العدد : ١٧٧٥٤ - الأحد ٠١ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٥٤ - الأحد ٠١ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقالات

الـوفـاء والـبـر في مـحـراب جـامـع الـشـيـخ أحـمـد الـفـاتـح

بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الأحد ٠١ نوفمبر ٢٠٢٦ - 02:00

تفضل‭ ‬سيدي‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬بافتتاح‭ ‬جامع‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬ليكون‭ ‬منارًا‭ ‬يشعّ‭ ‬بنور‭ ‬الوفاء،‭ ‬ويعلن‭ ‬أن‭ ‬البرّ‭ ‬يأبى‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬حروفًا‭ ‬تُقرأ،‭ ‬بل‭ ‬أثرًا‭ ‬يُرى،‭ ‬وبنيانًا‭ ‬يبقى،‭ ‬ومحرابًا‭ ‬يُذكر‭ ‬فيه‭ ‬الله‭ ‬عز‭ ‬وجل،‭ ‬وترتفع‭ ‬منه‭ ‬الدعوات‭ ‬لمن‭ ‬رحلوا،‭ ‬فتبقى‭ ‬مآثرهم‭ ‬نورًا‭ ‬للأحياء،‭ ‬وذكراهم‭ ‬موصولةً‭ ‬بالدعاء‭.‬

تفضّل‭ ‬جلالته‭ ‬بافتتاح‭ ‬الجامع‭ ‬بعد‭ ‬إعادة‭ ‬بنائه‭ ‬بتوجيهه‭ ‬السامي،‭ ‬بحضور‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭. ‬وأدى‭ ‬الحضور‭ ‬تحية‭ ‬المسجد،‭ ‬واطّلعوا‭ ‬على‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬قبر‭ ‬المؤسس‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح،‭ ‬طيّب‭ ‬الله‭ ‬ثراه،‭ ‬في‭ ‬مشهدٍ‭ ‬تعانق‭ ‬فيه‭ ‬عبق‭ ‬التاريخ‭ ‬مع‭ ‬خشوع‭ ‬الدعاء،‭ ‬وتجلّت‭ ‬فيه‭ ‬عظمة‭ ‬البرّ‭ ‬وصدق‭ ‬وفاء‭ ‬الأبناء‭.‬

وهنا‭ ‬تخشع‭ ‬الكلمات،‭ ‬ويعجز‭ ‬البيان‭ ‬عن‭ ‬بلوغ‭ ‬المعنى؛‭ ‬فما‭ ‬كانت‭ ‬العبرة‭ ‬بجمال‭ ‬الجدران،‭ ‬ولا‭ ‬بروعة‭ ‬البنيان،‭ ‬وإنما‭ ‬بقلبٍ‭ ‬ملكيٍّ‭ ‬عظيم،‭ ‬لم‭ ‬تُنسه‭ ‬أعباء‭ ‬الحكم‭ ‬حقَّ‭ ‬الآباء،‭ ‬ولم‭ ‬تشغله‭ ‬مسؤوليات‭ ‬الحاضر‭ ‬عن‭ ‬الوفاء‭ ‬لمن‭ ‬أرسوا‭ ‬دعائم‭ ‬الوطن،‭ ‬وشيّدوا‭ ‬صروح‭ ‬المجد‭ ‬والإباء،‭ ‬وتركوا‭ ‬للأجيال‭ ‬إرثًا‭ ‬خالدًا‭ ‬من‭ ‬البناء‭ ‬والعطاء‭.‬

أكثر‭ ‬من‭ ‬قرنين‭ ‬مضيا‭ ‬على‭ ‬رحيل‭ ‬الفاتح،‭ ‬ومازال‭ ‬جلالته‭ ‬المعظم‭ ‬سليل‭ ‬دوحته‭ ‬المباركة‭ ‬يبرّه،‭ ‬ويُعلي‭ ‬ذكره،‭ ‬ويصون‭ ‬أثره؛‭ ‬فلا‭ ‬الرحيل‭ ‬قطع‭ ‬ما‭ ‬وصله‭ ‬البرّ،‭ ‬ولا‭ ‬تعاقب‭ ‬السنين‭ ‬طوى‭ ‬ما‭ ‬حفظه‭ ‬الوفاء؛‭ ‬فإذا‭ ‬غيّب‭ ‬الثرى‭ ‬الأجساد،‭ ‬أبقى‭ ‬البرّ‭ ‬ذكر‭ ‬أصحابها‭ ‬عصيًّا‭ ‬على‭ ‬الفناء‭.‬

وفي‭ ‬‮«‬عام‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير‮»‬‭ ‬يتجلّى‭ ‬الوفاء،‭ ‬وفي‭ ‬إعلان‭ ‬العام‭ ‬المقبل‭ ‬‮«‬عام‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬سلمان‮»‬‭ ‬يمتدّ‭ ‬البرّ،‭ ‬وفي‭ ‬إعادة‭ ‬إعمار‭ ‬جامع‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬ينهض‭ ‬شاهدٌ‭ ‬على‭ ‬عهد‭ ‬الآباء؛‭ ‬كأنّ‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬يكتب‭ ‬للأجيال‭ ‬وصيّةً‭ ‬من‭ ‬نور‭: ‬إنّ‭ ‬من‭ ‬غابوا‭ ‬عن‭ ‬العيون‭ ‬لا‭ ‬يغيبون‭ ‬عن‭ ‬القلوب،‭ ‬وإنّ‭ ‬حفظ‭ ‬جميلهم‭ ‬بعد‭ ‬الرحيل‭ ‬من‭ ‬أنبل‭ ‬ما‭ ‬تتوارثه‭ ‬نفوس‭ ‬الأوفياء‭.‬

وليس‭ ‬جامع‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح‭ ‬إلا‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬عهد‭ ‬سيدي‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬الزاهر‭ ‬الميمون؛‭ ‬عهدٍ‭ ‬أزهرت‭ ‬فيه‭ ‬ربوع‭ ‬البحرين‭ ‬ببيوت‭ ‬الله،‭ ‬فغدت‭ ‬مآذنها‭ ‬مناراتِ‭ ‬هدىً‭ ‬وضياء‭. ‬فعلى‭ ‬امتداد‭ ‬سنين‭ ‬عهده‭ ‬المبارك،‭ ‬شهدت‭ ‬البحرين‭ ‬افتتاح‭ ‬مسجدٍ‭ ‬مشيّدٍ‭ ‬حديثًا‭ ‬بمعدل‭ ‬مسجدٍ‭ ‬كل‭ ‬شهر،‭ ‬يصدح‭ ‬فيه‭ ‬الأذان،‭ ‬ويُتلى‭ ‬فيه‭ ‬القرآن،‭ ‬وترتفع‭ ‬من‭ ‬محاريبه‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬أكفُّ‭ ‬الدعاء‭. ‬فطوبى‭ ‬لمن‭ ‬عمّر‭ ‬لله‭ ‬بيتًا،‭ ‬وأبقى‭ ‬فيه‭ ‬محرابًا‭ ‬للعبادة‭ ‬والرجاء،‭ ‬يرجو‭ ‬به‭ ‬ثوابًا‭ ‬لا‭ ‬ينقطع،‭ ‬وأجرًا‭ ‬لا‭ ‬يضيع،‭ ‬وعظيم‭ ‬الجزاء‭.‬

ويا‭ ‬لقلوب‭ ‬الأبناء‭ ‬الذين‭ ‬فقدوا‭ ‬آباءهم‭! ‬أما‭ ‬أعاد‭ ‬إليهم‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬وجوهًا‭ ‬غابت،‭ ‬وأصواتًا‭ ‬سكنت،‭ ‬وأيديَ‭ ‬كانت‭ ‬تمسح‭ ‬عنهم‭ ‬الخوف،‭ ‬وتربّت‭ ‬على‭ ‬أكتافهم‭ ‬في‭ ‬مواطن‭ ‬الضعف؟‭ ‬أما‭ ‬شعروا‭ ‬أن‭ ‬الحنين‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬عظيمًا‭ ‬ولا‭ ‬صغيرًا،‭ ‬وأن‭ ‬الابن،‭ ‬مهما‭ ‬علا‭ ‬مقامه،‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬أعماقه‭ ‬شوقٌ‭ ‬إلى‭ ‬لحظةٍ‭ ‬يسمع‭ ‬فيها‭ ‬صوت‭ ‬أبيه،‭ ‬ويقبّل‭ ‬يده،‭ ‬ويقول‭ ‬له‭: ‬ما‭ ‬نسيتك‭ ‬يا‭ ‬أبي،‭ ‬وما‭ ‬زادني‭ ‬رحيلك‭ ‬إلا‭ ‬حنينًا‭ ‬إليك،‭ ‬وشوقًا‭ ‬يزداد‭ ‬يومًا‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭.‬

ولعمري،‭ ‬إن‭ ‬أعظم‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬أن‭ ‬سيدي‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬لم‭ ‬يجعل‭ ‬برّ‭ ‬الآباء‭ ‬شوقًا‭ ‬خفيًّا‭ ‬يستقرّ‭ ‬في‭ ‬الصدر،‭ ‬بل‭ ‬جعله‭ ‬عملًا‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬الأرض،‭ ‬وذكرًا‭ ‬يصعد‭ ‬إلى‭ ‬السماء؛‭ ‬فإذا‭ ‬الوفاء‭ ‬مسلكٌ،‭ ‬والبرّ‭ ‬منهجٌ،‭ ‬والمحبة‭ ‬إرثٌ‭ ‬تتوارثه‭ ‬القلوب‭.‬

فيا‭ ‬سيدي‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم،‭ ‬لقد‭ ‬علّمتمونا‭ ‬أن‭ ‬الرحيل‭ ‬يأخذ‭ ‬الأحبة‭ ‬من‭ ‬أعيننا،‭ ‬ولكنه‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬ينتزعهم‭ ‬من‭ ‬قلوبنا،‭ ‬وأن‭ ‬الابن‭ ‬البارّ‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬أبيه‭ ‬حضورًا‭ ‬لا‭ ‬ينقطع‭.‬

رحم‭ ‬الله‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح،‭ ‬وعيسى‭ ‬الكبير،‭ ‬وعيسى‭ ‬بن‭ ‬سلمان،‭ ‬وحفظ‭ ‬لنا‭ ‬مليكنا‭ ‬حمدًا،‭ ‬وولي‭ ‬عهده‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭.‬

وآخر‭ ‬القول‭ ‬أن‭ ‬الآباء‭ ‬يرحلون،‭ ‬ولكن‭ ‬البرّ‭ ‬لا‭ ‬يرحل‭ ‬برحيلهم؛‭ ‬فمن‭ ‬أحسن‭ ‬الوفاء‭ ‬لهم،‭ ‬أبقاهم‭ ‬أحياء‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬الأجيال،‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬غاب‭ ‬الصوتُ،‭ ‬نطق‭ ‬الدعاءُ،‭ ‬وإذا‭ ‬وارى‭ ‬الثرى‭ ‬الجسدَ،‭ ‬بقي‭ ‬الوفاءُ‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا