العدد : ١٧٥٤٢ - الجمعة ٠٣ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ شوّال ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٤٢ - الجمعة ٠٣ أبريل ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ شوّال ١٤٤٧هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

الحب يعطل الإدراك

عندما‭ ‬التحقت‭ ‬بالجامعة،‭ ‬كنت‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬الأفلام‭ ‬السينمائية،‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الجامعات‭ ‬مسارح‭ ‬لعلاقات‭ ‬عاطفية‭ ‬عاصفة،‭ ‬فاتخذت‭ ‬قرارا‭ ‬‮«‬داخليا‮»‬،‭ ‬بتحصين‭ ‬نفسي‭ ‬ضد‭ ‬الحب،‭ ‬وكان‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬غرور‭ ‬غير‭ ‬معلن‭ ‬‮«‬يعني‭ ‬اسم‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬جعفر‭ ‬عنتر‭ ‬سيطنش‭ ‬أي‭ ‬عبلة‭ ‬تحاول‭ -‬بالمصري‭- ‬تأكل‭ ‬بعقله‭ ‬حلاوة،‭ ‬أي‭ ‬تستعبطه‭ ‬ليقع‭ ‬في‭ ‬شباكها‭.‬

عكف‭ ‬روبن‭ ‬دنبار‭ ‬أستاذ‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬أكسفورد‭ ‬على‭ ‬دراسة‭ ‬حالات‭ ‬17‭ ‬شابا‭ ‬وشابة،‭ ‬كان‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬حب‭ ‬قوي‭ ‬وعنيف،‭ ‬بعد‭ ‬إخضاع‭ ‬أمخاخهم‭ ‬للتصوير‭ ‬بالرنين‭ ‬المغنطيسي‭ ‬الوظائفي fMRI،‭ ‬وأثناء‭ ‬التصوير‭ ‬عرضوا‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬الـ17‭ ‬عاشقا‭ ‬صور‭ ‬ثلاثة‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬ثم‭ ‬صورة‭ ‬الحبيب‭/ ‬الحبيبة،‭ ‬وكانت‭ ‬المفاجأة‭ ‬أنه‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬رأى‭ ‬الواحد‭ ‬منهم‭ ‬صورة‭ ‬المحبوب‭ ‬حتى‭ ‬توقفت‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬الفص‭ ‬الأمامي‭ ‬من‭ ‬الدماغ‭ ‬عنده‭/‬ها‭ ‬عن‭ ‬العمل،‭ ‬وهذا‭ ‬الفص‭ ‬هو‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬العقلاني‭ ‬ذي‭ ‬العيار‭ ‬الثقيل،‭ ‬بينما‭ ‬نشطت‭ ‬فصوص‭ ‬الدماغ‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الفسيخ‭ ‬شربات،‭ ‬و«العتبة‭ ‬قزاز‭ ‬والسلم‭ ‬نايلو‭ ‬في‭ ‬نايلو‮»‬،‭ ‬ولم‭ ‬تتوقف‭ ‬أبحاث‭ ‬بروفيسر‭ ‬دنبار‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬فقد‭ ‬قام‭ ‬بتحليل‭ ‬سجل‭ ‬المكالمات‭ ‬الهاتفية‭ ‬بين‭ ‬المحبين،‭ ‬واتضح‭ ‬له‭ ‬ان‭ ‬الرجل‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬اتصالا‭ ‬هاتفيا‭ ‬بالمرأة‭ (‬سواء‭ ‬تزوج‭ ‬بها‭ ‬أم‭ ‬لا‭) ‬التي‭ ‬يحبها‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬السبع‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬العلاقة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬آخر‭ ‬يعرفه،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬تظل‭ ‬طوال‭ ‬الـ14‭ ‬سنة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬العلاقة‭ ‬تتصل‭ ‬بالمحبوب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬الناس‭ (‬وهذا‭ ‬دليل‭ ‬إضافي‭ ‬لأمر‭ ‬مفروغ‭ ‬منه‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬المرأة‭ ‬أكثر‭ ‬وفاء‭ ‬ورومانسية‭ ‬من‭ ‬الرجل‭).‬

والشاهد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الحب‭ ‬القوي‭ ‬يجعلك‭ ‬عاجزا‭ ‬عن‭ ‬رؤية‭ ‬عيوب‭ ‬المحبوب،‭ ‬ولهذا‭ ‬تجد‭ ‬شابا‭ ‬متيما‭ ‬بفتاة‭ ‬يقول‭ ‬عنها‭ ‬أقاربه‭ ‬وأصدقاؤه‭ ‬إنها‭ ‬قبيحة‭ ‬الشكل‭ ‬والخصال‭ ‬والفعال‭ ‬أو‭ ‬بلهاء‭ ‬أو‭ ‬وقحة،‭ ‬أو‭ ‬فتاة‭ ‬تهيم‭ ‬بحب‭ ‬شاب‭ ‬يقول‭ ‬عنه‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يعرفه‭ ‬إن‭ ‬عينه‭ ‬زائغة‭ ‬وإنه‭ ‬رخم‭ ‬ولطخ‭ ‬وكسول‭ ‬وقيحة‭ ‬ويتعاطى‭ ‬مبطلات‭ ‬العقل،‭ ‬ويكون‭ ‬رد‭ ‬المحب‭ ‬في‭ ‬الحالتين‭: ‬بموت‭ ‬فيها‭/ ‬فيه،‭ ‬ولهذا‭ ‬فالحب‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬ليس‭ ‬أعمى،‭ ‬بل‭ ‬يعطل‭ ‬بعض‭ ‬المدارك،‭ ‬وربما‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬عناه‭ ‬الشاعر‭ ‬بقوله‭: ‬وعين‭ ‬الرضا‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬عيب‭ ‬كليلة‭.. ‬ولهذا‭ ‬تجد‭ ‬معظم‭ ‬الآباء‭ ‬والأمهات‭ ‬يتباهون‭ ‬بأن‭ ‬عيالهم‭ -‬ما‭ ‬شاء‭ ‬الله‭ ‬عليهم‭- ‬متفوقون‭ ‬ومؤدبون‭ ‬ومهذبون‭ (‬طيب‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬أتت‭ ‬جيوش‭ ‬الصائعين‭ ‬والصائعات‭ ‬الذين‭ ‬نراهم‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬العامة‭ ‬وبعضهم‭ ‬مخه‭ ‬خارج‭ ‬الشبكة؟‭).. ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬زواجا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬بموت‭ ‬فيه‭/ ‬فيها‮»‬‭ ‬متغاضيا‭ ‬عن‭ ‬عيوب‭ ‬صارخة‭ ‬في‭ ‬الطرف‭ ‬الذي‭ ‬يتم‭ ‬‮«‬الموت‭ ‬فيه‮»‬،‭ ‬هو‭ ‬نفس‭ ‬منطق‭ ‬‮«‬بموت‭ ‬في‭ ‬الفسيخ‮»‬‭ ‬فالإكثار‭ ‬من‭ ‬أكل‭ ‬الفسيخ‭ ‬يسبب‭ ‬تشكيلة‭ ‬من‭ ‬أمراض‭ ‬الجهاز‭ ‬الهضمي‭ ‬والدورة‭ ‬الدموية‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬ضغط‭ ‬الدم‭ ‬الشرياني‭ ‬المسمى‭ ‬بالقاتل‭ ‬الصامت،‭ ‬وأنت‭ ‬تموت‭ ‬فيه‭ ‬وهو‭ ‬يميتك‭ (‬بالبلدي‭ ‬يموِّتك‭).‬

ولكن‭ ‬وقائع‭ ‬الحياة‭ ‬والدراسات‭ ‬العلمية‭ ‬تؤكد‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬يخضعون‭ ‬مشاعرهم‭ ‬تجاه‭ ‬الجنس‭ ‬الآخر‭ ‬للحساب‭ ‬بالسنتيمتر‭ ‬والسي‭ ‬سي،‭ ‬لا‭ ‬يفلحون‭ ‬أبدا‭ ‬في‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬علاقات‭ ‬عاطفية،‭ ‬لأن‭ ‬الحب‭ ‬الحقيقي‭ ‬يتطلب‭ ‬درجة‭ ‬من‭ ‬التسامح‭ ‬والتغاضي‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬عيوب‭ ‬المحبوب،‭ ‬لأنه‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬إنسان‭ ‬كامل،‭ ‬ولكن‭ ‬بشرط‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المحب‭ ‬مدركا‭ ‬لتلك‭ ‬العيوب‭ ‬وعازما‭ ‬على‭ ‬حث‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬على‭ ‬التغلب‭ ‬عليها‭ ‬أو‭ ‬عازما‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬التغاضي‭ ‬عنها،‭ ‬وآفة‭ ‬الحب‭ ‬الغبي‭ ‬في‭ ‬تقديري‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قائما‭ ‬على‭ ‬الانبهار‭ ‬بالشكل‭ ‬والمظهر،‭ ‬فيكون‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يهم‭ ‬الشاب‭ ‬في‭ ‬محبوبته‭ ‬أنها‭ ‬جميلة‭ ‬وفاتنة‭ ‬وفتاكة‭ ‬وشيك‭ ‬و«هيب hip»،‭ ‬وما‭ ‬يهم‭ ‬الفتاة‭ ‬في‭ ‬الحبيب‭ ‬أنه‭ ‬شديد‭ ‬الوسامة‭ ‬والأناقة‭ ‬و«عصري‮»‬،‭ ‬فجمال‭ ‬الشكل‭ ‬والمظهر‭ ‬أمران‭ ‬أساسيان‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬المحبوب‭ ‬وشريك‭ ‬الحياة،‭ ‬ولكنهما‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الجمال‭ ‬الجواني‭ ‬يصبحان‭ ‬مجرد‭ ‬زبد‭ ‬يذهب‭ ‬جفاء‭. ‬شوف‭ ‬بنفسك‭ ‬كم‭ ‬من‭ ‬الأثرياء‭ ‬الوجهاء‭ ‬انبهروا‭ ‬بحسناوات‭ ‬الطرب‭ ‬والتمثيل‭ ‬وتزوجوا‭ ‬بهن‭ ‬وأقاموا‭ ‬حفلات‭ ‬تناقلت‭ ‬وقائعها‭ ‬الركبان،‭ ‬وأتحداك‭ ‬أن‭ ‬تذكر‭ ‬لي‭ ‬زيجة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الزيجات‭ ‬صمدت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا