العدد : ١٧١٧٨ - الجمعة ٠٤ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤٦هـ

العدد : ١٧١٧٨ - الجمعة ٠٤ أبريل ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٦ شوّال ١٤٤٦هـ

قضايا و آراء

سقوط حضاري للغرب في العدوان على غزة

بقلم: د. حسن نافعة {

الجمعة ٠٤ أبريل ٢٠٢٥ - 02:00

من‭ ‬كان‭ ‬يصدق‭ ‬أن‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬المحدود‭ ‬المساحة،‭ ‬والشحيح‭ ‬الموارد‭ ‬والإمكانيات،‭ ‬والمحاصر‭ ‬برًا‭ ‬وبحرًا‭ ‬وجوا،‭ ‬والمكتظ‭ ‬عن‭ ‬آخره‭ ‬بالسكان،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يسجل‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أروع‭ ‬الملاحم‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البشرية‭! ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬التأمل‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الملحمة،‭ ‬وما‭ ‬أظهره‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬خلالها‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬نبيلة،‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬إبراز‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬للحضارة‭ ‬الغربية،‭ ‬وتكشف‭ ‬ما‭ ‬تتسم‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬زيف‭ ‬ومن‭ ‬تناقضات‭ ‬كامنة‭ ‬تجعلها‭ ‬آيلة‭ ‬للسقوط‭.‬

لكل‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬تجليات‭ ‬عدة‭ ‬تتجسد‭ ‬في‭ ‬بعدين‭ ‬رئيسيين‭:‬

البعد‭ ‬الأول‭: ‬يتعلق‭ ‬بفصائل‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬القطاع‭. ‬وقد‭ ‬تجلى‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬إبان‭ ‬عملية‭ ‬طوفان‭ ‬الأقصى،‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وإبان‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬أعقبتها،‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭. ‬ففي‭ ‬عملية‭ ‬طوفان‭ ‬الأقصى‭ ‬تمكنت‭ ‬هذه‭ ‬الفصائل‭ ‬من‭ ‬إسقاط‭ ‬أسطورة‭ ‬الجيش‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقهر،‭ ‬وفي‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬أعقبتها‭ ‬استطاعت‭ ‬الحيلولة‭ ‬دون‭ ‬تمكين‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬إنجاز‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬سعت‭ ‬إلى‭ ‬تحقيقها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭.‬

البعد‭ ‬الثاني‭: ‬يتعلق‭ ‬بالشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وبالسكان‭ ‬المدنيين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭. ‬وقد‭ ‬تجلى‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬إبان‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬والتطهير‭ ‬العرقي‭ ‬التي‭ ‬تشنها‭ ‬إسرائيل‭ ‬عليه‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬ونصف‭ ‬العام،‭ ‬تعرض‭ ‬خلالها‭ ‬إلى‭ ‬هولوكوست‭ ‬أكثر‭ ‬بشاعة‭ ‬مما‭ ‬تعرض‭ ‬له‭ ‬اليهود‭ ‬إبان‭ ‬فترة‭ ‬الحكم‭ ‬النازي‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭.‬

ففي‭ ‬الساعات‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬فجر‭ ‬يوم‭ ‬7‭ ‬أكتوبر،‭ ‬استيقظ‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬هجوم‭ ‬شنّته‭ ‬فصائل‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المسلحة‭ ‬بقيادة‭ ‬حماس،‭ ‬وتمكنت‭ ‬خلاله‭ ‬من‭ ‬اجتياح‭ ‬الجدار‭ ‬الذي‭ ‬يفصل‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬عن‭ ‬فلسطين‭ ‬المحتلة‭ ‬عام‭ ‬48،‭ ‬ومن‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬القواعد‭ ‬العسكرية‭ ‬والمراكز‭ ‬الأمنية‭ ‬والمستوطنات‭ ‬المقامة‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬عدة‭ ‬مئات‭ ‬من‭ ‬الكيلومترات‭ ‬المربعة،‭ ‬ومن‭ ‬قتل‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬1200‭ ‬جندي‭ ‬ومستوطن‭ ‬وأسر‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬250‭ ‬منهم‭.‬

كانت‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬تمخض‭ ‬عنها‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬أحد‭ ‬على‭ ‬تصديقها‭ ‬في‭ ‬البداية‭. ‬فكيف‭ ‬يمكن‭ ‬لفصيل‭ ‬محدود‭ ‬القدرات‭ ‬والإمكانيات،‭ ‬يعيش‭ ‬فوق‭ ‬رقعة‭ ‬جغرافية‭ ‬محاصرة‭ ‬من‭ ‬البر‭ ‬والبحر‭ ‬والجو‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬16‭ ‬عاماً،‭ ‬أن‭ ‬يخطط‭ ‬لعملية‭ ‬بهذا‭ ‬الحجم،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينكشف‭ ‬أمرها‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬أجهزة‭ ‬استخبارات‭ ‬اشتهرت‭ ‬بأنها‭ ‬من‭ ‬الأكفأ‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وأنها‭ ‬تعرف‭ ‬كل‭ ‬شي‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬حولها،‭ ‬وأن‭ ‬تنفذ‭ ‬المقاومة‭ ‬هذا‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو‭ ‬الباهر‭ ‬من‭ ‬الكفاءة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أقوى‭ ‬جيوش‭ ‬العالم‭ ‬وأحدثها‭ ‬تسليحًا‭ ‬وتدريبًا‭.‬

ولأن‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بالفعل،‭ ‬فقد‭ ‬كشف‭ ‬عن‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬معجزة‭ ‬كبرى‭ ‬راحت‭ ‬بقية‭ ‬جوانبها‭ ‬وفصولها‭ ‬تترى‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬شهراً‭ ‬كاملة‭ ‬أمام‭ ‬ذهول‭ ‬العالم‭. ‬فما‭ ‬إن‭ ‬استعادت‭ ‬آلة‭ ‬الحرب‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الجهنمية‭ ‬وعيها‭ ‬حتى‭ ‬انقضت‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬المحدود‭ ‬المساحة‭ ‬والمكتظ‭ ‬بالسكان‭ ‬من‭ ‬الجو‭ ‬والبحر‭ ‬والبر،‭ ‬وراحت‭ ‬تعمل‭ ‬فيه‭ ‬تدميراً‭ ‬وتخريباً‭ ‬وتمعن‭ ‬في‭ ‬السكان‭ ‬قتلاً‭ ‬وتشريداً‭ ‬وتجويعاً‭ ‬ومطاردة،‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أبشع‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬العالم‭ ‬وحشية‭ ‬وإجراماً‭ ‬وانتهاكاً‭ ‬لكل‭ ‬القوانين‭ ‬الدولية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬قانون‭ ‬الحرب‭ ‬والقانون‭ ‬الإنساني‭.‬

ورغم‭ ‬بشاعة‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬إسرائيل‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬فقد‭ ‬ظل‭ ‬المقاتل‭ ‬الفلسطيني‭ ‬صامداً‭ ‬لم‭ ‬ينكسر‭ ‬أو‭ ‬يستسلم،‭ ‬وظل‭ ‬الإنسان‭ ‬الفلسطيني‭ ‬متمسكاً‭ ‬بأرضه‭ ‬حتى‭ ‬الموت،‭ ‬قتلاً‭ ‬أو‭ ‬تجويعاً‭. ‬وكما‭ ‬كان‭ ‬مشهد‭ ‬المقاتل‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وهو‭ ‬يتوجّه‭ ‬عاري‭ ‬القدمين‭ ‬نحو‭ ‬الدبابات‭ ‬والمجنزرات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الغازية‭ ‬ليلصق‭ ‬بها‭ ‬عبوات‭ ‬متفجرة‭ ‬يحملها‭ ‬على‭ ‬كاهله،‭ ‬دليلاً‭ ‬لا‭ ‬تخطئه‭ ‬العين‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عمق‭ ‬إيمان‭ ‬هذا‭ ‬المقاتل‭ ‬بقضيته،‭ ‬كان‭ ‬مشهد‭ ‬الإنسان‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وهو‭ ‬يفضل‭ ‬الموت‭ ‬تحت‭ ‬أنقاض‭ ‬مباني‭ ‬غزة‭ ‬المدمرة‭ ‬وخيامها‭ ‬المبعثرة،‭ ‬على‭ ‬هجرة‭ ‬أرضه‭ ‬أو‭ ‬الرحيل‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬وطنه‭ ‬الذي‭ ‬ولد‭ ‬وعاش‭ ‬فيه،‭ ‬دليلاً‭ ‬لا‭ ‬تخطئه‭ ‬العين‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬اعتزاز‭ ‬هذا‭ ‬الإنسان‭ ‬بوطنه‭ ‬وتفانيه‭ ‬فيه‭. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬للمعجزة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬التي‭ ‬تجلّت‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬تتجلى‭ ‬بوضوح‭ ‬تام‭ ‬منذ‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭ ‬عام‭ ‬2023‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬تجلى‭ ‬السقوط‭ ‬الحضاري‭ ‬للغرب،‭ ‬بصفة‭ ‬عامة،‭ ‬وللكيان‭ ‬الصهيوني،‭ ‬بصفة‭ ‬خاصة،‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬التي‭ ‬راحت‭ ‬تتكشف‭ ‬تباعاً،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬تشويه‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬وإظهاره‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬حقيقته،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حملة‭ ‬إعلامية‭ ‬قرر‭ ‬شنّها‭ ‬لتضليل‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬العالمي‭ ‬وتبرير‭ ‬نيات‭ ‬إسرائيل‭ ‬التوسعية‭ ‬والإجرامية‭. ‬فالتكييف‭ ‬الحقيقي‭ ‬لما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬طوفان‭ ‬الأقصى‭ ‬ينحصر‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬عملية‭ ‬عسكرية‭ ‬خطط‭ ‬لها‭ ‬ونفذها‭ ‬فصيل‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬تحرر‭ ‬وطني‭ ‬يقر‭ ‬لها‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬بالحق‭ ‬في‭ ‬حمل‭ ‬السلاح،‭ ‬واستخدامه‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬عدو‭ ‬يحتل‭ ‬وطنها‭ ‬منذ‭ ‬عشرات‭ ‬السنين،‭ ‬ويرتكب‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬جرائم‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬أبنائه‭ ‬العزل،‭ ‬تشمل‭ ‬تدمير‭ ‬المنازل‭ ‬والممتلكات،‭ ‬ومصادرة‭ ‬الأراضي،‭ ‬وبناء‭ ‬المستوطنات،‭ ‬واستباحة‭ ‬المقدسات‭ ‬الدينية،‭ ‬واعتقال‭ ‬آلاف‭ ‬المواطنين‭ ‬وتعذيبهم‭.. ‬إلخ‭.‬

صحيح‭ ‬إنها‭ ‬عملية‭ ‬أسفرت‭ ‬عن‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الضحايا،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬نساء‭ ‬وأطفال،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬يعود‭ ‬أساساً‭ ‬إلى‭ ‬حسن‭ ‬التخطيط‭ ‬والتنفيذ‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الجهة‭ ‬أو‭ ‬الجهات‭ ‬التي‭ ‬أقدمت‭ ‬عليها،‭ ‬وأيضاً‭ ‬وعلى‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬إلى‭ ‬أخطاء‭ ‬ارتكبها‭ ‬جيش‭ ‬الكيان‭ ‬وأجهزته‭ ‬الأمنية،‭ ‬حين‭ ‬أخذوا‭ ‬على‭ ‬حين‭ ‬غرة‭ ‬وعجزوا‭ ‬عن‭ ‬مواجهة‭ ‬الهجوم‭. ‬ولكي‭ ‬تغطي‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬العجز،‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬وتبرر‭ ‬نياتها‭ ‬وتصرفاتها‭ ‬الإجرامية‭ ‬اللاحقة،‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬حاولت‭ ‬إظهار‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬باعتباره‭ ‬عملية‭ ‬إرهابية‭ ‬كبرى‭ ‬تشبه‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001،‭ ‬رغم‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬أي‭ ‬وجه‭ ‬شبه‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬بين‭ ‬العمليتين،‭ ‬بل‭ ‬راحت‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تختلق‭ ‬أكاذيب‭ ‬حول‭ ‬إقدام‭ ‬حماس‭ ‬على‭ ‬قطع‭ ‬رؤوس‭ ‬الأطفال‭ ‬والتمثيل‭ ‬بجثثهم‭ ‬واغتصاب‭ ‬النساء‭.. ‬إلخ‭.‬

المثير‭ ‬للدهشة‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الغربية،‭ ‬وخاصة‭ ‬الأمريكية‭ ‬منها،‭ ‬والتي‭ ‬يدّعي‭ ‬الغرب‭ ‬أنها‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬إعلام‭ ‬حر‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬ويحرص‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬الرأي‭ ‬والرأي‭ ‬الآخر،‭ ‬تبنى‭ ‬الرواية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بالكامل‭ ‬وراح‭ ‬يروّج‭ ‬لها‭ ‬بإصرار‭ ‬غريب،‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬انكشف‭ ‬زيفها‭ ‬وثبت‭ ‬بطلانها‭. ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬السقطة‭ ‬الوحيدة‭..‬

وعندما‭ ‬تبيّن‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يدع‭ ‬مجالاً‭ ‬للشك‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬ارتكبت‭ ‬بالفعل‭ ‬أعمال‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية‭ ‬وحملة‭ ‬تطهير‭ ‬عرقي‭ ‬ضد‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أكدته‭ ‬سلسلة‭ ‬الأوامر‭ ‬التي‭ ‬أصدرتها‭ ‬محكمة‭ ‬العدل‭ ‬الدولية‭ ‬إبان‭ ‬نظرها‭ ‬في‭ ‬الدعوى‭ ‬التي‭ ‬رفعتها‭ ‬جنوب‭ ‬إفريقيا‭ ‬واتهمت‭ ‬فيها‭ ‬إسرائيل‭ ‬بانتهاك‭ ‬اتفاقية‭ ‬تحريم‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬والمعاقبة‭ ‬عليها،‭ ‬لم‭ ‬تبادر‭ ‬الدول‭ ‬الغربية،‭ ‬خاصة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬إلى‭ ‬القيام‭ ‬بأي‭ ‬خطوة‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬حمل‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬أوامر‭ ‬المحكمة،‭ ‬بل‭ ‬قامت‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬بانتقاد‭ ‬هذه‭ ‬الأحكام،‭ ‬وتشجيع‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬التمادي‭ ‬في‭ ‬غيّها،‭ ‬بل‭ ‬وتقديم‭ ‬الحماية‭ ‬السياسية‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭. ‬لكن‭ ‬السقوط‭ ‬الأخلاقي‭ ‬للغرب‭ ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭.‬

فعندما‭ ‬أصدر‭ ‬المدّعي‭ ‬العام‭ ‬للمحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬أوامر‭ ‬بتوقيف‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو،‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ويوآف‭ ‬جالانت،‭ ‬وزير‭ ‬الدفاع‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬لم‭ ‬تكتف‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بانتقاد‭ ‬هذه‭ ‬الأحكام‭ ‬والتنديد‭ ‬بها،‭ ‬لكنها‭ ‬هاجمت‭ ‬المحكمة‭ ‬نفسها‭ ‬واتخذت‭ ‬ضد‭ ‬قضاتها‭ ‬وموظفيها‭ ‬عقوبات‭ ‬صارمة‭. ‬ومرة‭ ‬أخرى،‭ ‬لم‭ ‬يتوقف‭ ‬السقوط‭ ‬الحضاري‭ ‬للغرب‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭.‬

ففي‭ ‬19‭ ‬يناير‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬أي‭ ‬قبل‭ ‬يوم‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬في‭ ‬مستهل‭ ‬فترة‭ ‬ولايته‭ ‬الثانية،‭ ‬وقعت‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬إسرائيل‭ ‬وحركة‭ ‬حماس‭ ‬على‭ ‬اتفاق‭ ‬يقضي‭ ‬بوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬يتم‭ ‬تنفيذه‭ ‬على‭ ‬ثلاث‭ ‬مراحل،‭ ‬كما‭ ‬وقعت‭ ‬عليه‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ومصر‭ ‬وقطر،‭ ‬ليس‭ ‬بصفتهم‭ ‬شهوداً‭ ‬عليه‭ ‬فحسب‭ ‬وإنما‭ ‬بصفتهم‭ ‬ضامنين‭ ‬لتنفيذه‭ ‬أيضاً‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬نتنياهو‭ ‬قام‭ ‬بانتهاك‭ ‬الاتفاق‭ ‬مرات‭ ‬عدة‭ ‬إبان‭ ‬تنفيذ‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى،‭ ‬وكان‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬تنفيذه‭ ‬مفاوضات‭ ‬جديدة‭ ‬تستهدف‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬كيفية‭ ‬وضع‭ ‬بنود‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الاتفاق‭ ‬موضع‭ ‬التنفيذ،‭ ‬لكن‭ ‬نتنياهو‭ ‬رفض‭ ‬وراح‭ ‬يناور،‭ ‬ثم‭ ‬قرر‭ ‬أن‭ ‬يستأنف‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

كل‭ ‬ذلك‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬الشاهدة‭ ‬على‭ ‬الاتفاق‭ ‬والضامنة‭ ‬له،‭ ‬لا‭ ‬تحرك‭ ‬ساكناً،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬لم‭ ‬تكتف‭ ‬بالصمت‭ ‬وإنما‭ ‬حاولت‭ ‬البحث‭ ‬لنتنياهو‭ ‬عن‭ ‬مخرج‭ ‬يساعده‭ ‬على‭ ‬الإمعان‭ ‬في‭ ‬انتهاك‭ ‬الاتفاق،‭ ‬بل‭ ‬وقامت‭ ‬بتزويده‭ ‬بالوسائل‭ ‬التي‭ ‬تمكنه‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬الجحيم‭ ‬على‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬فهل‭ ‬هناك‭ ‬سقوط‭ ‬أخلاقي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬هذا؟‭!‬

بمشاركتها‭ ‬الفعلية‭ ‬في‭ ‬الهلوكوست‭ ‬الذي‭ ‬تعرض‭ ‬له‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬تكون‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ومعها‭ ‬الغرب‭ ‬كله،‭ ‬قد‭ ‬سقطت‭ ‬حضارياً‭. ‬لا‭ ‬يخالجني‭ ‬أي‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬ملحمة‭ ‬غزة‭ ‬ستفضي‭ ‬حتماً‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬جديد‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬بمقدور‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬تشارك‭ ‬فيه‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تفك‭ ‬ارتباطها‭ ‬بنظام‭ ‬الفصل‭ ‬العنصري‭ ‬السائد‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬

في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا