تفضل سيدي جلالة الملك المعظم حمد بن عيسى آل خليفة، حفظه الله ورعاه، بافتتاح جامع الشيخ أحمد الفاتح ليكون منارًا يشعّ بنور الوفاء، ويعلن أن البرّ يأبى أن يبقى حروفًا تُقرأ، بل أثرًا يُرى، وبنيانًا يبقى، ومحرابًا يُذكر فيه الله عز وجل، وترتفع منه الدعوات لمن رحلوا، فتبقى مآثرهم نورًا للأحياء، وذكراهم موصولةً بالدعاء.
تفضّل جلالته بافتتاح الجامع بعد إعادة بنائه بتوجيهه السامي، بحضور صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله. وأدى الحضور تحية المسجد، واطّلعوا على المنطقة التي تضم قبر المؤسس أحمد الفاتح، طيّب الله ثراه، في مشهدٍ تعانق فيه عبق التاريخ مع خشوع الدعاء، وتجلّت فيه عظمة البرّ وصدق وفاء الأبناء.
وهنا تخشع الكلمات، ويعجز البيان عن بلوغ المعنى؛ فما كانت العبرة بجمال الجدران، ولا بروعة البنيان، وإنما بقلبٍ ملكيٍّ عظيم، لم تُنسه أعباء الحكم حقَّ الآباء، ولم تشغله مسؤوليات الحاضر عن الوفاء لمن أرسوا دعائم الوطن، وشيّدوا صروح المجد والإباء، وتركوا للأجيال إرثًا خالدًا من البناء والعطاء.
أكثر من قرنين مضيا على رحيل الفاتح، ومازال جلالته المعظم سليل دوحته المباركة يبرّه، ويُعلي ذكره، ويصون أثره؛ فلا الرحيل قطع ما وصله البرّ، ولا تعاقب السنين طوى ما حفظه الوفاء؛ فإذا غيّب الثرى الأجساد، أبقى البرّ ذكر أصحابها عصيًّا على الفناء.
وفي «عام عيسى الكبير» يتجلّى الوفاء، وفي إعلان العام المقبل «عام عيسى بن سلمان» يمتدّ البرّ، وفي إعادة إعمار جامع أحمد الفاتح ينهض شاهدٌ على عهد الآباء؛ كأنّ جلالة الملك المعظم يكتب للأجيال وصيّةً من نور: إنّ من غابوا عن العيون لا يغيبون عن القلوب، وإنّ حفظ جميلهم بعد الرحيل من أنبل ما تتوارثه نفوس الأوفياء.
وليس جامع الشيخ أحمد الفاتح إلا شاهدًا على عهد سيدي جلالة الملك المعظم الزاهر الميمون؛ عهدٍ أزهرت فيه ربوع البحرين ببيوت الله، فغدت مآذنها مناراتِ هدىً وضياء. فعلى امتداد سنين عهده المبارك، شهدت البحرين افتتاح مسجدٍ مشيّدٍ حديثًا بمعدل مسجدٍ كل شهر، يصدح فيه الأذان، ويُتلى فيه القرآن، وترتفع من محاريبه إلى الله أكفُّ الدعاء. فطوبى لمن عمّر لله بيتًا، وأبقى فيه محرابًا للعبادة والرجاء، يرجو به ثوابًا لا ينقطع، وأجرًا لا يضيع، وعظيم الجزاء.
ويا لقلوب الأبناء الذين فقدوا آباءهم! أما أعاد إليهم هذا المشهد وجوهًا غابت، وأصواتًا سكنت، وأيديَ كانت تمسح عنهم الخوف، وتربّت على أكتافهم في مواطن الضعف؟ أما شعروا أن الحنين لا يعرف عظيمًا ولا صغيرًا، وأن الابن، مهما علا مقامه، يبقى في أعماقه شوقٌ إلى لحظةٍ يسمع فيها صوت أبيه، ويقبّل يده، ويقول له: ما نسيتك يا أبي، وما زادني رحيلك إلا حنينًا إليك، وشوقًا يزداد يومًا بعد يوم.
ولعمري، إن أعظم ما في هذا المشهد أن سيدي جلالة الملك المعظم لم يجعل برّ الآباء شوقًا خفيًّا يستقرّ في الصدر، بل جعله عملًا يبقى في الأرض، وذكرًا يصعد إلى السماء؛ فإذا الوفاء مسلكٌ، والبرّ منهجٌ، والمحبة إرثٌ تتوارثه القلوب.
فيا سيدي جلالة الملك المعظم، لقد علّمتمونا أن الرحيل يأخذ الأحبة من أعيننا، ولكنه لا يستطيع أن ينتزعهم من قلوبنا، وأن الابن البارّ يستطيع أن يجعل من غياب أبيه حضورًا لا ينقطع.
رحم الله أحمد الفاتح، وعيسى الكبير، وعيسى بن سلمان، وحفظ لنا مليكنا حمدًا، وولي عهده الأمير سلمان.
وآخر القول أن الآباء يرحلون، ولكن البرّ لا يرحل برحيلهم؛ فمن أحسن الوفاء لهم، أبقاهم أحياء في ذاكرة الأجيال، حتى إذا غاب الصوتُ، نطق الدعاءُ، وإذا وارى الثرى الجسدَ، بقي الوفاءُ.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك