في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها الصناعة المصرفية العالمية، والتوسع الكبير في الخدمات المالية الرقمية، لم تعد المخاطر التي تواجه البنوك مقتصرة على المخاطر الائتمانية والسيولة وتقلبات الأسواق، بل برزت تحديات جديدة تتمثل في الجرائم المالية والاحتيال الإلكتروني والهجمات السيبرانية، التي أصبحت أكثر تعقيداً وتنظيماً وعابرة للحدود والمؤسسات. وقد أثبتت التجارب أن قدرة أي بنك، مهما بلغت إمكاناته التقنية والبشرية على مواجهة هذه المخاطر بصورة منفردة تظل محدودة، مما يستدعي تطوير آليات جماعية للتعاون وتبادل المعلومات والإنذار المبكر.
وفي هذا السياق، تستحق تجربة جنوب إفريقيا في تأسيس مركز معلومات المخاطر المصرفية (SABRIC) اهتماماً خاصاً، باعتبارها نموذجاً مؤسسياً للتعاون بين البنوك في حماية القطاع المصرفي وعملائه من الجرائم المالية. فقد تأسس المركز عام 2002 بمبادرة من مجموعة من البنوك الكبرى، واتخذ شكل مؤسسة مستقلة غير ربحية، تعمل على تجميع وتحليل المعلومات المتعلقة بالجرائم المصرفية، وتطوير آليات مشتركة للوقاية منها، بالتعاون مع المؤسسات المالية والجهات الأمنية والتنظيمية.
وتكمن الأهمية الأساسية لهذا المركز في انتقاله بمفهوم الحماية المصرفية من المسؤولية الفردية لكل بنك إلى المسؤولية الجماعية للقطاع المصرفي بأكمله. فالجرائم المالية الحديثة لا تستهدف بالضرورة بنكاً واحداً، وإنما تعتمد غالباً على أساليب متشابهة وشبكات منظمة تستغل الثغرات في أكثر من مؤسسة مالية. ومن هنا، فإن تبادل المعلومات وتحليلها بصورة مركزية يساعد على اكتشاف الأنماط الإجرامية مبكراً، وتوجيه التحذيرات إلى البنوك قبل اتساع نطاق الخسائر.
ويضطلع المركز بعدد من المهام الحيوية، أبرزها إنشاء قواعد معلومات مشتركة عن الجرائم والاحتيال المصرفي، ورصد الأساليب المستحدثة للاختراق والاحتيال الإلكتروني، وإعداد الدراسات والإحصاءات والتقارير التحليلية، وإصدار التنبيهات المتعلقة بالمخاطر الناشئة. كما يعمل على تعزيز التنسيق بين البنوك وأجهزة إنفاذ القانون، وتطوير قدرات العاملين في مكافحة الجرائم المالية، وتنفيذ برامج التوعية لحماية العملاء من الاحتيال.
ومن الجوانب المهمة في التجربة أن المركز لا يحل محل السلطات الرقابية أو الأمنية، ولا يمتلك صلاحيات التحقيق الجنائي أو فرض العقوبات، وإنما يؤدي دوراً متخصصاً في جمع المعلومات وتحليلها وتنسيق الجهود، مع احتفاظ كل جهة بصلاحياتها القانونية. كما أن طبيعته غير الربحية تسمح بتركيز موارده على خدمة المصالح المشتركة للقطاع المصرفي، بدلاً من تحقيق عوائد تجارية للمساهمين.
وتبرز أهمية هذه التجربة أيضاً من خلال حجم التحديات التي تواجه القطاع المصرفي في جنوب أفريقيا، حيث أظهرت تقارير المركز أن خسائر الاحتيال المصرفي الرقمي بلغت نحو 2.4 مليار راند خلال عام 2025، مقارنة بنحو 1.9 مليار راند في العام السابق. وتعكس هذه الأرقام حجم التهديدات المتنامية، والحاجة إلى تطوير قدرات الرصد والتحليل والتنسيق المؤسسي.
وبالنسبة إلى دول الخليج العربي، فإن التوسع الكبير في الخدمات المصرفية الرقمية والمدفوعات الفورية والتطبيقات المالية يفرض تحديات أمنية متزايدة، خصوصاً مع تطور أساليب الاحتيال باستخدام الذكاء الاصطناعي والهندسة الاجتماعية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها المصارف المركزية والبنوك والأجهزة الأمنية، فإن الطبيعة العابرة للحدود لهذه الجرائم تجعل التعاون وتبادل المعلومات على المستويين الوطني والخليجي ضرورة متزايدة.
ومن هنا، فإننا ندعو إلى دراسة تجربة مركز معلومات المخاطر المصرفية في جنوب أفريقيا بصورة معمقة، خصوصاً من حيث إطاره القانوني، ونظام عضويته وتمويله، وآليات تبادل المعلومات، وصلاحياته ونظام حوكمته، ومدى فاعليته في الحد من الجرائم المالية.ونرى أن البحرين، بما تمتلكه من قطاع مصرفي عريق وبنية متطورة للخدمات المالية، مؤهلة لدراسة إمكانية الاستفادة من هذا النموذج، بالتعاون بين البنوك والمؤسسات المعنية، مع البناء على الآليات القائمة. كما يمكن بحث تطوير إطار خليجي مشترك لتبادل معلومات المخاطر المصرفية والإنذار المبكر، بما يعزز أمن المعاملات المالية ويحمي أموال العملاء ويرسخ الثقة في النظام المصرفي الخليجي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك