العدد : ١٧٧٤٧ - الأحد ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٧ - الأحد ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقالات

«شعبنا العزيز».. نداء أب لا يغيب

بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الأحد ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

ليس‭ ‬البرُّ‭ ‬ذكرى‭ ‬تمرُّ‭ ‬على‭ ‬القلب‭ ‬ثم‭ ‬تغيب،‭ ‬ولا‭ ‬دمعةً‭ ‬تنزل‭ ‬في‭ ‬ساعة‭ ‬الحنين‭ ‬ثم‭ ‬تجفّ‭ ‬وتخبو؛‭ ‬إنما‭ ‬البرُّ‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬الراحل‭ ‬فينا‭ ‬حاضرًا‭ ‬لا‭ ‬يزول،‭ ‬وأن‭ ‬يصير‭ ‬الوفاء‭ ‬له‭ ‬عهدًا‭ ‬لا‭ ‬يحول،‭ ‬وأن‭ ‬يتحوّل‭ ‬اسمه‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭ ‬نورًا‭ ‬موصولًا،‭ ‬كلما‭ ‬باعدت‭ ‬الأيام‭ ‬بيننا‭ ‬وبينه،‭ ‬قرّبه‭ ‬الحب،‭ ‬وأعاده‭ ‬الوفاء،‭ ‬وأيقظه‭ ‬الدعاء‭. ‬فالابن‭ ‬البار‭ ‬لا‭ ‬يذكر‭ ‬أباه‭ ‬عند‭ ‬الفقد‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬يحمله‭ ‬في‭ ‬صوته‭ ‬وصمته،‭ ‬في‭ ‬وعده‭ ‬وعهده،‭ ‬في‭ ‬مسعاه‭ ‬ونهجه؛‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬نطق‭ ‬باسمه،‭ ‬خُيّل‭ ‬للقلوب‭ ‬أن‭ ‬الغائب‭ ‬عاد،‭ ‬وأن‭ ‬البعيد‭ ‬دنا،‭ ‬وأن‭ ‬الرحيل‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬غيابًا،‭ ‬بل‭ ‬حضورًا‭ ‬أصفى،‭ ‬ومقامًا‭ ‬أبقى،‭ ‬وأثرًا‭ ‬في‭ ‬الروح‭ ‬لا‭ ‬يُمحى‭.‬

ومن‭ ‬يتأمل‭ ‬نهج‭ ‬سيدي‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬يرى‭ ‬برًّا‭ ‬لا‭ ‬يحدّه‭ ‬حدّ،‭ ‬ووفاءً‭ ‬لا‭ ‬تطويه‭ ‬السنون،‭ ‬وخلقًا‭ ‬عاليًا‭ ‬إذا‭ ‬بدا‭ ‬في‭ ‬القائد‭ ‬صار‭ ‬قدوةً‭ ‬للناس‭ ‬أجمعين؛‭ ‬فقد‭ ‬برّ‭ ‬جلالته‭ ‬آباءه‭ ‬العظام‭ ‬برَّ‭ ‬الابن‭ ‬الذي‭ ‬يعرف‭ ‬للفضل‭ ‬موضعه،‭ ‬وللعهد‭ ‬قدره،‭ ‬وللذكرى‭ ‬حرمتها،‭ ‬فلم‭ ‬يجعل‭ ‬الوفاء‭ ‬لهم‭ ‬كلمةً‭ ‬تُقال،‭ ‬بل‭ ‬مقامًا‭ ‬يُرفع،‭ ‬ولا‭ ‬ذكرًا‭ ‬يُستعاد،‭ ‬بل‭ ‬نهجًا‭ ‬يُتبع‭. ‬وكيف‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬كذلك‭ ‬وهو‭ ‬والد‭ ‬الجميع،‭ ‬وقدوتهم‭ ‬في‭ ‬الخلق‭ ‬والوفاء،‭ ‬يعلّمنا‭ ‬بصنيعه‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يبرّ‭ ‬أصله‭ ‬لا‭ ‬يثبت‭ ‬فرعه،‭ ‬ومن‭ ‬لا‭ ‬يحفظ‭ ‬مآثر‭ ‬آبائه‭ ‬لا‭ ‬تستقيم‭ ‬في‭ ‬يده‭ ‬أمانة‭ ‬أبنائه‭.‬

وفي‭ ‬‮«‬عام‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير‮»‬‭ ‬تجلّى‭ ‬الوفاء‭ ‬كأنه‭ ‬فجرٌ‭ ‬يطلع‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬البحرين،‭ ‬حين‭ ‬جاء‭ ‬الأمر‭ ‬الملكي‭ ‬السامي‭ ‬بأن‭ ‬يحمل‭ ‬العام‭ ‬اسم‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬طيب‭ ‬الله‭ ‬ثراه،‭ ‬‮«‬احتفاءً‭ ‬بباني‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬وقائد‭ ‬النهضة‭ ‬المؤسسية‮»‬‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الاسم‭ ‬زينةً‭ ‬لعامٍ‭ ‬يمضي،‭ ‬ولا‭ ‬عنوانًا‭ ‬لمناسبةٍ‭ ‬تُطوى،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬قبلة‭ ‬وفاءٍ‭ ‬لرجلٍ‭ ‬أقام‭ ‬للدولة‭ ‬بنيانها،‭ ‬وأرسى‭ ‬للوطن‭ ‬ميزانها،‭ ‬وترك‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬البحرين‭ ‬مقامًا‭ ‬لا‭ ‬يزول،‭ ‬وذكرًا‭ ‬لا‭ ‬يحول،‭ ‬وأثرًا‭ ‬كلما‭ ‬مرّ‭ ‬عليه‭ ‬الزمن‭ ‬ازداد‭ ‬في‭ ‬الوجدان‭ ‬حضورًا‭ ‬وقبولًا‭.‬

ثم‭ ‬جاء‭ ‬الخطاب‭ ‬الملكي‭ ‬السامي‭ ‬في‭ ‬افتتاح‭ ‬دور‭ ‬الانعقاد،‭ ‬فإذا‭ ‬بالبرّ‭ ‬يفيض‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬وإذا‭ ‬بالوفاء‭ ‬ينهض‭ ‬في‭ ‬مقامه‭ ‬الرفيع،‭ ‬حين‭ ‬أمر‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬بأن‭ ‬يكون‭ ‬العام‭ ‬القادم‭ ‬‮«‬عام‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬سلمان‮»‬،‭ ‬‮«‬تيمّنًا‭ ‬بإرثه‭ ‬وتكريمًا‭ ‬لعطائه‭ ‬ومواصلةً‭ ‬لنهجه‮»‬‭. ‬وأيُّ‭ ‬برٍّ‭ ‬أصفى‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬القائد‭ ‬ذكرى‭ ‬أبيه‭ ‬عهدًا‭ ‬للوطن،‭ ‬لا‭ ‬شجنًا‭ ‬حبيس‭ ‬الصدر؛‭ ‬وأن‭ ‬يحوّل‭ ‬الحنين‭ ‬إلى‭ ‬مسار،‭ ‬والدمعة‭ ‬إلى‭ ‬وفاء،‭ ‬والغياب‭ ‬إلى‭ ‬حضورٍ‭ ‬في‭ ‬الضمير‭ ‬قريب،‭ ‬وفي‭ ‬الوجدان‭ ‬حبيب،‭ ‬وفي‭ ‬ذاكرة‭ ‬البحرين‭ ‬باقيًا‭ ‬لا‭ ‬يغيب‭.‬

وهنا‭ ‬يعود‭ ‬بنا‭ ‬الشجن‭ ‬إلى‭ ‬عام‭ ‬1999،‭ ‬يوم‭ ‬أرخى‭ ‬الفقد‭ ‬ظلاله‭ ‬على‭ ‬البحرين،‭ ‬وسكن‭ ‬الحزن‭ ‬بيوت‭ ‬الناس‭ ‬ووجوههم،‭ ‬لا‭ ‬لأنها‭ ‬فقدت‭ ‬أبًا‭ ‬للوطن‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬ودّعت‭ ‬قلبًا‭ ‬كان‭ ‬قريبًا‭ ‬من‭ ‬القلوب،‭ ‬حاضرًا‭ ‬في‭ ‬الوجدان،‭ ‬ساكنًا‭ ‬في‭ ‬دعاء‭ ‬الأمهات‭ ‬ووفاء‭ ‬الرجال‭. ‬يومها‭ ‬قال‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم،‭ ‬بصدق‭ ‬الابن‭ ‬وأمانة‭ ‬القائد‭: ‬‮«‬كابنٍ‭ ‬لعيسى‭ ‬وحافظٍ‭ ‬لعهده‮»‬،‭ ‬ثم‭ ‬قالها‭ ‬عهدًا‭ ‬لا‭ ‬يلين‭: ‬‮«‬سنبقى‭ ‬على‭ ‬النهج‭ ‬الذي‭ ‬رسمه‭ ‬الراحل‭ ‬الكبير‮»‬‭. ‬فكانت‭ ‬الكلمات‭ ‬دمعةً‭ ‬لا‭ ‬تنكسر،‭ ‬وبيعةً‭ ‬لا‭ ‬تتغير،‭ ‬وعهدًا‭ ‬يمضي‭ ‬من‭ ‬يد‭ ‬الأب‭ ‬إلى‭ ‬يد‭ ‬الابن،‭ ‬ومن‭ ‬قلب‭ ‬البحرين‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬البحرين‭.‬

وعند‭ ‬أصدق‭ ‬مواضع‭ ‬الوفاء،‭ ‬ينهض‭ ‬اسم‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬سلمان‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬طيب‭ ‬الله‭ ‬ثراه،‭ ‬لا‭ ‬ذكرى‭ ‬تُروى‭ ‬ثم‭ ‬تُطوى،‭ ‬ولا‭ ‬اسمًا‭ ‬يمرّ‭ ‬في‭ ‬سجلّ‭ ‬السنين،‭ ‬بل‭ ‬أبًا‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬صوته‭ ‬يمشي‭ ‬في‭ ‬الدار،‭ ‬ويسري‭ ‬في‭ ‬الجدار،‭ ‬ويطرق‭ ‬القلوب‭ ‬قبل‭ ‬الأسماع‭. ‬كان‭ ‬إذا‭ ‬قال‭: ‬‮«‬شعبنا‭ ‬العزيز‮»‬،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬كلمةً‭ ‬في‭ ‬خطاب،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬حضنًا‭ ‬يتّسع‭ ‬للبحرين‭ ‬كلها،‭ ‬ويدًا‭ ‬أبوية‭ ‬تمسح‭ ‬عن‭ ‬القلوب‭ ‬وحشتها،‭ ‬وسلامًا‭ ‬حانيًا‭ ‬تعرفه‭ ‬المدن‭ ‬والقرى،‭ ‬كما‭ ‬تعرف‭ ‬الوجوه‭ ‬ملامح‭ ‬من‭ ‬أحبّت‭. ‬ما‭ ‬زال‭ ‬صداها‭ ‬في‭ ‬المنامة‭ ‬والمحرق‭ ‬والرفاع،‭ ‬وفي‭ ‬القرى‭ ‬والفرجان،‭ ‬نداءً‭ ‬لا‭ ‬يشيخ،‭ ‬وحنينًا‭ ‬لا‭ ‬يهدأ،‭ ‬ودعاءً‭ ‬لا‭ ‬ينقطع؛‭ ‬كأن‭ ‬الجدران‭ ‬حفظت‭ ‬صوته،‭ ‬وكأن‭ ‬النوافذ‭ ‬ردّدت‭ ‬نبرته،‭ ‬وكأن‭ ‬البحرين‭ ‬كلما‭ ‬سمعت‭ ‬‮«‬شعبنا‭ ‬العزيز‮»‬‭ ‬عادت‭ ‬طفلةً‭ ‬إلى‭ ‬صدر‭ ‬أبيها،‭ ‬تبكيه‭ ‬حبًّا،‭ ‬وتذكره‭ ‬فخرًا،‭ ‬وتقول‭ ‬في‭ ‬خشوع‭ ‬الوفاء‭: ‬رحمك‭ ‬الله‭ ‬يا‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬سلمان؛‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬أبًا‭ ‬للوطن،‭ ‬وبقيت‭ ‬قلبًا‭ ‬ينبض‭ ‬في‭ ‬الوطن‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا