العدد : ١٦٨٨٨ - الثلاثاء ١٨ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٢ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٨٨٨ - الثلاثاء ١٨ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٢ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

قضايا و آراء

إلى أين تتجه الحرب الروسية الأوكرانية في عامها الثاني؟

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ٢١ مارس ٢٠٢٣ - 02:00

دخلت‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬المدمرة‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬عامها‭ ‬الثاني،‭ ‬مع‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬نهاية‭ ‬في‭ ‬الأفق‭.  ‬يجب‭ ‬طرح‭ ‬أسئلة‭ ‬جادة‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬المضي‭ ‬قدمًا‭. ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭ ‬الأول،‭ ‬تروي‭ ‬الحصيلة‭ ‬دموية‭ ‬القصة،‭ ‬حيث‭ ‬تقدر‭ ‬مصادر‭ ‬حكومية‭ ‬أمريكية‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬130‭ ‬ألف‭ ‬جندي‭ ‬أوكراني‭ ‬قتلوا‭ ‬أو‭ ‬أصيبوا‭ ‬بجروح‭ ‬بالغة‭.‬

وبالمقابل،‭ ‬تتراوح‭ ‬تقديرات‭ ‬الخسائر‭ ‬العسكرية‭ ‬الروسية‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬150‭.‬000‭ ‬و‭ ‬200‭.‬000،‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬60‭.‬000‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭ ‬الإجمالي‭ ‬من‭ ‬القتلى‭ - ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬عدد‭ ‬الجنود‭ ‬الروس‭ ‬الذين‭ ‬قتلوا‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬والشيشان‭ ‬مجتمعين‭.‬

كان‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الشعب‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الأوكرانيين‭ ‬أكثر‭ ‬وقعا،‭ ‬حيث‭ ‬انخفض‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬الأوكراني‭ ‬بمقدار‭ ‬الثلث،‭ ‬كما‭ ‬أنهم‭ ‬فقدوا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬40%‭ ‬من‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬توليد‭ ‬الطاقة‭ ‬الكهربائية‭.‬

كذلك‭ ‬اضطر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬8‭.‬5‭ ‬ملايين‭ ‬أوكراني‭ ‬إلى‭ ‬الفرار‭ ‬من‭ ‬بلادهم‭ ‬إلى‭ ‬الغرب،‭ ‬مع‭ ‬نزوح‭ ‬عدد‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الأوكرانيين‭ ‬داخليًا‭ ‬نتيجة‭ ‬الدمار‭ ‬الواسع‭ ‬النطاق‭ ‬الذي‭ ‬لحق‭ ‬بالمنازل‭ ‬والبنى‭ ‬التحتية‭. ‬نتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬أصبحت‭ ‬أوكرانيا‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الغرب‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الأسلحة،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬الإعانات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لتأمين‭ ‬الحاجات‭ ‬الأساسية‭. ‬

وبما‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬الحدود‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬فقد‭ ‬نجا‭ ‬الروس‭ ‬من‭ ‬الموت‭ ‬والدمار‭ ‬الذي‭ ‬ألحقوه‭ ‬بجيرانهم‭. ‬كان‭ ‬للعقوبات‭ ‬التي‭ ‬فرضها‭ ‬الغرب‭ ‬تأثير،‭ ‬لكن‭ ‬حكومة‭ ‬الرئيس‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬لدعم‭ ‬اقتصادها‭ ‬ووجدت‭ ‬طرقًا‭ ‬للالتفاف‭ ‬على‭ ‬العقوبات‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬مربح‭ ‬من‭ ‬الصادرات‭ ‬والواردات،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬متناقصًا‭.‬

ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬درجة‭ ‬انكماش‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الروسي‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬متوقعًا‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬يتوقع‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الروسي‭ ‬بعض‭ ‬النمو‭ ‬الطفيف‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2023‭. ‬وبدلاً‭ ‬من‭ ‬تعبئة‭ ‬العالم‭ ‬ضد‭ ‬العدوان‭ ‬الروسي،‭ ‬زادت‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬الانقسام‭ ‬القائم‭ ‬مسبقًا‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬والشمال‭ ‬والجنوب‭.‬

يجب‭ ‬ملاحظة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التطورات‭ ‬المهمة‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الدولية،‭ ‬لكن‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬قد‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسميه‭ ‬صراعًا‭ ‬وجوديًا‭ ‬لجميع‭ ‬الأطراف،‭ ‬حيث‭ ‬أظهرت‭ ‬القومية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬أنها‭ ‬أقوى‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬متوقعًا‭.‬

بدافع‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬القومي،‭ ‬وبتشجيع‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬العسكري‭ ‬والسياسي‭ ‬الغربي،‭ ‬يتعهد‭ ‬القادة‭ ‬الأوكرانيون‭ ‬الآن‭ ‬بمواصلة‭ ‬القتال‭ ‬حتى‭ ‬يتم‭ ‬إخراج‭ ‬القوات‭ ‬الروسية‭ ‬من‭ ‬‮«‬كل‭ ‬بوصة‭ ‬مربعة‮»‬‭ ‬من‭ ‬أراضيهم‭. ‬توقعت‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬وجهة‭ ‬النظر‭ ‬القائلة‭ ‬إن‭ ‬أوكرانيا‭ ‬بلد‭ ‬مصطنع‭ ‬وسعت‭ ‬إلى‭ ‬إسقاط‭ ‬قيادتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هجوم‭ ‬مدمر‭ ‬شعاره‭ ‬‮«‬الصدمة‭ ‬والرعب‮»‬‭.‬

عندما‭ ‬أصبح‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬بعيد‭ ‬المنال،‭ ‬استقر‭ ‬رأي‭ ‬الروس‭ ‬على‭ ‬تأكيد‭ ‬حقهم‭ ‬في‭ ‬ضم‭ ‬الأراضي‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬الشرقي‭ ‬من‭ ‬أوكرانيا‭ ‬والذي‭ ‬يتحدث‭ ‬سكانه‭ ‬اللغة‭ ‬الروسية‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭.‬

بعد‭ ‬أن‭ ‬اضطر‭ ‬الروس‭ ‬إلى‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬السيطرة‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬احتلوها‭ ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬أصبحوا‭ ‬الآن‭ ‬يتراجعون‭ ‬في‭ ‬قتال‭ ‬مميت‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬جبهات،‭ ‬مع‭ ‬استعار‭ ‬المعارك‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭. ‬

أما‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وحلفاؤها‭ ‬الغربيون‭ ‬فقد‭ ‬حفروا‭ ‬لأنفسهم‭ ‬حفرة‭ ‬خطابية‭ ‬دعائية‭. ‬ففي‭ ‬وقت‭ ‬مبكر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النزاع‭ ‬العسكري،‭ ‬بدا‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬جو‭ ‬بايدن‭ ‬وكأنه‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬ونستون‭ ‬تشرشل‭ ‬ورونالد‭ ‬ريجان،‭ ‬حيث‭ ‬حشد‭ ‬الرأي‭ ‬الأمريكي‭ ‬والأوروبي‭ ‬الغربي‭ ‬للانضمام‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المعركة‭ ‬لإنقاذ‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والتحرر‭ ‬من‭ ‬العدوان‭ ‬الاستبدادي‭ ‬وطمأن‭ ‬الجميع‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬أن‭ ‬النصر‭ ‬سيتحقق‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬خيار‭ ‬سوى‭ ‬تحقيق‭ ‬النصر‭. ‬

الآن‭ ‬وبعد‭ ‬مرور‭ ‬عام‭ ‬على‭ ‬اندلاع‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬العسكرية‭ ‬المدمرة،‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬النصر‭ ‬الذي‭ ‬تحدث‭ ‬عنه‭ ‬بايدن‭ ‬في‭ ‬المعركة،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬الدلائل‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬استمرارها‭. ‬فيما‭ ‬تقوم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفاؤها‭ ‬بإرسال‭ ‬أسلحة‭ ‬جديدة‭ ‬أكثر‭ ‬فتكًا‭ ‬إلى‭ ‬أوكرانيا‭. ‬

وهكذا،‭ ‬فإن‭ ‬الأوكرانيين‭ ‬يستعدون‭ ‬لشن‭ ‬هجوم‭ ‬جديد‭. ‬ويتمسك‭ ‬الروس‭ ‬بأسلوبهم‭ ‬الخاص،‭ ‬وهم‭ ‬مصممون‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬الحرب‭.‬

وبطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬فإن‭ ‬المشكلة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الأسلحة‭ ‬والمزيد‭ ‬من‭ ‬الخسائر‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬المعركة‭ ‬لن‭ ‬ينهي‭ ‬هذه‭ ‬الحرب،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬تعتقد‭ ‬أنه‭ ‬بإمكانها‭ ‬الانتصار،‭ ‬بل‭ ‬ويجب‭ ‬عليها‭ ‬ذلك‭. ‬وبالتالي،‭ ‬يمكننا‭ ‬توقع‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الموت‭ ‬والدمار‭ ‬والآلام‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬الثاني‭.‬

{ رئيس‭ ‬المعهد‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا