العدد : ١٧٧٥٥ - الاثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٥٥ - الاثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقالات

آليات التزييف الدفاعي: رصد الفبركة الرقمية عبر خوارزميات التعلم العميق

بقلم: د. جاسم حاجي

الأحد ٠١ نوفمبر ٢٠٢٦ - 02:00

أصبح‭ ‬اكتشاف‭ ‬الصور‭ ‬والفيديوهات‭ ‬المزيفة‭ (‬التزييف‭ ‬العميق‭) ‬باستخدام‭ ‬تطبيقات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬ضرورة‭ ‬ملحة‭ ‬لحماية‭ ‬الحقيقة‭ ‬الرقمية‭ ‬والأمن‭ ‬المعلوماتي‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬الحالي‭. ‬مع‭ ‬التطور‭ ‬الهائل‭ ‬والمستمر‭ ‬لأدوات‭ ‬التوليد‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬التوليدي،‭ ‬بات‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬تقريباً‭ ‬على‭ ‬العين‭ ‬البشرية‭ ‬المجردة‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬المحتوى‭ ‬الحقيقي‭ ‬والمحتوى‭ ‬المفبرك‭. ‬هذا‭ ‬التحدي‭ ‬الكبير‭ ‬استدعى‭ ‬تطوير‭ ‬برمجيات‭ ‬ذكية‭ ‬مضادة‭ ‬وأدوات‭ ‬أمن‭ ‬سيبراني‭ ‬متقدمة‭ ‬تتولى‭ ‬مهمة‭ ‬التحليل‭ ‬الرقمي‭ ‬والتدقيق‭ ‬الفني‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬خوارزميات‭ ‬ذكاء‭ ‬اصطناعي‭ ‬متطورة‭ ‬للغاية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬رؤية‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يراه‭ ‬البشر‭.‬

أولاً‭: ‬تقنيات‭ ‬الكشف‭ ‬في‭ ‬مقاطع‭ ‬

الفيديو‭ ‬المزيفة

تعتمد‭ ‬تطبيقات‭ ‬كشف‭ ‬التزييف‭ ‬في‭ ‬الفيديو‭ ‬على‭ ‬رصد‭ ‬التناقضات‭ ‬الفيزيائية‭ ‬والحيوية‭ ‬الدقيقة‭ ‬التي‭ ‬تعجز‭ ‬برامج‭ ‬التزييف‭ ‬والتوليد‭ ‬عن‭ ‬ضبطها‭ ‬بدقة‭ ‬كاملة‭. ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬الطرق‭ ‬العلمية‭ ‬فحص‭ ‬النبض‭ ‬الحيوي‭ ‬والتدفق‭ ‬الدموي‭ ‬للأشخاص؛‭ ‬حيث‭ ‬يمكن‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬تحليل‭ ‬التغيرات‭ ‬اللونية‭ ‬الطفيفة‭ ‬جداً‭ ‬في‭ ‬جلد‭ ‬الوجه‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬تدفق‭ ‬الدم‭ ‬مع‭ ‬ضربات‭ ‬القلب،‭ ‬وهي‭ ‬تفاصيل‭ ‬بيولوجية‭ ‬معقدة‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬الفيديوهات‭ ‬المفبركة‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬تقوم‭ ‬التطبيقات‭ ‬بمراقبة‭ ‬وتحليل‭ ‬معدل‭ ‬رمش‭ ‬العين‭ ‬وحركتها‭ ‬البؤرية‭ ‬بدقة،‭ ‬فالأشخاص‭ ‬المزيفون‭ ‬رقمياً‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يرمشون‭ ‬بمعدلات‭ ‬غير‭ ‬طبيعية‭ ‬أو‭ ‬تفتقر‭ ‬عيونهم‭ ‬إلى‭ ‬الانعكاسات‭ ‬الضوئية‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬تحاكي‭ ‬البيئة‭ ‬المحيطة‭ ‬بهم‭. ‬كما‭ ‬يُعد‭ ‬تحليل‭ ‬التزامن‭ ‬الحركي‭ ‬واللفظي‭ ‬محوراً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العملية،‭ ‬حيث‭ ‬تدقق‭ ‬الخوارزميات‭ ‬الذكية‭ ‬في‭ ‬مطابقة‭ ‬حركة‭ ‬الشفاه‭ ‬وعضلات‭ ‬الوجه‭ ‬مع‭ ‬الترددات‭ ‬الصوتية‭ ‬المصاحبة‭ ‬لرصد‭ ‬أي‭ ‬تأخير‭ ‬زمنّي‭ ‬أو‭ ‬تشويه‭ ‬خفي‭ ‬يكشف‭ ‬الفبركة‭.‬

ثانياً‭: ‬خوارزميات‭ ‬تحليل‭ ‬الصور‭ ‬المزورة

في‭ ‬عالم‭ ‬الصور‭ ‬الثابتة،‭ ‬تركز‭ ‬التطبيقات‭ ‬الذكية‭ ‬على‭ ‬فحص‭ ‬العناصر‭ ‬الهيكلية‭ ‬والبكسلية‭ ‬العميقة‭ ‬للملف‭. ‬تُستخدم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬شبكات‭ ‬عصبية‭ ‬متطورة‭ ‬للغاية‭ ‬يطلق‭ ‬عليها‭ ‬‮«‬الشبكات‭ ‬العصبية‭ ‬الالتفافية‮»‬‭ (‬CNN‭) ‬لتحليل‭ ‬الأنماط‭ ‬المجهرية‭ ‬للصور‭ ‬وتوزيع‭ ‬الألوان‭. ‬تبحث‭ ‬هذه‭ ‬التطبيقات‭ ‬بذكاء‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬الاتساق‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬الإضاءة‭ ‬والظلال؛‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬الضوء‭ ‬القادم‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الشخص‭ ‬لا‭ ‬يتطابق‭ ‬هندسياً‭ ‬مع‭ ‬زاوية‭ ‬سقوط‭ ‬الظل‭ ‬على‭ ‬الخلفية‭ ‬أو‭ ‬الأجسام‭ ‬المجاورة،‭ ‬يكتشف‭ ‬النظام‭ ‬التزوير‭ ‬فوراً‭. ‬كذلك،‭ ‬تفحص‭ ‬الخوارزميات‭ ‬حواف‭ ‬الأجسام‭ ‬المقصوصة‭ ‬أو‭ ‬المدمجة،‭ ‬حيث‭ ‬تترك‭ ‬البرامج‭ ‬التقليدية‭ ‬أو‭ ‬التوليدية‭ ‬حوافاً‭ ‬ناعمة‭ ‬بشكل‭ ‬مفرط‭ ‬أو‭ ‬مشوهة‭ ‬هندسياً‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬طبيعي‭ ‬نتيجة‭ ‬لعمليات‭ ‬الدمج‭. ‬ومن‭ ‬الوسائل‭ ‬التقنية‭ ‬المتقدمة‭ ‬أيضاً‭ ‬فحص‭ ‬‮«‬الضوضاء‭ ‬الرقمية‮»‬‭ ‬للبكسلات‭ (‬Sensor‭ ‬Noise‭)‬،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬كاميرا‭ ‬حقيقية‭ ‬تترك‭ ‬نمط‭ ‬ضوضاء‭ ‬فريد‭ ‬ومستمر‭ ‬على‭ ‬الصورة‭ ‬بأكملها،‭ ‬وعند‭ ‬تعديل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الصورة‭ ‬أو‭ ‬توليده‭ ‬رقمياً،‭ ‬ينقطع‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬وتظهر‭ ‬فجوات‭ ‬تقنية‭ ‬غير‭ ‬مرئية‭ ‬تكشفها‭ ‬خوارزميات‭ ‬الفحص‭ ‬الذكية‭ ‬بسرعة‭.‬

ثالثاً‭: ‬آلية‭ ‬عمل‭ ‬التطبيقات‭ ‬الذكية‭ (‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬الدفاعي‭)‬

تعتمد‭ ‬التطبيقات‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬على‭ ‬نموذج‭ ‬تقني‭ ‬يُعرف‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬الدفاعي،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬تدريب‭ ‬الخوارزميات‭ ‬بشكل‭ ‬مكثف‭ ‬على‭ ‬ملايين‭ ‬الصور‭ ‬والفيديوهات‭ ‬الحقيقية‭ ‬والمزيفة‭ ‬معاً‭ ‬لرفع‭ ‬كفاءتها‭. ‬تتعلم‭ ‬البرمجيات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬التدريب‭ ‬كيفية‭ ‬استخراج‭ ‬‮«‬البصمة‭ ‬الرقمية‮»‬‭ ‬أو‭ ‬التوقيع‭ ‬الاصطناعي‭ ‬الخاص‭ ‬بالنماذج‭ ‬التوليدية‭ ‬الشهيرة‭. ‬فعندما‭ ‬يقوم‭ ‬أي‭ ‬برنامج‭ ‬بتوليد‭ ‬صورة،‭ ‬تترك‭ ‬تلك‭ ‬الشبكة‭ ‬العصبية‭ ‬أثراً‭ ‬رياضياً‭ ‬دقيقاً‭ ‬في‭ ‬شيفرة‭ ‬الصورة،‭ ‬تماماً‭ ‬مثل‭ ‬بصمة‭ ‬الإصبع‭ ‬أو‭ ‬خط‭ ‬اليد‭ ‬البشري‭. ‬تستطيع‭ ‬التطبيقات‭ ‬الدفاعية‭ ‬مطابقة‭ ‬هذا‭ ‬الأثر‭ ‬بدقة‭ ‬وتحديد‭ ‬البرنامج‭ ‬الدقيق‭ ‬المستخدم‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التزوير‭. ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬بدأت‭ ‬بعض‭ ‬التطبيقات‭ ‬المتقدمة‭ ‬في‭ ‬دمج‭ ‬تقنيات‭ ‬التشفير‭ ‬وسلسلة‭ ‬الكتل‭ (‬Blockchain‭) ‬للتحقق‭ ‬من‭ ‬سلسلة‭ ‬التوريد‭ ‬الرقمية‭ ‬للملف‭ ‬الأصلي‭ ‬وتتتبع‭ ‬تاريخ‭ ‬إنشائه‭ ‬وتعديله‭ ‬منذ‭ ‬اللحظة‭ ‬الأولى‭.‬

رابعاً‭: ‬تحديات‭ ‬المواجهة‭ ‬الرقمية‭ ‬المستمرة

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الكفاءة‭ ‬العالية‭ ‬والدقة‭ ‬الكبيرة‭ ‬لتطبيقات‭ ‬الكشف‭ ‬الذكية،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تواجه‭ ‬تحدياً‭ ‬مستمراً‭ ‬ومستداماً‭ ‬يُعرف‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬التقنية‭ ‬بـ«لعبة‭ ‬القط‭ ‬والفأر‮»‬‭. ‬فكلما‭ ‬تطورت‭ ‬خوارزميات‭ ‬الكشف‭ ‬الدفاعية‭ ‬ورصدت‭ ‬نقطة‭ ‬ضعف‭ ‬أو‭ ‬ثغرة‭ ‬معينة‭ ‬في‭ ‬المحتوى‭ ‬المزور،‭ ‬سارع‭ ‬مطورو‭ ‬برامج‭ ‬التزييف‭ ‬والتوليد‭ ‬إلى‭ ‬تحديث‭ ‬أنظمتهم‭ ‬وهندستها‭ ‬لتلافي‭ ‬هذا‭ ‬الخطأ‭ ‬في‭ ‬المرات‭ ‬القادمة‭. ‬هذا‭ ‬التنافس‭ ‬المحموم‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬برمجيات‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬التطوير‭ ‬الذاتي‭ ‬المستمر‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬التعلم‭ ‬العميق‭ ‬للبقاء‭ ‬خطوة‭ ‬للأمام‭ ‬دائماً‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬عمليات‭ ‬ضغط‭ ‬الملفات‭ ‬وهندستها‭ ‬عند‭ ‬رفعها‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬المختلفة‭ ‬تؤدي‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬تلف‭ ‬البيانات‭ ‬الرقمية‭ ‬الدقيقة،‭ ‬مما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬صعوبة‭ ‬مهمة‭ ‬التطبيقات‭ ‬في‭ ‬إجراء‭ ‬الفحص‭ ‬البكسلي‭ ‬بدقة‭ ‬كاملة‭.‬

في‭ ‬الختام،‭ ‬إن‭ ‬مواجهة‭ ‬التزييف‭ ‬الرقمي‭ ‬باستعمال‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬خيار‭ ‬تقني‭ ‬رفاهي،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬حتمية‭ ‬أمنية‭ ‬واجتماعية‭ ‬لحماية‭ ‬المجتمعات‭. ‬توفر‭ ‬تطبيقات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬اليوم‭ ‬جدار‭ ‬حماية‭ ‬قوي‭ ‬للغاية‭ ‬قادم‭ ‬وقادر‭ ‬على‭ ‬تحليل‭ ‬التناقضات‭ ‬الحيوية‭ ‬والبصرية‭ ‬بدقة‭ ‬متناهية‭ ‬وسرعة‭ ‬فائقة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يبقى‭ ‬دمج‭ ‬هذه‭ ‬البرمجيات‭ ‬الذكية‭ ‬مع‭ ‬الوعي‭ ‬البشري‭ ‬النقدي‭ ‬والتحقق‭ ‬المستمر‭ ‬من‭ ‬المصادر‭ ‬الرسمية‭ ‬هو‭ ‬السبيل‭ ‬الأمثل‭ ‬والضمانة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لانتصار‭ ‬الحقيقة‭ ‬وضمان‭ ‬بيئة‭ ‬رقمية‭ ‬موثوقة‭ ‬وآمنة‭ ‬للجميع‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا