‭ ‬أعمق،‭ ‬ولم‭ ‬يتجشموا‭ ‬عناء‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬لآلئ‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬العظيم‭ ‬وكنوزه‭ ‬الدفينة‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬جهاد‭ ‬ومجاهدة‭ ‬ليتحقق‭ ‬لقارئ‭ ‬القرآن،‭ ‬المتدبر‭ ‬لآياته‭ ‬وسوره‭ ‬أن‭ ‬يحققها‭.‬

وتظل‭ ‬الدعوة‭ ‬المخلصة‭ ‬مفتوحة‭: ‬افتحوا‭ ‬قلوبكم‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تفتحوا‭ ‬مصاحفكم‭.. ‬وعليكم‭ ‬بالتخلية‭ ‬قبل‭ ‬التحلية‭!.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا