ليس البرُّ ذكرى تمرُّ على القلب ثم تغيب، ولا دمعةً تنزل في ساعة الحنين ثم تجفّ وتخبو؛ إنما البرُّ أن يبقى الراحل فينا حاضرًا لا يزول، وأن يصير الوفاء له عهدًا لا يحول، وأن يتحوّل اسمه في الوجدان نورًا موصولًا، كلما باعدت الأيام بيننا وبينه، قرّبه الحب، وأعاده الوفاء، وأيقظه الدعاء. فالابن البار لا يذكر أباه عند الفقد وحده، بل يحمله في صوته وصمته، في وعده وعهده، في مسعاه ونهجه؛ حتى إذا نطق باسمه، خُيّل للقلوب أن الغائب عاد، وأن البعيد دنا، وأن الرحيل لم يكن غيابًا، بل حضورًا أصفى، ومقامًا أبقى، وأثرًا في الروح لا يُمحى.
ومن يتأمل نهج سيدي جلالة الملك المعظم، حفظه الله ورعاه، يرى برًّا لا يحدّه حدّ، ووفاءً لا تطويه السنون، وخلقًا عاليًا إذا بدا في القائد صار قدوةً للناس أجمعين؛ فقد برّ جلالته آباءه العظام برَّ الابن الذي يعرف للفضل موضعه، وللعهد قدره، وللذكرى حرمتها، فلم يجعل الوفاء لهم كلمةً تُقال، بل مقامًا يُرفع، ولا ذكرًا يُستعاد، بل نهجًا يُتبع. وكيف لا يكون كذلك وهو والد الجميع، وقدوتهم في الخلق والوفاء، يعلّمنا بصنيعه أن من لا يبرّ أصله لا يثبت فرعه، ومن لا يحفظ مآثر آبائه لا تستقيم في يده أمانة أبنائه.
وفي «عام عيسى الكبير» تجلّى الوفاء كأنه فجرٌ يطلع من ذاكرة البحرين، حين جاء الأمر الملكي السامي بأن يحمل العام اسم صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، طيب الله ثراه، «احتفاءً بباني الدولة الحديثة وقائد النهضة المؤسسية». لم يكن الاسم زينةً لعامٍ يمضي، ولا عنوانًا لمناسبةٍ تُطوى، بل كان قبلة وفاءٍ لرجلٍ أقام للدولة بنيانها، وأرسى للوطن ميزانها، وترك في قلب البحرين مقامًا لا يزول، وذكرًا لا يحول، وأثرًا كلما مرّ عليه الزمن ازداد في الوجدان حضورًا وقبولًا.
ثم جاء الخطاب الملكي السامي في افتتاح دور الانعقاد، فإذا بالبرّ يفيض من جديد، وإذا بالوفاء ينهض في مقامه الرفيع، حين أمر جلالة الملك المعظم، حفظه الله ورعاه، بأن يكون العام القادم «عام عيسى بن سلمان»، «تيمّنًا بإرثه وتكريمًا لعطائه ومواصلةً لنهجه». وأيُّ برٍّ أصفى من أن يجعل القائد ذكرى أبيه عهدًا للوطن، لا شجنًا حبيس الصدر؛ وأن يحوّل الحنين إلى مسار، والدمعة إلى وفاء، والغياب إلى حضورٍ في الضمير قريب، وفي الوجدان حبيب، وفي ذاكرة البحرين باقيًا لا يغيب.
وهنا يعود بنا الشجن إلى عام 1999، يوم أرخى الفقد ظلاله على البحرين، وسكن الحزن بيوت الناس ووجوههم، لا لأنها فقدت أبًا للوطن فحسب، بل لأنها ودّعت قلبًا كان قريبًا من القلوب، حاضرًا في الوجدان، ساكنًا في دعاء الأمهات ووفاء الرجال. يومها قال جلالة الملك المعظم، بصدق الابن وأمانة القائد: «كابنٍ لعيسى وحافظٍ لعهده»، ثم قالها عهدًا لا يلين: «سنبقى على النهج الذي رسمه الراحل الكبير». فكانت الكلمات دمعةً لا تنكسر، وبيعةً لا تتغير، وعهدًا يمضي من يد الأب إلى يد الابن، ومن قلب البحرين إلى قلب البحرين.
وعند أصدق مواضع الوفاء، ينهض اسم صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه، لا ذكرى تُروى ثم تُطوى، ولا اسمًا يمرّ في سجلّ السنين، بل أبًا ما زال صوته يمشي في الدار، ويسري في الجدار، ويطرق القلوب قبل الأسماع. كان إذا قال: «شعبنا العزيز»، لم تكن كلمةً في خطاب، بل كانت حضنًا يتّسع للبحرين كلها، ويدًا أبوية تمسح عن القلوب وحشتها، وسلامًا حانيًا تعرفه المدن والقرى، كما تعرف الوجوه ملامح من أحبّت. ما زال صداها في المنامة والمحرق والرفاع، وفي القرى والفرجان، نداءً لا يشيخ، وحنينًا لا يهدأ، ودعاءً لا ينقطع؛ كأن الجدران حفظت صوته، وكأن النوافذ ردّدت نبرته، وكأن البحرين كلما سمعت «شعبنا العزيز» عادت طفلةً إلى صدر أبيها، تبكيه حبًّا، وتذكره فخرًا، وتقول في خشوع الوفاء: رحمك الله يا عيسى بن سلمان؛ فقد كنت أبًا للوطن، وبقيت قلبًا ينبض في الوطن.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك