العدد : ١٦٨٦٠ - الثلاثاء ٢١ مايو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٣ ذو القعدة ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٨٦٠ - الثلاثاء ٢١ مايو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٣ ذو القعدة ١٤٤٥هـ

قضايا و آراء

صفحات من أوراق جدي القديمة.. صناعة الرأي العام لدولة الاحتلال

بقلم: د. زكريا الخنجي

الأحد ٢١ أبريل ٢٠٢٤ - 02:00

في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬أستغرب‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الأوراق‭ ‬الصفراء‭ ‬التي‭ ‬أجدها‭ ‬في‭ ‬صندوق‭ ‬جدي،‭ ‬وأسأل‭ ‬نفسي‭: ‬كيف‭ ‬جمعها؟‭ ‬وكيف‭ ‬كتبها‭ ‬بخط‭ ‬يده؟‭ ‬ولماذا‭ ‬تركها‭ ‬هكذا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصندوق‭ ‬الحديدي؟

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أجد‭ ‬نفسي‭ ‬بين‭ ‬الفينة‭ ‬والأخرى‭ ‬أعود‭ ‬إلى‭ ‬ذلكم‭ ‬الصندوق،‭ ‬أعبث‭ ‬فيه،‭ ‬وأستمتع‭ ‬بقراءة‭ ‬خواطر‭ ‬وأفكار‭ ‬وحكايات‭ ‬جدي،‭ ‬وأشعر‭ ‬وكأني‭ ‬جالس‭ ‬بين‭ ‬يديه‭ ‬ويقول‭ ‬لي‭ ‬حكاياته‭ ‬الجميلة‭. ‬

وإليكم‭ ‬اليوم‭ ‬هذه‭ ‬الحكاية،،

يقول‭ ‬جدي‭ ‬في‭ ‬أوراقه‭ ‬الصفراء‭:‬

كان‭ ‬لأحد‭ ‬الأشخاص‭ ‬خروف‭ ‬وأراد‭ ‬أن‭ ‬يبيعه،‭ ‬وعندما‭ ‬أخذه‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬رآه‭ ‬أربعة‭ ‬لصوص،‭ ‬واتفقوا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يسرقوا‭ ‬الخروف‭ ‬بطريقة‭ ‬ذكية،‭ ‬فتقاسموا‭ ‬الجلوس‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬الطريق‭ ‬المؤدية‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬التي‭ ‬سيمر‭ ‬منها‭ ‬صاحب‭ ‬الخروف،‭ ‬حيث‭ ‬جلس‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الطريق،‭ ‬وجلس‭ ‬الثاني‭ ‬في‭ ‬ربع‭ ‬الطريق‭ ‬الأول،‭ ‬وجلس‭ ‬الثالث‭ ‬قريبًا‭ ‬من‭ ‬منتصف‭ ‬الطريق‭ ‬وجلس‭ ‬الرابع‭ ‬قبل‭ ‬نهاية‭ ‬الطريق،‭ ‬أي‭ ‬قبيل‭ ‬السوق‭ ‬بقليل‭.‬

وعندما‭ ‬مر‭ ‬صاحب‭ ‬الخروف‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬اللص‭ ‬الأول‭ ‬ألقى‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬فرد‭ ‬اللص‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬وبادره‭ ‬بالسؤال‭: ‬لماذا‭ ‬تربط‭ ‬هذا‭ ‬الكلب‭ ‬وتقوده خلفك؟

فالتفت‭ ‬صاحب‭ ‬الخروف‭ ‬إلى‭ ‬اللص‭ ‬وقال‭ ‬له‭: ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬كلبًا‭ ‬إنه‭ ‬خروف،‭ ‬وأنا‭ ‬ذاهب‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬لأبيعه‭. ‬

ثم‭ ‬تركه‭ ‬وانصرف،‭ ‬وبعد‭ ‬مسافة‭ ‬التقى‭ ‬باللص‭ ‬الثاني‭ ‬فرد‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬وإذا‭ ‬باللص‭ ‬يسأله‭: ‬يا‭ ‬هذا،‭ ‬لماذا‭ ‬تربط‭ ‬هذا‭ ‬الكلب‭ ‬وتقوده‭ ‬خلفك؟

فالتفت‭ ‬صاحب‭ ‬الخروف‭ ‬إلى‭ ‬الخروف‭ ‬ونظر‭ ‬إلى‭ ‬اللص‭ ‬وقال‭ ‬له‭: ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬كلبًا،‭ ‬هذا‭ ‬خروف‭ ‬وأنا‭ ‬ذاهب‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬لأبيعه‭.‬

ثم‭ ‬تركه‭ ‬وانصرف،‭ ‬ولكن‭ ‬الشك‭ ‬قد‭ ‬بدأ‭ ‬يتسرب‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬الرجل،‭ ‬فأخذ‭ ‬يتحسس‭ ‬الخروف‭ ‬ليتأكد‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬كلب‭ ‬فعلاً‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬له‭ ‬اللصان‭ ‬أم‭ ‬هو‭ ‬خروف‭ ‬كما‭ ‬يعتقد‭ ‬هو؟‭ ‬ولكنه‭ ‬شعر‭ ‬أنه‭ ‬خروف‭. ‬وبعد‭ ‬مسافة‭ ‬التقى‭ ‬اللص‭ ‬الثالث‭ ‬فرد‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬وإذا‭ ‬باللص‭ ‬يسأله‭ ‬نفس‭ ‬السؤال‭ ‬السابق‭: ‬لماذا‭ ‬تربط‭ ‬هذا‭ ‬الكلب‭ ‬وتقوده‭ ‬خلفك؟

فاندهش‭ ‬صاحب‭ ‬الخروف‭ ‬وزادت‭ ‬حيرته،‭ ‬ونظر‭ ‬إلى‭ ‬اللص‭ ‬ثم‭ ‬انصرف‭ ‬ولم‭ ‬يجبه‭ ‬عن‭ ‬سؤاله،‭ ‬ولكن‭ ‬بدأت‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الحيوان‭ ‬الذي‭ ‬يجره‭ ‬كلبًا‭ ‬تطغى‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬خروفًا،‭ ‬بل‭ ‬وتمسح‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬خروفًا‭ ‬تمامًا‭. ‬وبعد‭ ‬مسافة‭ ‬التقى‭ ‬اللص‭ ‬الرابع‭ ‬فرد‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬وباشره‭ ‬اللص‭ ‬قائلاً‭: ‬لماذا‭ ‬تربط‭ ‬هذا‭ ‬الكلب‭ ‬وتقوده‭ ‬خلفك؟

في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬تأكد‭ ‬صاحب‭ ‬الخروف‭ ‬أنه‭ ‬يقود‭ ‬كلبًا‭ ‬فعلاً‭ ‬وليس‭ ‬خروفًا،‭ ‬فليس‭ ‬من‭ ‬المعقول‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬كل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأشخاص‭ ‬كاذبين،‭ ‬فالتفت‭ ‬إلى‭ ‬اللص‭ ‬وقال‭ ‬له‭: ‬لقد‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬عجلة‭ ‬من‭ ‬أمري‭ ‬فاعتقدت‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الكلب‭ ‬خروف‭ ‬فربطته‭ ‬لأذهب‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬لأبيعه،‭ ‬ولم‭ ‬يتبين‭ ‬لي‭ ‬أنه‭ ‬كلب‭ ‬إلا‭ ‬الآن‭.‬

ثم‭ ‬فك‭ ‬وثاق‭ ‬الخروف،‭ ‬وأطلق‭ ‬سراحه،‭ ‬وعاد‭ ‬إلى‭ ‬بيته‭ ‬باحثًا‭ ‬عن‭ ‬خروفه،‭ ‬وقام‭ ‬اللصوص‭ ‬وأخذوا‭ ‬الخروف‭ ‬وانصرفوا‭ ‬وهم‭ ‬يتهامسون‭ ‬في‭ ‬سرور‭ ‬وغبطة‭.‬

انتهت‭ ‬القصة‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬والغريب‭ ‬أن‭ ‬جدي‭ ‬لم‭ ‬يعلق‭ ‬كعادته‭ ‬على‭ ‬القصة،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬أنهى‭ ‬القصة‭ ‬بقهقهة،‭ ‬وختم‭ ‬القصة‭.‬

ولكن‭ ‬اليوم‭ ‬تصدق‭ ‬الحكاية،،‭ ‬إذ‭ ‬نرى‭ ‬أنه‭ ‬هكذا‭ ‬يصنع‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬حكومة‭ ‬الاحتلال‭ ‬ودول‭ ‬الغرب،‭ ‬فالرأي‭ ‬العام‭ ‬يزرع‭ ‬في‭ ‬عقلية‭ ‬الإنسان‭ ‬عندما‭ ‬توضع‭ ‬بذرة‭ ‬‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬نبتة‭ ‬طفيلية‭ ‬غير‭ ‬مرغوب‭ ‬في‭ ‬وجودها‭ ‬‭ ‬ثم‭ ‬تسقى‭ ‬بيد‭ ‬آثمة‭ ‬بين‭ ‬فترة‭ ‬وأخرى،‭ ‬وبكل‭ ‬هدوء‭ ‬وصبر‭ ‬حتى‭ ‬تبدأ‭ ‬البذرة‭ ‬بالنمو‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬بها‭ ‬أحد،‭ ‬ومع‭ ‬توالي‭ ‬الأيام‭ ‬تكبر‭ ‬البذرة‭ ‬لتصبح‭ ‬بادرة،‭ ‬عندئذ‭ ‬تخرق‭ ‬الأرض‭ ‬وتمد‭ ‬سيقانها‭ ‬إلى‭ ‬الشمس،‭ ‬لتصبح‭ ‬تلك‭ ‬الفكرة‭ ‬النكرة‭ ‬حقيقة‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يشأ‭ ‬صاحب‭ ‬الأرض‭ ‬نمو‭ ‬هذه‭ ‬الشجرة،‭ ‬وهكذا‭ ‬يريد‭ ‬الاحتلال‭ ‬ودول‭ ‬الغرب‭ ‬أن‭ ‬تُسرب‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬حكومة‭ ‬الاحتلال‭ ‬هي‭ ‬الدولة‭ ‬الأخلاقية‭ ‬الوحيدة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وأنها‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬القيم‭ ‬والأخلاق،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬عداها‭ ‬هم‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الهمج‭ ‬عديمو‭ ‬الأخلاق‭ ‬والشرف‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يستحقون‭ ‬الحياة‭.‬

دولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬ودول‭ ‬الغرب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إعلامها‭ ‬العفن‭ ‬والمتعفن‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬توهمنا‭ ‬أن‭ ‬الخروف‭ ‬كلب،‭ ‬وأن‭ ‬الكلب‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬الأسد،‭ ‬فهم‭ ‬يحاولون‭ ‬أن‭ ‬يزرعوا‭ ‬في‭ ‬عقولنا‭ ‬وعقول‭ ‬أجيالنا‭ ‬القادمة‭ ‬أنها‭ ‬دول‭ ‬عظمى‭ ‬وجيوشها‭ ‬لا‭ ‬تقهر،‭ ‬وأنهم‭ ‬يحاربون‭ ‬للمحافظة‭ ‬على‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والحريات‭ ‬والبناء‭ ‬الحضاري‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬قام‭ ‬ولن‭ ‬يستمر‭ ‬إلا‭ ‬باستمرار‭ ‬وجود‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجزء‭ ‬من‭ ‬الأرض،‭ ‬يحاولون‭ ‬أن‭ ‬يزرعوا‭ ‬في‭ ‬عقول‭ ‬أجيالنا‭ ‬أن‭ ‬المقاومة‭ ‬فئة‭ ‬إرهابية‭ ‬تحاول‭ ‬طمس‭ ‬الطهارة‭ ‬والنزاهة،‭ ‬إنها‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬حيوان‭ ‬لا‭ ‬يستحق‭ ‬البيع‭ ‬والتعامل‭ ‬معه‭.‬

وتشير‭ ‬التحليلات‭ ‬التي‭ ‬راجعناها‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬المختلفة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬جيش‭ ‬الاحتلال‭ ‬يقوم‭ ‬بالتلاعب‭ ‬بالملفات‭ ‬الصوتية‭ ‬والمرئية‭ ‬ويعيد‭ ‬بثها‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬بهدف‭ ‬التضليل‭ ‬الإعلامي،‭ ‬وعندما‭ ‬ينكشف‭ ‬خداعها،‭ ‬تتصرف‭ ‬وكأن‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يعنيها،‭ ‬فعمليات‭ ‬قتل‭ ‬الأطفال‭ ‬والنساء‭ ‬وكبار‭ ‬السن‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬جيش‭ ‬الاحتلال‭ ‬يمر‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬الغربي‭ ‬وكأنه‭ ‬حدث‭ ‬عادي،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬فكل‭ ‬هؤلاء‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليهم‭ ‬يعتبرون‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬جماعة‭ ‬إرهابية‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تغتال‭ ‬الحرية‭ ‬والديمقراطية‭ ‬والحياة‭ ‬والجمال‭ ‬والتحضر‭ ‬والحضارة،‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬قتلهم‭ ‬أفضل‭ ‬للبشرية‭.‬

عندما‭ ‬يخرج‭ ‬المتحدث‭ ‬باسم‭ ‬جيش‭ ‬الاحتلال‭ ‬وتسمعه‭ ‬يتحدث،‭ ‬فإنك‭ ‬تُذهل‭ ‬بكم‭ ‬الأكاذيب‭ ‬التي‭ ‬يتلفظ‭ ‬بها،‭ ‬حتى‭ ‬أنه‭ ‬يبين‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬يقومون‭ ‬بها‭ ‬هي‭ ‬حرب‭ ‬لإنقاذ‭ ‬البشرية‭ ‬من‭ ‬الظلام‭ ‬الدامس‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يحيط‭ ‬بالكرة‭ ‬الأرضية‭ ‬إن‭ ‬انتصرت‭ ‬المقاومة،‭ ‬فالاحتلال‭ ‬يضحي،‭ ‬نعم‭ ‬هكذا‭ (‬يضحي‭) ‬بكل‭ ‬قدراته‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إنقاذ‭ ‬البشرية‭.‬

لقد‭ ‬حاول‭ ‬إعلام‭ ‬الاحتلال‭ ‬وبشكل‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الاستخفاف‭ ‬بعقول‭ ‬الناس،‮ ‬بإخفاء‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الغزّي‭ ‬من‭ ‬مجازر‭ ‬وتدمير‭ ‬بيوت‭ ‬وأحياء‭ ‬كاملة‭ ‬وقتل‭ ‬آلاف‭ ‬الأطفال‭ ‬والنساء‭ ‬وتشريد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليون‭ ‬مواطن‭ ‬غزّي،‭ ‬كما‭ ‬اهتم‭ ‬الإعلام‭ ‬بمنع‭ ‬نشر‭ ‬صور‭ ‬وأشرطة‭ ‬مسجلة‭ ‬يظهر‭ ‬فيها‭ ‬الرهائن‭ ‬المحتجزون‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬وهم‭ ‬يناشدون‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬ورئيسها‭ ‬بتحريرهم‭ ‬وإعادتهم‭ ‬إلى‭ ‬عائلاتهم،‭ ‬كذلك‭ ‬حرص‭ ‬الإعلام‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬إسدال‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الضبابية‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الجبهة‭ ‬الشمالية‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الإصابات‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬الجنود،‭ ‬أو‭ ‬حجم‭ ‬الأضرار‭ ‬التي‭ ‬لحقت‭ ‬بالمستوطنات‭ ‬الشمالية،‭ ‬بحيث‭ ‬إن‭ ‬هناك‭ ‬تقارير‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬تضرر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬50%‭ ‬من‭ ‬المنازل‭ ‬والمباني‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المستوطنات‭.‬

إلا‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الهدف‭ ‬هنا،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬دائمًا،‭ ‬تقديم‭ ‬الأدلة،‭ ‬بل‭ ‬الفوز‭ ‬في‭ ‬المعركة‭ ‬الدعائية‭ ‬الإعلامية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التوجيه‭ ‬المضلل،‭ ‬وزرع‭ ‬بذور‭ ‬الشك‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬للسياسيين‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الغربية‭ ‬استغلالها‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬للتعتيم‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬أمام‭ ‬جماهيرهم‭.‬

وبالعودة‭ ‬والبحث‭ ‬في‭ ‬ملف‭ ‬إنشاء‭ ‬الإعلام‭ ‬الصهيوني‭ ‬ندرك‭ ‬تمامًا‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ (‬متلازمة‭ ‬الإعلام‭ ‬الصهيوني‭ ‬والرواية‭ ‬المضللة‭) ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬مبكرة،‭ ‬ويمكن‭ ‬مشاهدة‭ ‬وقراءة‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬صحيفة‭ ‬هآرتس‭ ‬عام‭ ‬1919،‭ ‬وصحيفة‭ ‬يديعوت‭ ‬أحرونوت‭ ‬عام‭ ‬1939،‭ ‬وصحيفة‭ ‬معاريف‭ ‬عام‭ ‬1948،‭ ‬أما‭ ‬تلفزيون‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬عام‭ ‬1968م‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬أول‭ ‬برنامج‭ ‬يبثه‭ ‬هو‭ ‬استعراض‭ ‬للجيش‭ ‬الاسرائيلي‭ ‬الذي‭ ‬ارتكب‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬يرتكب‭ ‬أبشع‭ ‬صور‭ ‬القتل‭ ‬والتدمير‭. ‬فمثلاً‭ ‬يتشكل‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬القناة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬حوالي‭ ‬30‭ ‬عضوًا‭ ‬يتم‭ ‬تعيينهم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الكنيست‭ ‬بشكل‭ ‬يمثل‭ ‬جميع‭ ‬المكونات‭ ‬الحزبية‭ ‬المتطرفة،‭ ‬وهذه‭ ‬النماذج‭ ‬الإعلامية‭ ‬يعكس‭ ‬تاريخ‭ ‬تأسيسها‭ ‬وطبيعة‭ ‬إدارتها‭.‬

وخلال‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الصهيونية‭ ‬المستمرة‭ ‬على‭ ‬مدن‭ ‬فلسطين‭ ‬المحتلة‭ ‬جميعها‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬القدس‭ ‬ونابلس‭ ‬والخليل‭ ‬وغيرها‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة،‭ ‬نلحظ‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأكاذيب‭ ‬والخداع‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬سرد‭ ‬المعلومات‭ ‬أو‭ ‬استخدام‭ ‬المصطلحات‭ ‬بشكل‭ ‬مزيف،‭ ‬ضمن‭ ‬محاولة‭ ‬التشويش‭ ‬على‭ ‬الإعلام‭ ‬المتزن‭ ‬الحر‭ ‬ومحاربته،‭ ‬وبالتزامن‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬يجري‭ ‬إغلاق‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإعلامية‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬المحتلة‭ ‬التي‭ ‬تنشط‭ ‬في‭ ‬رصد‭ ‬الجرائم‭ ‬الإسرائيلية‭. ‬وكذلك‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬طوفان‭ ‬الأقصى‭ ‬من‭ ‬اغتيال‭ ‬الكوادر‭ ‬الإعلامية،‭ ‬حيث‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬الشهداء‭ ‬من‭ ‬الصحفيين‭ ‬34‭ ‬صحفيًا،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬قصف‭ ‬حوالي‭ ‬50‭ ‬مركزًا‭ ‬إعلاميًا،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬ينشط‭ ‬الإعلام‭ ‬الصهيوني‭ ‬في‭ ‬تصوير‭ ‬الاحتلال‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬ضحية‭ ‬الحرب‭. ‬

ومثال‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬فإنه‭ ‬عندما‭ ‬يتحدث‭ ‬مندوب‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬فإنه‭ ‬يحاول‭ ‬تقليص‭ ‬الصراع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الفلسطيني‭ ‬والذي‭ ‬تعود‭ ‬جذوره‭ ‬إلى‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الاستعمار‭ ‬والقتل‭ ‬والتهجير‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬حرب‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬فقط،‭ ‬ليس‭ ‬ذلك‭ ‬فحسب‭ ‬وإنما‭ ‬تحديدًا‭ ‬ضد‭ ‬حماس‭ ‬وحدها،‭ ‬معتبرًا‭ ‬أن‭ ‬له‭ ‬الحق،‭ ‬وكل‭ ‬الحق،‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬ضد‭ ‬الإرهاب‭ ‬والظلامية،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬يحق‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬وتحرير‭ ‬أرضه‭ ‬ومقاومة‭ ‬الاحتلال،‭ ‬بالاستناد‭ ‬إلى‭ ‬الشرعية‭ ‬الدولية‭ ‬وقرارات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬والمواثيق‭ ‬القانونية‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬تكفل‭ ‬حق‭ ‬المقاومة‭.‬

في‭ ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬يحاول‭ ‬الإعلام‭ ‬أن‭ ‬يصور‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬الخروف‭ ‬كلب،‭ ‬وأن‭ ‬الأسود‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تخاف‭ ‬من‭ ‬الكلاب،‭ ‬وأنها‭ ‬هي‭ ‬صاحبة‭ ‬الحق‭ ‬بامتياز‭ ‬في‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الوجود‭ ‬العربي‭ ‬كله،‭ ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬صناعة‭ ‬رأي‭ ‬عام‭ ‬وزراعة‭ ‬بذرة‭ ‬خبيثة‭ ‬في‭ ‬عقول‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭ ‬بالتحديد،‭ ‬ترى‭ ‬ماذا‭ ‬نحن‭ ‬فاعلون؟‭!‬

‭   ‬

Zkhunji@hotmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا