لا تزال متلازمة فيتنام تطارد العقلية العسكرية وصانع القرار في البيت الأبيض، وكثيراً ما يستحضر الساسة الأمريكيون في كل حرب إخفاقهم ومأساتهم في فيتنام، حتى صرّح هنري كيسنجر «إن حرب العراق أحيت ذكريات حرب فيتنام». وربما نشهد مستقبلا كتباً وأبحاثاً متخصصة، تكشف تشابه التحديات وتقارب المواقف السياسية والقرارات العسكرية ذاتها في حربي فيتنام وإيران، ومذكرات لوقائع وأحداث لساسة في البيت الأبيض والبنتاغون، يقرّون بخيبة توقعاتهم وأخطائهم في إدارة الملف الإيراني، ابتداءً من الهجوم إلى الهدنة، إلى الاتفاق الذي لم يصمد وخفايا سير المفاوضات والاستجداء والممانعة، ودواعي الرسالة التي بعثها نائب الرئيس الأمريكي بشأن استئناف المفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران، إلى فعّالية التهديد بحملة عسكرية شرسة تقودها «أم القنابل»، وصولاً إلى التصريحات بالسيطرة على المضيق، والفشل في شلّ الوجود الإيراني على ضفاف هرمز وتأمين انسيابية الملاحة، ما تسبب بأزمة اقتصادية طالت العالم وهو قرار عسكري أمريكي أراد محاكاة ما حدث في الحرب الفيتنامية من حصار للموانئ استمر 300 يوم عام 1972في عملية Pocket Money كما أطلق عليها الجيش الامريكي آنذاك، لإجبار العدو في هانوي على العودة إلى طاولة المفاوضات.
وكما خابت توقعات الإدارة الأمريكية عام 1965، بإسقاط نظام فيتنام الشمالية مع أول هجوم عنيف بالقنابل العنقودية تقوده أسراب الطائرات الأمريكية في عملية «الرعد المتدحرج»، يعود المشهد في الخليج مشابهاً لسابقه في التوقعات بسقوط النظام الإيراني، وقد نُشر لاحقا أن القرار الأمريكي لهجوم 1965، افتقر الى معلومات دقيقة، كما ذكر جون ماكون رئيس الاستخبارات الأمريكية في عهد الرئيس جونسون في تقرير قدّمه للرئيس «أعتقد أن البيانات الاستخباراتية التي على أساسها قدّرنا منحى الحرب كانت خاطئة كلياً».
وفي موجة عنف لهجوم جوي آخر على الأراضي الفيتنامية الشمالية، بعث البيت الأبيض ببرقية مستعجلة بعد أربعة أيام من الهجوم يطلب تقييماً من وكالة الاستخبارات المركزية للوضع في هانوي بعد القصف العنيف، وجاء التقرير من كبير محللي CIA وأكثرهم خبرة جورج ألين «أن العدو لن تردعه القنابل وهو يزداد قوة وإرادته لن تنكسر»، «لكن السفير ماكسويل تايلور راجع التقرير سطراً سطراً شاطباً كل مقطع تشاؤمي، ثم أرسله للرئيس جونسون، فعلم رجال الاستخبارات بان الأخبار السيئة غير مرحب بها»، ولم يعلم السفير تايلور بتصرفه هذا أنه قد أطال الحرب لـ10 سنوات أخرى.
مواقف سياسية وقرارات عسكرية بُنيت على أساس الهيمنة والهيبة الأمريكية دفع ثمنها الجنود والرئيس نفسه، فجونسون الذي دخل البيت الأبيض وفاز بأكثر عدد أصوات لم ينلها رئيس قبله وبشعبية لا نظير لها، خرج تحاصره المظاهرات حول البيت الأبيض مطالبة باستقالته وإنهاء الحرب وقضت على شعبيته ومستقبله السياسي، جراء ثقته بوزير دفاعه روبرت ماكنمارا الذي طالبه بإرسال مزيد من الجنود لحسم الحرب ثم عزله من منصبه وقال عنه «إنه مختل عقلياً» لِتغيّر موقف وزير الدفاع ماكنمارا ومطالبته لجونسون بالانسحاب، واقتناعه بعدم خروج أمريكا منتصرة . ولمّا انتقل الملف إلى هنري كيسنجر في عهد الرئيس نيكسون، كان من أهم دواعي قراراته لوقف الحرب ألا تمس الهيبة الأمريكية في مقتل، وأن يكون الانسحاب تدريجيا بلا إذلال.
وقبل أيام، أقال وزير الحرب الأمريكي بيت هغست، أكبر مسؤول للتخطيط العسكري في الجيش الامريكي وهو الجنرال بريت سيلفا، مدير إدارة الاستراتيجية والخطط والسياسات في هيئة الأركان المشتركة، وهو قرار يحمل مضامين عدة للجنرالات داخل البنتاغون، ربما في طيات القرار بداية مراجعة للسياسات والخطط الاستراتيجية، وينبئ عن اختلاف في الرؤى داخل المؤسسة العسكرية، واستياء الرئيس الامريكي دونالد ترامب، وهل ستتبعها سلسلة إقالات في الجيش الامريكي، تمهيدا لرسم سياسة واضحة، وتحقيق هدف يحفظ للهيبة الأمريكية مكانتها؟ إذا ما تعثرت المفاوضات؟
ومع وجود حليف استراتيجي ظلّ الطريق وغاب عنه الدليل، تكمن الأهمية في تأسيس جيش خليجي موحّد يفرض معادلته في المنطقة، ويُعيد أمجاد معارك ذي قار والقادسية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك