العدد : ١٦٩٢٥ - الخميس ٢٥ يوليو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤٦هـ

العدد : ١٦٩٢٥ - الخميس ٢٥ يوليو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٩ محرّم ١٤٤٦هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

ناس فوق وناس تحت؟ (2)

كانت‭ ‬زبدة‭ ‬مقالي‭ ‬ليوم‭ ‬امس‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬سلوكيات‭ ‬معينة‭ ‬لبعض‭ ‬ميسوري‭ ‬الحال‭ ‬ماديا،‭ ‬أي‭ ‬الناس‭ ‬اللي‭ ‬‮«‬فوق‮»‬،‭ ‬تستفز‭ ‬مشاعر‭ ‬ذوي‭ ‬العسرة‭ ‬المادية‭ ‬والذين‭ ‬يعتبرون‭ ‬اجتماعيا‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬اللي‭ ‬‮«‬تحت‮»‬،‭ ‬والتفاوت‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬المعيشة‭ ‬والرفاه‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬عابرا‭ ‬للقارات‭ ‬والحدود،‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬المعاصر‭ ‬هناك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ملياري‭ ‬شخص‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬لهم‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الهواتف‭ ‬ذكية‭ ‬كانت‭ ‬أو‭ ‬غبية،‭ ‬بينما‭ ‬عدد‭ ‬الهواتف‭ ‬النقالة‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ -‬مثلا‭- ‬ضعف‭ ‬عدد‭ ‬المواطنين،‭ ‬ولكن‭ ‬مواطني‭ ‬بابوا‭ ‬غينيا‭ ‬الجديدة‭ ‬وإفريقيا‭ ‬الوسطى‭ ‬لا‭ ‬يحقدون‭ ‬على‭ ‬البحرينيين،‭ ‬ولا‭ ‬يستفزهم‭ ‬أن‭ ‬البحرينيين‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬بحبوحة‭ ‬هاتفية،‭ ‬بل‭ ‬يستفزهم‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬بضع‭ ‬مئات‭ ‬من‭ ‬مواطني‭ ‬بلدانهم‭ ‬لديهم‭ ‬هواتف‭ ‬‮«‬الثريا‮»‬،‭ ‬العابرة‭ ‬للشبكات‭ ‬وتعمل‭ ‬في‭ ‬القطب‭ ‬الجنوبي‭ ‬وقمة‭ ‬جبل‭ ‬إيفرست‭.‬

أعني‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يستفز‭ ‬مواطني‭ ‬الدول‭ ‬الفقيرة‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬توزيع‭ ‬الثروة‭ ‬أن‭ ‬يركب‭ ‬غالبيتهم‭ ‬الدواب‭ ‬أو‭ ‬أرجلهم،‭ ‬بينما‭ ‬من‭ ‬حولهم‭ ‬بضعة‭ ‬أفراد‭ ‬يملكون‭ ‬يخوتاً‭ ‬أو‭ ‬طائرات‭ ‬خاصة‭ ‬ولو‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬المستخدم‭ ‬في‭ ‬رش‭ ‬الجراد‭ ‬بالمبيدات،‭ ‬ويمرون‭ ‬بمقالب‭ ‬قمامة‭ ‬أمام‭ ‬بعض‭ ‬البيوت‭ ‬ويجدون‭ ‬أهلها‭ ‬‮«‬المفترين‮»‬‭ ‬وقد‭ ‬ألقوا‭ ‬فيها‭ ‬بفواكه‭ ‬وأطعمة‭ ‬لا‭ ‬أثر‭ ‬للعفن‭ ‬فيها‭.‬

وسمعت‭ ‬كثيرا‭ ‬عبارات‭ ‬حسد‭ ‬للخليجيين‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬‮«‬أشقائهم‮»‬‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬يستكثرون‭ ‬على‭ ‬الخليجيين‭ ‬ثراء‭ ‬متوهماً‭! ‬نعم،‭ ‬فمن‭ ‬الشائع‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬خليجي‭ ‬‮«‬غني‮»‬،‭ ‬وأن‭ ‬معظم‭ ‬الخليجيين‭ ‬‮«‬سفهاء‭ ‬يلعبون‭ ‬بالمال‮»‬،‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬‮«‬ثراء‭ ‬الخليجيين‮»‬‭ ‬صحيحاً‭ ‬إذا‭ ‬قاس‭ ‬شخص‭ ‬عربي‭ ‬غير‭ ‬خليجي‭ ‬دخله‭ ‬الشهري‭ ‬بمتوسط‭ ‬دخل‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ (‬والمتوسط‭ ‬لا‭ ‬يميز‭ ‬بين‭ ‬سعيد‭ ‬وتعيس‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬توصل‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الاستنتاج‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬لقطات‭ ‬تلفزيونية‭ ‬لمدن‭ ‬خليجية‭: ‬آلاف‭ ‬مؤلفة‭ ‬من‭ ‬السيارات‭ ‬الفارهة‭.. ‬عمارات‭ ‬شاهقة‭.. ‬شوارع‭ ‬مسفلتة‭.. ‬ثم‭ ‬يقارن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬بما‭ ‬يراه‭ ‬في‭ ‬شوارع‭ ‬مدينته‭: ‬سيارات‭ ‬من‭ ‬مخلفات‭ ‬الحرب‭ ‬الصليبية‭ ‬الأولى،‭ ‬وإشارات‭ ‬مرور‭ ‬تعمل‭ ‬بالفحم‭ ‬الحجري‭ ‬وبناية‭ ‬من‭ ‬ثلاث‭ ‬طبقات‭ ‬يسميها‭ ‬صاحبها‭ ‬‮«‬عمارة‭ ‬إمباير‭ ‬ستيت‮»‬‭.‬

‭ ‬ولا‭ ‬يصدق‭ ‬مثل‭ ‬ذلك‭ ‬العربي‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬تلك‭ ‬السيارات‭ ‬الفارهة‭ ‬‮«‬مرهونة‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬سيعتبرك‭ ‬كاذباً‭ ‬محترفاً‭ ‬لو‭ ‬قلت‭ ‬له‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬أصدقائك‭ ‬الخليجيين‭ ‬يشترون‭ ‬السيارات‭ ‬بالتقسيط‭ ‬المريع‭ -‬وليس‭ ‬هناك‭ ‬تقسيط‭ ‬‮«‬مريح‮»‬‭- ‬ليبيعوها‭ ‬نقداً‭ ‬بما‭ ‬يعادل‭ ‬ثلثي‭ ‬سعرها‭ ‬الأصلي‭ ‬لتوفير‭ ‬السيولة‭ ‬النقدية‭ ‬لأمور‭ ‬طارئة‭ ‬وضرورية‭.‬

ذهبت‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭ ‬إلى‭ ‬فندق‭ ‬في‭ ‬الخرطوم‭ ‬لزيارة‭ ‬صديق‭ ‬قطري‭ ‬كان‭ ‬يقيم‭ ‬فيه‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الامتحانات‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬كان‭ ‬ينتسب‭ ‬إليها،‭ ‬وتقدم‭ ‬نحوي‭ ‬محيياً‭ ‬موظف‭ ‬في‭ ‬الفندق‭ ‬يبدو‭ ‬أنه‭ ‬عرفني‭ ‬لأنه‭ ‬رأى‭ ‬صورتي‭ ‬التي‭ ‬تنشر‭ ‬قرين‭ ‬مقالات‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬سودانية،‭ ‬ورحب‭ ‬بي‭ ‬ودعاني‭ ‬إلى‭ ‬تناول‭ ‬‮«‬شيء‮»‬‭ ‬في‭ ‬الكافتيريا،‭ ‬فشكرته‭ ‬وشرحت‭ ‬له‭ ‬أنني‭ ‬أتيت‭ ‬لزيارة‭ ‬صديقي‭ ‬القطري‭ ‬فلان‭ ‬الفلاني،‭ ‬وبعد‭ ‬تردد‭ ‬سألني‭ ‬موظف‭ ‬الفندق‭ ‬ذاك‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬‮«‬صاحبك‭ ‬ده‭ ‬فعلاً‭ ‬قطري؟‮»‬،‭ ‬فقلت‭ ‬له‭ ‬إنه‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬شخص‭ ‬قطري‭ ‬‮«‬فعلاً‮»‬،‭ ‬وآخر‭ ‬قطري‭ ‬‮«‬نظرياً‮»‬؛‭ ‬تطوع‭ ‬موظف‭ ‬الفندق‭ ‬بالشرح‭: ‬أخونا‭ ‬ده‭ ‬ما‭ ‬أكل‭ ‬وجبة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬الفندق،‭ ‬ويجي‭ ‬راجع‭ ‬شايل‭ ‬معاه‭ ‬سندويتشات‭ ‬فول‭ ‬وطعمية‭ ‬وشاورما‭! ‬كذا؟‭ ‬انتماؤه‭ ‬إلى‭ ‬قطر‭ ‬مشكوك‭ ‬فيه‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬المال‭ ‬الذي‭ ‬يجعله‭ ‬يأكل‭ ‬طبق‭ ‬بامية‭ ‬في‭ ‬الفندق‭ ‬بـ35‭ ‬دولارا‭ ‬لأنه‭ ‬يجد‭ ‬نفس‭ ‬الطبق‭ ‬بثلاثة‭ ‬دولارات‭ ‬في‭ ‬مطعم‭ ‬عادي؟‭.. ‬وتساءل‭: ‬لو‭ ‬القطري‭ ‬بيأكل‭ ‬فول‭ ‬وطعمية‭ ‬أمال‭ ‬نحن‭ ‬نأكل‭ ‬إيه؟‭ ‬قلت‭ ‬له‭: ‬لعلمك‭ ‬فإن‭ ‬أفضل‭ ‬مطاعم‭ ‬الفول‭ ‬والطعمية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬السعودية،‭ ‬وأعتقد‭ ‬أن‭ ‬صاحبنا‭ ‬شكّ‭ ‬في‭ ‬قواي‭ ‬العقلية‭.‬

نختم‭ ‬هذه‭ ‬السلسلة‭ ‬بحكاية‭ ‬الرجل‭ ‬الثري‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬مزهواً‭ ‬بسيارته‭ ‬البي‭ ‬إم‭ ‬دبليو‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تحرشت‭ ‬بها‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬سيارة‭ ‬كحيانة،‭ ‬وأطاحت‭ ‬بها‭ ‬خارج‭ ‬الشارع،‭ ‬وجاء‭ ‬شرطي‭ ‬المرور‭ ‬ووجد‭ ‬الثري‭ ‬يبكي‭ ‬على‭ ‬الضرر‭ ‬الذي‭ ‬لحق‭ ‬بسيارته‭ ‬فقال‭ ‬له‭: ‬يا‭ ‬سيدي‭ ‬أنت‭ ‬تبكي‭ ‬يدك‭ ‬اليسرى‭ ‬التي‭ ‬بترت‭ ‬ولا‭ ‬تبكي‭ ‬السيارة‭.. ‬هنا‭ ‬انفجر‭ ‬الثري‭ ‬مولولا‭: ‬يعني‭ ‬الساعة‭ ‬الرولكس‭ ‬كمان‭ ‬راحت‭ ‬فيها؟

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا