العدد : ١٧٧٥٥ - الاثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٥٥ - الاثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقالات

مركز معلومات المخاطر المصرفية.. تجربة جنوب إفريقيا

بقلم: عدنان أحمد يوسف

الاثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬ظل‭ ‬التطورات‭ ‬المتسارعة‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬الصناعة‭ ‬المصرفية‭ ‬العالمية،‭ ‬والتوسع‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الخدمات‭ ‬المالية‭ ‬الرقمية،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المخاطر‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬البنوك‭ ‬مقتصرة‭ ‬على‭ ‬المخاطر‭ ‬الائتمانية‭ ‬والسيولة‭ ‬وتقلبات‭ ‬الأسواق،‭ ‬بل‭ ‬برزت‭ ‬تحديات‭ ‬جديدة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬الجرائم‭ ‬المالية‭ ‬والاحتيال‭ ‬الإلكتروني‭ ‬والهجمات‭ ‬السيبرانية،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬وتنظيماً‭ ‬وعابرة‭ ‬للحدود‭ ‬والمؤسسات‭. ‬وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬التجارب‭ ‬أن‭ ‬قدرة‭ ‬أي‭ ‬بنك،‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬إمكاناته‭ ‬التقنية‭ ‬والبشرية‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬المخاطر‭ ‬بصورة‭ ‬منفردة‭ ‬تظل‭ ‬محدودة،‭ ‬مما‭ ‬يستدعي‭ ‬تطوير‭ ‬آليات‭ ‬جماعية‭ ‬للتعاون‭ ‬وتبادل‭ ‬المعلومات‭ ‬والإنذار‭ ‬المبكر‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تستحق‭ ‬تجربة‭ ‬جنوب‭ ‬إفريقيا‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬مركز‭ ‬معلومات‭ ‬المخاطر‭ ‬المصرفية‭ (‬SABRIC‭) ‬اهتماماً‭ ‬خاصاً،‭ ‬باعتبارها‭ ‬نموذجاً‭ ‬مؤسسياً‭ ‬للتعاون‭ ‬بين‭ ‬البنوك‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي‭ ‬وعملائه‭ ‬من‭ ‬الجرائم‭ ‬المالية‭. ‬فقد‭ ‬تأسس‭ ‬المركز‭ ‬عام‭ ‬2002‭ ‬بمبادرة‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬البنوك‭ ‬الكبرى،‭ ‬واتخذ‭ ‬شكل‭ ‬مؤسسة‭ ‬مستقلة‭ ‬غير‭ ‬ربحية،‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تجميع‭ ‬وتحليل‭ ‬المعلومات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالجرائم‭ ‬المصرفية،‭ ‬وتطوير‭ ‬آليات‭ ‬مشتركة‭ ‬للوقاية‭ ‬منها،‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬والجهات‭ ‬الأمنية‭ ‬والتنظيمية‭.‬

وتكمن‭ ‬الأهمية‭ ‬الأساسية‭ ‬لهذا‭ ‬المركز‭ ‬في‭ ‬انتقاله‭ ‬بمفهوم‭ ‬الحماية‭ ‬المصرفية‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬الفردية‭ ‬لكل‭ ‬بنك‭ ‬إلى‭ ‬المسؤولية‭ ‬الجماعية‭ ‬للقطاع‭ ‬المصرفي‭ ‬بأكمله‭. ‬فالجرائم‭ ‬المالية‭ ‬الحديثة‭ ‬لا‭ ‬تستهدف‭ ‬بالضرورة‭ ‬بنكاً‭ ‬واحداً،‭ ‬وإنما‭ ‬تعتمد‭ ‬غالباً‭ ‬على‭ ‬أساليب‭ ‬متشابهة‭ ‬وشبكات‭ ‬منظمة‭ ‬تستغل‭ ‬الثغرات‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مؤسسة‭ ‬مالية‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬تبادل‭ ‬المعلومات‭ ‬وتحليلها‭ ‬بصورة‭ ‬مركزية‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬اكتشاف‭ ‬الأنماط‭ ‬الإجرامية‭ ‬مبكراً،‭ ‬وتوجيه‭ ‬التحذيرات‭ ‬إلى‭ ‬البنوك‭ ‬قبل‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬الخسائر‭.‬

ويضطلع‭ ‬المركز‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬المهام‭ ‬الحيوية،‭ ‬أبرزها‭ ‬إنشاء‭ ‬قواعد‭ ‬معلومات‭ ‬مشتركة‭ ‬عن‭ ‬الجرائم‭ ‬والاحتيال‭ ‬المصرفي،‭ ‬ورصد‭ ‬الأساليب‭ ‬المستحدثة‭ ‬للاختراق‭ ‬والاحتيال‭ ‬الإلكتروني،‭ ‬وإعداد‭ ‬الدراسات‭ ‬والإحصاءات‭ ‬والتقارير‭ ‬التحليلية،‭ ‬وإصدار‭ ‬التنبيهات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالمخاطر‭ ‬الناشئة‭. ‬كما‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬البنوك‭ ‬وأجهزة‭ ‬إنفاذ‭ ‬القانون،‭ ‬وتطوير‭ ‬قدرات‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬مكافحة‭ ‬الجرائم‭ ‬المالية،‭ ‬وتنفيذ‭ ‬برامج‭ ‬التوعية‭ ‬لحماية‭ ‬العملاء‭ ‬من‭ ‬الاحتيال‭.‬

ومن‭ ‬الجوانب‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬أن‭ ‬المركز‭ ‬لا‭ ‬يحل‭ ‬محل‭ ‬السلطات‭ ‬الرقابية‭ ‬أو‭ ‬الأمنية،‭ ‬ولا‭ ‬يمتلك‭ ‬صلاحيات‭ ‬التحقيق‭ ‬الجنائي‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬العقوبات،‭ ‬وإنما‭ ‬يؤدي‭ ‬دوراً‭ ‬متخصصاً‭ ‬في‭ ‬جمع‭ ‬المعلومات‭ ‬وتحليلها‭ ‬وتنسيق‭ ‬الجهود،‭ ‬مع‭ ‬احتفاظ‭ ‬كل‭ ‬جهة‭ ‬بصلاحياتها‭ ‬القانونية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬طبيعته‭ ‬غير‭ ‬الربحية‭ ‬تسمح‭ ‬بتركيز‭ ‬موارده‭ ‬على‭ ‬خدمة‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬للقطاع‭ ‬المصرفي،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬عوائد‭ ‬تجارية‭ ‬للمساهمين‭.‬

وتبرز‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حجم‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا،‭ ‬حيث‭ ‬أظهرت‭ ‬تقارير‭ ‬المركز‭ ‬أن‭ ‬خسائر‭ ‬الاحتيال‭ ‬المصرفي‭ ‬الرقمي‭ ‬بلغت‭ ‬نحو‭ ‬2‭.‬4‭ ‬مليار‭ ‬راند‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬مقارنة‭ ‬بنحو‭ ‬1‭.‬9‭ ‬مليار‭ ‬راند‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬السابق‭. ‬وتعكس‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬حجم‭ ‬التهديدات‭ ‬المتنامية،‭ ‬والحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬قدرات‭ ‬الرصد‭ ‬والتحليل‭ ‬والتنسيق‭ ‬المؤسسي‭.‬

وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬فإن‭ ‬التوسع‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الخدمات‭ ‬المصرفية‭ ‬الرقمية‭ ‬والمدفوعات‭ ‬الفورية‭ ‬والتطبيقات‭ ‬المالية‭ ‬يفرض‭ ‬تحديات‭ ‬أمنية‭ ‬متزايدة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬تطور‭ ‬أساليب‭ ‬الاحتيال‭ ‬باستخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والهندسة‭ ‬الاجتماعية‭. ‬ورغم‭ ‬الجهود‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬تبذلها‭ ‬المصارف‭ ‬المركزية‭ ‬والبنوك‭ ‬والأجهزة‭ ‬الأمنية،‭ ‬فإن‭ ‬الطبيعة‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬لهذه‭ ‬الجرائم‭ ‬تجعل‭ ‬التعاون‭ ‬وتبادل‭ ‬المعلومات‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬الوطني‭ ‬والخليجي‭ ‬ضرورة‭ ‬متزايدة‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإننا‭ ‬ندعو‭ ‬إلى‭ ‬دراسة‭ ‬تجربة‭ ‬مركز‭ ‬معلومات‭ ‬المخاطر‭ ‬المصرفية‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭ ‬بصورة‭ ‬معمقة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬إطاره‭ ‬القانوني،‭ ‬ونظام‭ ‬عضويته‭ ‬وتمويله،‭ ‬وآليات‭ ‬تبادل‭ ‬المعلومات،‭ ‬وصلاحياته‭ ‬ونظام‭ ‬حوكمته،‭ ‬ومدى‭ ‬فاعليته‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬الجرائم‭ ‬المالية‭.‬ونرى‭ ‬أن‭ ‬البحرين،‭ ‬بما‭ ‬تمتلكه‭ ‬من‭ ‬قطاع‭ ‬مصرفي‭ ‬عريق‭ ‬وبنية‭ ‬متطورة‭ ‬للخدمات‭ ‬المالية،‭ ‬مؤهلة‭ ‬لدراسة‭ ‬إمكانية‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النموذج،‭ ‬بالتعاون‭ ‬بين‭ ‬البنوك‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المعنية،‭ ‬مع‭ ‬البناء‭ ‬على‭ ‬الآليات‭ ‬القائمة‭. ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬بحث‭ ‬تطوير‭ ‬إطار‭ ‬خليجي‭ ‬مشترك‭ ‬لتبادل‭ ‬معلومات‭ ‬المخاطر‭ ‬المصرفية‭ ‬والإنذار‭ ‬المبكر،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬أمن‭ ‬المعاملات‭ ‬المالية‭ ‬ويحمي‭ ‬أموال‭ ‬العملاء‭ ‬ويرسخ‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المصرفي‭ ‬الخليجي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا