العدد : ١٧١٤٢ - الخميس ٢٧ فبراير ٢٠٢٥ م، الموافق ٢٨ شعبان ١٤٤٦هـ

العدد : ١٧١٤٢ - الخميس ٢٧ فبراير ٢٠٢٥ م، الموافق ٢٨ شعبان ١٤٤٦هـ

قضايا و آراء

خيارات القمة العربية بين الواقع والطموح

بقلم: د. حسن نافعة

الخميس ٢٧ فبراير ٢٠٢٥ - 02:00

أطلق‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬صحفي‭ ‬عقد‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬أسبوعين‭ ‬من‭ ‬دخوله‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬وفي‭ ‬حضور‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو،‭ ‬تصريحات‭ ‬أشار‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬نيّته‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬بعد‭ ‬إخلائه‭ ‬من‭ ‬سكانه،‭ ‬وطالب‭ ‬مصر‭ ‬والأردن‭ ‬بتخصيص‭ ‬أراضٍ‭ ‬لإعادة‭ ‬توطين‭ ‬المهجّرين‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬مبرّراً‭ ‬مقترحاته‭ ‬المفاجئة‭ ‬وطلباته‭ ‬غير‭ ‬المشروعة‭ ‬بأنّ‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬صالحاً‭ ‬للحياة‭ ‬بعد‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬حلّ‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬دمار‭ ‬وما‭ ‬شهدته‭ ‬ساحته‭ ‬من‭ ‬حروب‭ ‬متتالية‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭.‬

أكّد‭ ‬ترامب‭ ‬أنّ‭ ‬حرصه‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬دفعه‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تتولّى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بنفسها‭ ‬الإشراف‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬إعمار‭ ‬القطاع‭ ‬بطريقة‭ ‬تضمن‭ ‬تحويل‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬ريفييرا‮»‬‭ ‬ساحرة‭ ‬يمكن‭ ‬لكلّ‭ ‬البشر‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬أن‭ ‬يستمتعوا‭ ‬بشواطئها‭ ‬الجميلة‭ ‬وبمياهها‭ ‬الدافئة،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تظلّ‭ ‬مسرحاً‭ ‬لصراع‭ ‬دائم‭ ‬يستعصي‭ ‬الحلّ‭.‬

أثارت‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬المذهلة‭ ‬ردود‭ ‬أفعال‭ ‬متناقضة‭ ‬على‭ ‬الساحتين‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬والعربية‭. ‬فعلى‭ ‬الساحة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬سارع‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬نتنياهو‭ ‬والجناح‭ ‬الأكثر‭ ‬تطرّفاً‭ ‬في‭ ‬حكومته‭ ‬إلى‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بها‭ ‬والتحمّس‭ ‬لها،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬متوقّعاً‭.‬

فهي،‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬تفتح‭ ‬أمام‭ ‬نتنياهو‭ ‬طريقاً‭ ‬لإنقاذ‭ ‬حكومته‭ ‬المهدّدة‭ ‬بالانهيار‭ ‬وللمحافظة‭ ‬على‭ ‬تماسك‭ ‬ائتلافه‭ ‬المأزوم‭ ‬الذي‭ ‬يوشك‭ ‬عقده‭ ‬على‭ ‬الانفراط‭. ‬وهي،‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬تضخّ‭ ‬دماء‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬شرايين‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬يتبنّاها‭ ‬الجناح‭ ‬الأكثر‭ ‬تطرّفاً‭ ‬والتي‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬ضمّ‭ ‬الضفة‭ ‬وإعادة‭ ‬احتلال‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬وتصفية‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬نهائياً‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬العربية،‭ ‬فقد‭ ‬تسبّبت‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬في‭ ‬صدمة‭ ‬شديدة‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬الرسمي‭ ‬والشعبي،‭ ‬حيث‭ ‬قوبلت‭ ‬برفض‭ ‬قاطع‭ ‬وأثارت‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬ردود‭ ‬الأفعال‭ ‬التي‭ ‬أفضت‭ ‬إلى‭ ‬عقد‭ ‬اجتماع‭ ‬عاجل‭ ‬لوزراء‭ ‬خارجية‭ ‬مصر‭ ‬والسعودية‭ ‬والأردن‭ ‬والإمارات‭ ‬وقطر،‭ ‬أسفر‭ ‬عن‭ ‬اتفاق‭ ‬على‭ ‬عقد‭ ‬لقاء‭ ‬قمة‭ ‬تشاوري‭ ‬عربي‭ ‬غير‭ ‬رسمي‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬يمهّد‭ ‬الطريق‭ ‬لانعقاد‭ ‬قمة‭ ‬عربية‭ ‬موسّعة‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬مارس‭ ‬المقبل،‭ ‬كما‭ ‬تمّت‭ ‬الموافقة‭ ‬خلال‭ ‬الاجتماع‭ ‬الوزاري‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تتولّى‭ ‬مصر‭ ‬إعداد‭ ‬خطة‭ ‬مفصّلة‭ ‬لإعمار‭ ‬غزة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تهجير‭ ‬سكانها‭.‬

تتوافر‭ ‬مؤشرات‭ ‬عديدة‭ ‬توحي‭ ‬بأنّ‭ ‬مناقشة‭ ‬واعتماد‭ ‬الخطة‭ ‬المصرية‭ ‬البديلة‭ ‬سيكون‭ ‬هو‭ ‬الموضوع‭ ‬الرئيسي‭ ‬المدرج‭ ‬على‭ ‬جدول‭ ‬أعمال‭ ‬القمة‭ ‬العربية‭ ‬المقبلة،‭ ‬فربما‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬السابق‭ ‬لأوانه‭ ‬الجزم‭ ‬بما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬مقدور‭ ‬أيّ‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القمم‭ ‬تبنّي‭ ‬استراتيجية‭ ‬عربية‭ ‬قادرة‭ ‬بالفعل‭ ‬على‭ ‬الحيلولة‭ ‬دون‭ ‬تصفية‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬نهائياً،‭ ‬وهو‭ ‬الهدف‭ ‬الحقيقي‭ ‬الكامن‭ ‬وراء‭ ‬خطة‭ ‬التهجير‭ ‬التي‭ ‬يقترحها‭ ‬ترامب‭.‬

فمن‭ ‬الناحية‭ ‬الفنية،‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬أيّ‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬رسم‭ ‬خطة‭ ‬متكاملة‭ ‬لإعادة‭ ‬إعمار‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬المدمّر‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬تهجير‭ ‬كلّي‭ ‬أو‭ ‬جزئي‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬مؤقت‭ ‬لسكانه‭. ‬فالعالم‭ ‬العربي‭ ‬يعجّ‭ ‬بالخبرات‭ ‬الهندسية‭ ‬والمعمارية‭ ‬والعمرانية،‭ ‬وأيضاً‭ ‬بالشركات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الرفيعة‭ ‬المستوى‭ ‬الكفيلة‭ ‬بوضع‭ ‬وتنفيذ‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الخطة‭ ‬بكفاءة‭ ‬واقتدار‭.‬

غير‭ ‬أنّ‭ ‬المعضلة‭ ‬الحقيقية‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬الأبعاد‭ ‬السياسية‭ ‬للقضية‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬أبعادها‭ ‬الفنية،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬إصرار‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬المدعوم‭ ‬أمريكيا،‭ ‬على‭ ‬رفض‭ ‬أيّ‭ ‬تسوية‭ ‬عادلة‭ ‬للقضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وعلى‭ ‬استغلال‭ ‬الظروف‭ ‬والأوضاع‭ ‬الراهنة‭ ‬لتصفية‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬نهائيا،‭ ‬عبر‭ ‬الضمّ‭ ‬والتهجير‭.‬

فعلى‭ ‬مدى‭ ‬الشهور‭ ‬الخمسة‭ ‬عشر‭ ‬التي‭ ‬استغرقتها‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬تشنّها‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬على‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬منذ‭ ‬‮«‬طوفان‭ ‬الأقصى‮»‬،‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬يفعل‭ ‬شيئاً‭ ‬لوقف‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬الوحشيّة،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬لإجبار‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬على‭ ‬السماح‭ ‬بإدخال‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬من‭ ‬معونات‭ ‬إنسانية‭ ‬لإنقاذ‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬ممّا‭ ‬يتعرّض‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬التجويع‭ ‬والتدمير‭ ‬والتشريد‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬نظير‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭.‬

ولولا‭ ‬ما‭ ‬أظهرته‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المسلّحة‭ ‬من‭ ‬بسالة‭ ‬منقطعة‭ ‬النظير‭ ‬في‭ ‬ميدان‭ ‬القتال،‭ ‬وما‭ ‬أظهره‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬من‭ ‬صمود‭ ‬أسطوري،‭ ‬جسّده‭ ‬إصراره‭ ‬العنيد‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬أرضه‭ ‬والتمسّك‭ ‬بها‭ ‬ورفض‭ ‬الهجرة‭ ‬والتهجير‭ ‬مهما‭ ‬تكبّد‭ ‬من‭ ‬تضحيات،‭ ‬لما‭ ‬أمكن‭ ‬التوصّل‭ ‬إلى‭ ‬الاتفاق‭ ‬الحالي‭ ‬لوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬والذي‭ ‬تمّ‭ ‬التوصّل‭ ‬إليه‭ ‬قبل‭ ‬يوم‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬انتهاء‭ ‬ولاية‭ ‬بايدن‭.‬

حين‭ ‬يأتي‭ ‬ترامب‭ ‬اليوم‭ ‬ليطلب‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬والأردن‭ ‬اقتطاع‭ ‬مساحات‭ ‬من‭ ‬أراضيهما‭ ‬تكفي‭ ‬لإعادة‭ ‬توطين‭ ‬سكان‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬الذي‭ ‬قرّر‭ ‬إخلاءه‭ ‬وتحويله‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬ريفييرا‭ ‬عالمية‮»‬،‭ ‬فهو‭ ‬يرتكب‭ ‬جريمتين‭ ‬دوليتين‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد‭: ‬حرمان‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬من‭ ‬ممارسة‭ ‬حقّه‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬مصيره،‭ ‬وانتهاك‭ ‬سيادة‭ ‬دولتين‭ ‬عربيتين‭ ‬تربطهما‭ ‬بـ«إسرائيل‮»‬‭ ‬معاهدات‭ ‬سلام‭.‬

لذا‭ ‬فمن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭ ‬المطروح‭ ‬على‭ ‬القمة‭ ‬العربية‭ ‬المقبلة‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬يستمرّ‭ ‬العالم‭ ‬العربي،‭ ‬بكلّ‭ ‬ما‭ ‬يملكه‭ ‬من‭ ‬موارد‭ ‬وإمكانيات،‭ ‬في‭ ‬مواصلة‭ ‬سياسة‭ ‬المهادنة‭ ‬التي‭ ‬ينتهجها‭ ‬مع‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬منذ‭ ‬عشرات‭ ‬السنين،‭ ‬أم‭ ‬يستفيق‭ ‬ويدرك‭ ‬أخيراً‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬لن‭ ‬تحميه‭ ‬من‭ ‬الأطماع‭ ‬الصهيونية‭ ‬طالما‭ ‬استمرّت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬دعمها‭ ‬غير‭ ‬المشروط‭ ‬لهذه‭ ‬الأطماع‭.‬

وهذا‭ ‬هو‭ ‬التحدّي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬سوى‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬مواجهته‭ ‬بكلّ‭ ‬ما‭ ‬يملك‭ ‬من‭ ‬أوراق‭ ‬القوة‭ ‬والضغط‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬تستطيع‭ ‬القمة‭ ‬العربية‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬الأوضاع‭ ‬الإقليمية‭ ‬والعالمية‭ ‬الراهنة‭.‬

الواقع‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬تتبنّى‭ ‬القمة‭ ‬العربية‭ ‬المرتقبة‭ ‬خطة‭ ‬لإعادة‭ ‬إعمار‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬وإنما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تقترن‭ ‬هذه‭ ‬الخطة‭ ‬باستراتيجية‭ ‬شاملة،‭ ‬تفتح‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬إقامة‭ ‬الدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المستقلة،‭ ‬يمكن‭ ‬عرض‭ ‬وتلخيص‭ ‬أهمّ‭ ‬معالمها‭ ‬الأساسية‭ ‬وخطواتها‭ ‬التنفيذية‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬الآتي‭:‬

أولاً‭: ‬التمسّك‭ ‬بالتنفيذ‭ ‬الكامل‭ ‬للاتفاق‭ ‬الحالي‭ ‬لوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬والعمل‭ ‬بكلّ‭ ‬الوسائل‭ ‬المتاحة‭ ‬لإفشال‭ ‬المحاولات‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬تعديله‭. ‬ولأنّ‭ ‬نتنياهو‭ ‬يدرك‭ ‬الآن‭ ‬بوضوح‭ ‬أنّ‭ ‬التنفيذ‭ ‬الحرفي‭ ‬لهذا‭ ‬الاتفاق‭ ‬قد‭ ‬يؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬تفكّك‭ ‬الائتلاف‭ ‬الحاكم،‭ ‬يتوقّع‭ ‬أن‭ ‬يحاول‭ ‬إقناع‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬بممارسة‭ ‬الضغوط‭ ‬لتعديله‭ ‬بدعوى‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬إدارة‭ ‬أخرى،‭ ‬وهو‭ ‬منطق‭ ‬مرفوض‭ ‬تماماً‭ ‬لأنّ‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬المراحل‭ ‬النهائية‭ ‬للمفاوضات‭ ‬التي‭ ‬أفضت‭ ‬إليه،‭ ‬بل‭ ‬وأصرّ‭ ‬ترامب‭ ‬شخصياً‭ ‬على‭ ‬دخوله‭ ‬حيّز‭ ‬التنفيذ‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬هو‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬يفاخر‭ ‬علناً‭ ‬بأنه‭ ‬لولاه‭ ‬لما‭ ‬تمّ‭ ‬إبرامه‭ ‬أصلاً‭.‬

ثانياً‭: ‬الفصل‭ ‬التامّ‭ ‬بين‭ ‬المراحل‭ ‬الزمنية‭ ‬الثلاث‭ ‬لهذا‭ ‬الاتفاق‭ ‬وعدم‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬إلى‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬تليها‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬التنفيذ‭ ‬الكامل‭ ‬لمتطلّبات‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬تسبقها‭. ‬ولأنّ‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تفِ‭ ‬بكلّ‭ ‬الالتزامات‭ ‬الواقعة‭ ‬عليها‭ ‬بموجب‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى،‭ ‬خصوصاً‭ ‬ما‭ ‬يتعلّق‭ ‬منها‭ ‬بالبرتوكول‭ ‬الإنساني‭ ‬الذي‭ ‬ينصّ‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬إدخال‭ ‬الكرفانات‭ ‬والخيام‭ ‬اللازمة‭ ‬لإيواء‭ ‬الأحياء،‭ ‬والمعدّات‭ ‬الثقيلة‭ ‬اللازمة‭ ‬لرفع‭ ‬الأنقاض‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬المفقودين،‭ ‬والمستلزمات‭ ‬اللازمة‭ ‬لإعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬المستشفيات‭ ‬والمراكز‭ ‬الطبية‭ ‬والخدمية‭.‬

ثالثاً‭: ‬إلزام‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬بعدم‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬استئناف‭ ‬القتال‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬الظروف‭. ‬صحيح‭ ‬أنّ‭ ‬الاتفاق‭ ‬الحالي‭ ‬يتعلّق‭ ‬بهدنة‭ ‬لن‭ ‬تصبح‭ ‬قابلة‭ ‬للتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬دائم‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار‭ (‬تهدئة‭ ‬مستدامة‭) ‬إلا‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانية،‭ ‬وبعد‭ ‬مفاوضات‭ ‬كان‭ ‬يتعيّن‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى،‭ ‬لكنه‭ ‬يلزم‭ ‬طرفي‭ ‬الصراع‭ ‬بمواصلة‭ ‬التفاوض،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تطلّب‭ ‬الأمر‭ ‬تجاوز‭ ‬الفترة‭ ‬المحدّدة‭ ‬للمرحلة‭ ‬الأولى‭ ‬وهي‭ ‬42‭ ‬يومياً،‭ ‬كما‭ ‬يلزم‭ ‬الوسطاء‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬برعاية‭ ‬هذه‭ ‬المفاوضات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يتمّ‭ ‬التوصّل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬حول‭ ‬جميع‭ ‬الموضوعات‭ ‬والقضايا‭ ‬التي‭ ‬تشملها‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانية‭.‬

رابعاً‭: ‬ربط‭ ‬مصير‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬بمصير‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬ربط‭ ‬بدء‭ ‬التفاوض‭ ‬حول‭ ‬‮«‬اليوم‭ ‬التالي‮»‬‭ ‬وكذلك‭ ‬ربط‭ ‬أيّ‭ ‬حديث‭ ‬محتمل‭ ‬عن‭ ‬نزع‭ ‬سلاح‭ ‬فصائل‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المسلحة‭ ‬بوجود‭ ‬خطة‭ ‬دولية‭ ‬واضحة‭ ‬المعالم‭ ‬لتأسيس‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬مستقلّة‭ ‬عاصمتها‭ ‬القدس‭ ‬المحتلة‭ ‬على‭ ‬كامل‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة‭ ‬عام‭ ‬1967،‭ ‬يضمن‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬قيامها‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬قرار‭ ‬يصدر‭ ‬بموجب‭ ‬الفصل‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬الميثاق‭.‬

حسناً‭ ‬فعلت‭ ‬مصر‭ ‬والأردن‭ ‬حين‭ ‬تمسّكتا‭ ‬برفضهما‭ ‬القاطع‭ ‬لتهجير‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬وحسناً‭ ‬فعلت‭ ‬بقيّة‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬حين‭ ‬عبّرت‭ ‬بالإجماع‭ ‬عن‭ ‬دعمها‭ ‬الكامل‭ ‬لهذا‭ ‬الموقف،‭ ‬لكنّ‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭. ‬فالحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الحالية،‭ ‬الأشدّ‭ ‬تطرّفاً‭ ‬وعنصرية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬،‭ ‬تعتقد‭ ‬أنّ‭ ‬الأوضاع‭ ‬الإقليمية‭ ‬الحالية‭ ‬تتيح‭ ‬أمام‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬فرصة‭ ‬لضمّ‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬ولإعادة‭ ‬احتلال‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬ولإقامة‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬التوراتية‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لن‭ ‬تقبل‭ ‬به‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬مطلقاً‭.‬

لذا‭ ‬تواجه‭ ‬القمة‭ ‬العربية‭ ‬المرتقبة‭ ‬تحدّياً‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬يفرض‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تختار‭ ‬بين‭ ‬بديلين،‭ ‬فإما‭ ‬الاستسلام‭ ‬لهيمنة‭ ‬إسرائيلية‭ ‬كاملة‭ ‬على‭ ‬المنطقة،‭ ‬بقبول‭ ‬فكرة‭ ‬التطبيع‭ ‬مع‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬التوراتية،‭ ‬وإما‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬قيام‭ ‬الدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المستقلة‭ ‬وعاصمتها‭ ‬القدس‭ ‬المحتلة‭. ‬ولدى‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬أوراق‭ ‬ضغط‭ ‬كثيرة‭ ‬لفرض‭ ‬قيام‭ ‬هذه‭ ‬الدولة،‭ ‬أقلّها‭ ‬التزام‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬بقطع‭ ‬جميع‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬وبعدم‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬علاقات‭ ‬جديدة‭ ‬معها‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تعلن‭ ‬رسمياً‭ ‬موافقتها‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ‭ ‬على‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬مستقلّة‭ ‬عاصمتها‭ ‬القدس‭ ‬المحتلة‭ ‬على‭ ‬كامل‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المحتلة‭ ‬عام‭ ‬1967،‭ ‬وبدء‭ ‬التفاوض‭ ‬على‭ ‬خارطة‭ ‬طريق‭ ‬تفضي‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭. ‬وعلى‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬أن‭ ‬تدرك‭ ‬أنها‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تتمكّن‭ ‬من‭ ‬إلزام‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بالموافقة‭ ‬على‭ ‬قيام‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬الآن‭ ‬فلن‭ ‬تتمكّن‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬مطلقاً،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تأتي‭ ‬أهمية‭ ‬التصدي‭ ‬لمحاولات‭ ‬فرض‭ ‬الهيمنة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬كامل‭ ‬المنطقة‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬

في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا