العدد : ١٦٨٩٤ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٨٩٤ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

قضايا و آراء

مراجعات في العام الثلاثين على خطيئة «اتفاق أوسلو»!

بقلم: د. مصطفى البرغوثي

الجمعة ١٥ سبتمبر ٢٠٢٣ - 02:00

بعد‭ ‬مرور‭ ‬ثلاثين‭ ‬عاما‭ ‬بالتمام‭ ‬والكمال‭ ‬على‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاق‭ ‬أوسلو،‭ ‬يحقّ‭ ‬لنا،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬نقيّم‭ ‬تلك‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬تركت‭ ‬آثاراً‭ ‬عميقة‭ ‬على‭ ‬الوضع‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬بل‭ ‬وأن‭ ‬نقيّم‭ ‬أيضاً‭ ‬المنطلقات‭ ‬والدوافع‭ ‬الفكرية‭ ‬والرؤى‭ ‬التي‭ ‬قادت‭ ‬إلى‭ ‬نهج‭ ‬أوسلو‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬مستمرا،‭ ‬مشكلا‭ ‬اليوم‭ ‬نقطة‭ ‬الخلاف‭ ‬الجوهرية‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬الفلسطينية‭. ‬ولعل‭ ‬أحد‭ ‬إشكالات‭ ‬الوضع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أن‭ ‬القوى‭ ‬الممارسة‭ ‬لنهج‭ ‬أوسلو‭ ‬تتجنّب‭ (‬أو‭ ‬ترفض‭) ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬نقاش‭ ‬فكري‭ ‬أو‭ ‬سياسي‭ ‬جدّي‭ ‬حول‭ ‬صوابية‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬أو‭ ‬سلامته،‭ ‬بل‭ ‬تكتفي‭ ‬بالاختباء‭ ‬خلف‭ ‬ذريعة‭ ‬واحدة،‭ ‬‮«‬الواقعية‮»‬‭ ‬في‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬وضع‭ ‬سياسي‭ ‬صعب‭ ‬ومعقّد‭.‬

كان‭ ‬اتفاق‭ ‬أوسلو‭ ‬فخّاً‭ ‬كبيراً‭ ‬نُصب‭ ‬ببراعة‭ ‬من‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬للقيادة‭ ‬الرسمية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬بغرض‭ ‬امتصاص‭ ‬نتائج‭ ‬الانتفاضة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬غيّرت‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬وأجبرت‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬مفاوضات‭ ‬مع‭ ‬الجانب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬لإحداث‭ ‬شرخ‭ ‬عميق‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وكسب‭ ‬الوقت‭ ‬لتكريس‭ ‬الاحتلال‭ ‬وتوسيع‭ ‬الاستيطان‭ ‬وبناء‭ ‬منظومة‭ ‬أبارتهايد‭ ‬عنصرية،‭ ‬غرضها‭ ‬تصفية‭ ‬حقوق‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬وانتزاع‭ ‬شرعية‭ ‬فلسطينية‭ ‬وعربية‭ ‬ودولية‭ ‬لمشروع‭ ‬الاستيطان‭ ‬الكولونيالي‭ ‬الصهيوني‭.‬

ارتكب‭ ‬الجانب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬سبعة‭ ‬أخطاء‭ ‬استراتيجية‭ ‬في‭ ‬مفاوضات‭ ‬واتفاق‭ ‬أوسلو‭:‬

أولا،‭ ‬توقيعه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬اشتراط‭ ‬وقف‭ ‬الاستيطان،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يصرّ‭ ‬الوفد‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الرسمي‭ ‬في‭ ‬واشنطن،‭ ‬والذي‭ ‬أديرت‭ ‬مفاوضات‭ ‬أوسلو‭ ‬السرّية‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬ظهره،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬علمه،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬استشارته‭. ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬الخطأ‭ ‬بمثابة‭ ‬الخطيئة‭ ‬الكبرى‭ ‬لذلك‭ ‬الاتفاق،‭ ‬والدليل‭ ‬القاطع‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬ارتفاع‭ ‬عدد‭ ‬المستوطنين‭ ‬المستعمرين‭ ‬من‭ ‬121‭ ‬ألفاً‭ ‬عندما‭ ‬وقع‭ ‬الاتفاق‭ ‬إلى‭ ‬750‭ ‬ألفاً‭ ‬اليوم،‭ ‬أصبح‭ ‬لديهم‭ ‬15‭ ‬عضواً‭ ‬في‭ ‬الكنيست‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬وأصبحوا‭ ‬يمثلون‭ ‬قوة‭ ‬سياسية‭ ‬فاشية‭ ‬لها‭ ‬دور‭ ‬حاسم‭ ‬في‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بقيادة‭ ‬الفاشيين‭ ‬سموتريتش‭ ‬وبن‭ ‬غفير‭.‬

ثانيا،‭ ‬انعدام‭ ‬التكافؤ‭ ‬بين‭ ‬الجانبين،‭ ‬حيث‭ ‬اعترفت‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بإسرائيل‭ ‬وحقها‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬مقابل‭ ‬مجرد‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالمنظمة‭ ‬ممثلاً‭ ‬للفلسطينيين،‭ ‬بل‭ ‬قَبِل‭ ‬الجانب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬بوسم‭ ‬نضاله‭ ‬الوطني‭ ‬ومقاومته‭ ‬المسلحة‭ ‬بالإرهاب،‭ ‬وتعهد‭ ‬بالتخلي‭ ‬عنها،‭ ‬وقبل‭ ‬الاعتراف‭ ‬بإسرائيل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تحديد‭ ‬حدودها،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬ضماناتٍ‭ ‬بحقّ‭ ‬العودة‭ ‬للاجئين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬الذين‭ ‬شرّدتهم‭ ‬من‭ ‬ديارهم‭ ‬عبر‭ ‬النكبة‭ ‬والمجازر‭ ‬الوحشية‭.‬

ثالثا،‭ ‬كان‭ ‬الاتفاق‭ ‬جزئياً‭ ‬انتقالياً‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تحديد‭ ‬النتيجة‭ ‬النهائية‭ ‬بإنهاء‭ ‬الاحتلال‭ ‬وقيام‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬مستقلة،‭ ‬بل‭ ‬تتضمّن‭ ‬قبولاً‭ ‬بجعل‭ ‬قضايا‭ ‬جوهرية،‭ ‬مثل‭ ‬اللاجئين‭ ‬وحق‭ ‬العودة،‭ ‬والقدس،‭ ‬والحدود،‭ ‬والاستيطان‭ ‬غير‭ ‬الشرعي،‭ ‬ومياه‭ ‬الأراضي‭ ‬المحتلة،‭ ‬قضايا‭ ‬متنازع‭ ‬عليها،‭ ‬وتحوّلت‭ ‬السنوات‭ ‬الست‭ ‬لإنهاء‭ ‬التفاوض‭ ‬إلى‭ ‬30‭ ‬عاماً،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬ضمنت‭ ‬إسرائيل‭ ‬أن‭ ‬أراضي‭ ‬48‭ ‬محسومة‭ ‬إسرائيلياً‭ ‬تدرّجت‭ ‬من‭ ‬اعتبار‭ ‬الأراضي‭ ‬المحتلة‭ ‬أراضي‭ ‬متنازعا‭ ‬عليها‭ ‬عند‭ ‬توقيع‭ ‬الاتفاق،‭ ‬إلى‭ ‬أراضٍ‭ ‬يهودية‭ ‬خاصة‭ ‬باليهود،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬أقرّت‭ ‬قانون‭ ‬الدولة‭ ‬اليهودية،‭ ‬الذي‭ ‬اعتبر‭ ‬حقّ‭ ‬تقرير‭ ‬المصير‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬فلسطين‭ ‬التاريخية‭ ‬بكاملها،‭ ‬والتي‭ ‬يسمّونها‭ ‬أرض‭ ‬إسرائيل،‭ ‬محصوراً‭ ‬باليهود‭ ‬فقط‭. ‬وقد‭ ‬تدرجت‭ ‬الحكومات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬من‭ ‬المماطلة‭ ‬بالمفاوضات‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬كما‭ ‬وعد‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الأسبق‭ ‬إسحق‭ ‬شامير،‭ ‬إلى‭ ‬وقفها‭ ‬بالكامل‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2014،‭ ‬والادّعاء‭ ‬بعدم‭ ‬وجود‭ ‬شريك‭ ‬فلسطيني‭. ‬وهكذا‭ ‬سلبت‭ ‬إسرائيل‭ ‬بالتوسع‭ ‬الاستيطاني‭ ‬الأرض،‭ ‬وسلبت‭ ‬بالعملية‭ ‬السياسية‭ ‬الشيء‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬منحته‭ ‬لقيادة‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬في‭ ‬اتفاقات‭ ‬أوسلو،‭ ‬وهو‭ ‬حقها‭ ‬في‭ ‬التفاوض‭ ‬باسم‭ ‬الفلسطينيين‭.‬

رابعا،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬الأخطاء‭ ‬القبول‭ ‬بتجزئة‭ ‬الأراضي‭ ‬المحتلة‭ ‬إلى‭ ‬تقسيمات‭ ‬‮«‬أ،‭ ‬ب،‭ ‬ج‮»‬،‭ ‬وأتاح‭ ‬ذلك‭ ‬لإسرائيل‭ ‬عزل‭ ‬62%‭ ‬من‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬تسمّى‭ ‬مناطق‭ ‬ج،‭ ‬وتخصيصها‭ ‬بالكامل‭ ‬للتوسّع‭ ‬الاستيطاني،‭ ‬وتجزئة‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬إلى‭ ‬224‭ ‬من‭ ‬الجيتوهات‭ ‬المعزولة‭ ‬بالحواجز،‭ ‬والمستوطنات‭ ‬والجدار،‭ ‬والطرق‭ ‬العنصرية‭ ‬المحرّمة‭ ‬على‭ ‬الفلسطينيين‭.‬

خامسا،‭ ‬القبول‭ ‬بعقيدة‭ ‬ومبدأ‭ ‬التنسيق‭ ‬الأمني‭ ‬مع‭ ‬سلطات‭ ‬الاحتلال،‭ ‬ما‭ ‬وضع‭ ‬السلطة‭ ‬والقيادة‭ ‬الرسمية‭ ‬في‭ ‬معضلة‭ ‬تناقض‭ ‬وصدام‭ ‬مع‭ ‬شعبها‭ ‬ومع‭ ‬قوى‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭.‬

سادسا،‭ ‬أحدث‭ ‬اتفاق‭ ‬أوسلو‭ ‬تجزئة‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬وشرخاً‭ ‬وانقساماً‭ ‬سياسياً‭ ‬عميقاً‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬الفلسطينية‭. ‬أصبح‭ ‬قاعدة‭ ‬لانقسامات‭ ‬عديدة‭ ‬أخرى،‭ ‬مثل‭ ‬الانقسام‭ ‬بين‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وقطاع‭ ‬غزة،‭ ‬وبين‭ ‬حركتي‭ ‬فتح‭ ‬وحماس،‭ ‬ولكن‭ ‬الأخطر‭ ‬كان‭ ‬إحداث‭ ‬شرخ‭ ‬عميق‭ ‬بين‭ ‬مكوّنات‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ (‬أراضي‭ ‬1948‭) ‬والخارج‭ ‬والأراضي‭ ‬المحتلة‭.‬

سابعا،‭ ‬فتح‭ ‬اتفاق‭ ‬أوسلو‭ ‬الباب‭ ‬على‭ ‬مصراعيه‭ ‬للتطبيع‭ ‬العربي‭ ‬والدولي‭ ‬مع‭ ‬كيان‭ ‬الاحتلال‭ ‬والتمييز‭ ‬العنصري‭.‬

من‭ ‬الناحية‭ ‬الفكرية،‭ ‬بُني‭ ‬نهج‭ (‬واتفاق‭) ‬أوسلو‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬أوهام‭: ‬الحل‭ ‬الوسط‭ ‬مع‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية،‭ ‬وحلّ‭ ‬الدولتين‭ ‬بديلا‭ ‬للهدف‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الأصلي‭ ‬بإقامة‭ ‬دولة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬واحدة‭ ‬على‭ ‬كامل‭ ‬فلسطين‭ ‬التاريخية،‭ ‬والدور‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬تلك‭ ‬الحلول‭. ‬وجميعها‭ ‬أوهام‭ ‬أثبتت‭ ‬ثلاثون‭ ‬عاماً‭ ‬عدم‭ ‬صحتها‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بوهم‭ ‬الحل‭ ‬الوسط‭ ‬مع‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬يبرّره‭ ‬كاجتهاد‭ ‬عندما‭ ‬وقع‭ ‬اتفاق‭ ‬أوسلو‭ ‬نتيجة‭ ‬الضغوط‭ ‬الدولية‭ ‬والظروف‭ ‬الصعبة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعيشها‭ ‬منظمة‭ ‬التحرير‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬فإن‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬التمسّك‭ ‬به‭ ‬والمراهنة‭ ‬على‭ ‬نهج‭ ‬المفاوضات،‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬السنوات،‭ ‬وبعد‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬فعلته‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬وحكّام‭ ‬إسرائيل‭ ‬حتى‭ ‬بأصحاب‭ ‬اتفاق‭ ‬أوسلو،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اغتيال‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬السابق‭ ‬إسحق‭ ‬رابين‭ ‬والشهيد‭ ‬ياسر‭ ‬عرفات،‭ ‬والادّعاء‭ ‬بعدم‭ ‬وجود‭ ‬شريك‭ ‬فلسطيني،‭ ‬يمثل‭ ‬خطيئة‭ ‬لا‭ ‬تُغتفر،‭ ‬ولا‭ ‬مبرّر‭ ‬لها‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭.‬

نفّذت‭ ‬إسرائيل،‭ ‬بمنهجية‭ ‬وعن‭ ‬سبق‭ ‬إصرار،‭ ‬ستّ‭ ‬عمليات‭ ‬بعد‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاق‭ ‬أوسلو‭:- ‬الفصل‭ ‬الكامل‭ ‬بين‭ ‬قطاع‭ ‬غزّة‭ ‬والضفة‭ ‬الغربية‭. ‬فصل‭ ‬القدس‭ ‬عن‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وباقي‭ ‬الأراضي‭ ‬المحتلة‭. ‬تعميق‭ ‬الاستيطان‭ ‬وتوسيعه،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬توقّف‭ ‬بهدف‭ ‬التهام‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وتهويدها‭ ‬وضمّها،‭ ‬وتحويلها‭ ‬من‭ ‬محيط‭ ‬فلسطيني‭ ‬فيه‭ ‬أجسام‭ ‬استيطانية‭ ‬غريبة،‭ ‬إلى‭ ‬محيط‭ ‬استيطاني‭ ‬إسرائيلي‭ ‬تُعزَل‭ ‬في‭ ‬إطاره‭ ‬المدن‭ ‬والقرى‭ ‬الفلسطينية‭ ‬كأجسام‭ ‬غريبة‭. ‬الحصار‭ ‬والخنق‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتحكّم‭ ‬المطلق‭ ‬بالأرض‭ ‬والمياه‭ ‬والحدود‭ ‬والثروات‭ ‬الطبيعية‭ ‬والمجال‭ ‬الجوي‭ ‬والكهرومغناطيسي‭. ‬الضغط‭ ‬المتواصل‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬لإجبارها‭ ‬على‭ ‬الانفصام‭ ‬عن‭ ‬حركة‭ ‬التحرر‭ ‬الوطني،‭ ‬واحتواء‭ ‬منظمّة‭ ‬التحرير‭ ‬فيها،‭ ‬واستخدام‭ ‬كل‭ ‬وسائل‭ ‬الضغط‭ ‬المحلية‭ ‬والدولية‭ ‬لتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬وكيل‭ ‬أمني‭ ‬للاحتلال‭. ‬تقطيع‭ ‬أوصال‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬جيتوهات‭ ‬معزولة،‭ ‬وتكريس‭ ‬نظام‭ ‬الأبارتهايد‭ ‬العنصري‭ ‬أداة‭ ‬للتعايش‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭ ‬الديمغرافي‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬إلغاءه،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬لا‭ ‬تتوقّف‭ ‬عن‭ ‬الأحلام‭ ‬بإنهائه‭ ‬عبر‭ ‬تطهير‭ ‬عرقي‭ ‬جديد‭ ‬ضد‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭.‬

نسفت‭ ‬هذه‭ ‬العمليات‭ ‬الست‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬من‭ ‬آفاق‭ ‬لقيام‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬مستقلّة،‭ ‬إذ‭ ‬استخدمت‭ ‬لقتل‭ ‬ما‭ ‬سمي‭ ‬‮«‬حلّ‭ ‬الدولتين‮»‬،‭ ‬على‭ ‬مرأى‭ ‬ومسمع‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭ ‬دولي‭ ‬منحاز‭ ‬لإسرائيل،‭ ‬يواصل‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬حلّ‭ ‬الدولتين‮»‬‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ممارسة‭ ‬أي‭ ‬ضغط‭ ‬فعلي‭ ‬لوقف‭ ‬الاستيطان‭ ‬الصهيوني‭ ‬الذي‭ ‬يدمّر‭ ‬ذلك‭ ‬الحل‭.‬

هل‭ ‬كان‭ ‬اتفاق‭ ‬أوسلو‭ ‬ناجحاً‭ ‬أم‭ ‬فاشلاً؟‭ ‬كان‭ ‬فاشلاً‭ ‬ومُحبطاً‭ ‬للجانب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬ونجاحاً‭ ‬عبقرياً‭ ‬للحركة‭ ‬الصهيونية،‭ ‬لأنه‭ ‬سمح‭ ‬لها‭ ‬بمواصلة‭ ‬الاحتلال‭ ‬وتكريس‭ ‬منظومة‭ ‬الأبارتهايد‭ ‬بلا‭ ‬تكاليف،‭ ‬بل‭ ‬بأرباح،‭ ‬جديدها‭ ‬أخيرا‭ ‬التطبيع‭ ‬مع‭ ‬المحيط‭ ‬العربي‭.‬

ولا‭ ‬يستطيع‭ ‬أحد‭ ‬إنكار‭ ‬أن‭ ‬أصواتاً‭ ‬فلسطينية‭ ‬عاقلة،‭ ‬ووطنية‭ ‬حكيمة،‭ ‬وقوى‭ ‬فلسطينية،‭ ‬حذّرت‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الاتفاق‭ ‬عند‭ ‬توقيعه،‭ ‬وحذرت‭ ‬من‭ ‬مواصلة‭ ‬السير‭ ‬فيه،‭ ‬ومن‭ ‬أبرزها‭ ‬أصوات‭ ‬حيدر‭ ‬عبد‭ ‬الشافي‭ ‬وإدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬وكثيرين‭ ‬آخرين‭.‬

كما‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أحد‭ ‬إنكار‭ ‬أن‭ ‬الغالبية‭ ‬الساحقة‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وبناته‭ ‬يعارضون‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬اتفاق‭ ‬أوسلو،‭ ‬بل‭ ‬ونهج‭ ‬أوسلو‭ ‬المتواصل،‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬أُخذوا‭ ‬بأوهام‭ ‬السلام‭ ‬المنتظر،‭ ‬ثم‭ ‬استيقظوا‭ ‬على‭ ‬آلام‭ ‬الواقع‭ ‬المرير‭. ‬وأول‭ ‬معارضي‭ ‬ذلك‭ ‬النهج‭ ‬جيل‭ ‬الشباب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الذي‭ ‬ولد‭ ‬بعد‭ ‬توقيع‭ ‬الاتفاق،‭ ‬ويتصدّر‭ ‬اليوم‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الباسلة‭ ‬لظلم‭ ‬الاحتلال‭ ‬ووحشية‭ ‬التمييز‭ ‬العنصري‭.‬

لا‭ ‬نستطيع‭ ‬اليوم‭ ‬إعادة‭ ‬عجلة‭ ‬التاريخ‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬وإلغاء‭ ‬خطيئة‭ ‬أوسلو،‭ ‬وإنْ‭ ‬نتمنّى‭ ‬هذا،‭ ‬ولكننا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نطالب‭ ‬بالتحلّل‭ ‬منها،‭ ‬ووقف‭ ‬النهج‭ ‬الذي‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الخطيئة،‭ ‬واستبداله‭ ‬باستراتيجية‭ ‬وطنية‭ ‬فلسطينية‭ ‬كفاحية‭ ‬مقاومة،‭ ‬تعيد‭ ‬توحيد‭ ‬طاقات‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬ومكوّناته،‭ ‬وتعيد‭ ‬صياغة‭ ‬برنامجه‭ ‬الوطني‭ ‬ورؤيته‭ ‬لتشمل‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬إنهاء‭ ‬الاحتلال‭ ‬وعودة‭ ‬جميع‭ ‬اللاجئين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬الذين‭ ‬هُمّشت‭ ‬قضيتهم،‭ ‬بل‭ ‬وإسقاط‭ ‬كل‭ ‬منظومة‭ ‬الأبارتهايد‭ ‬العنصرية‭ ‬ومجمل‭ ‬المشروع‭ ‬الاستعماري‭ ‬الاستيطاني‭ (‬الكولونيالي‭) ‬في‭ ‬كامل‭ ‬فلسطين‭ ‬التاريخية،‭ ‬والتراجع‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬التنازلات‭ ‬المجّانية‭ ‬التي‭ ‬قدّمت‭ ‬للحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬مقابل‭ ‬لا‭ ‬شيء،‭ ‬سوى‭ ‬إشباع‭ ‬مصالح‭ ‬أقلية‭ ‬صغيرة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬شعبها‭ ‬وتلبية‭ ‬احتياجات‭ ‬بيروقراطية‭ ‬لمؤسّساتٍ‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬غربة‭ ‬عنه،‭ ‬وتوجيه‭ ‬رسالة‭ ‬واحدة‭ ‬واضحة‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬بأسره‭ ‬أن‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬لن‭ ‬يقبلوا‭ ‬ذلّ‭ ‬الاستعباد‭ ‬للاحتلال‭ ‬ونظام‭ ‬التمييز‭ ‬العنصري،‭ ‬وأن‭ ‬البديل‭ ‬الوحيد‭ ‬لواقع‭ ‬دولة‭ ‬الأبارتهايد‭ ‬الواحدة‭ ‬هو‭ ‬الدولة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الواحدة‭ ‬التي‭ ‬يحقق‭ ‬فيها‭ ‬شعب‭ ‬فلسطين‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬الحرّية‭ ‬الكاملة‭ ‬والكرامة‭ ‬وتقرير‭ ‬المصير‭.‬

 

{‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للمبادرة‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا