
في قلب المنامة، حيث كانت نسائم البحر تحمل حكايات الغواصين وأهازيج السفن العائدة، ارتفع عام 1903م أول مستشفى حديث في البحرين، فكان لأهل البحرين ولقاصديه من أرجاء الخليج العربي مرفأ أمانٍ وبلسمٍ وشفاءٍ. وعلى تلك الأرض الطيبة تفتّحت بواكير الطب الحديث في عهدٍ رأى في صحة الإنسان أساس العمران. وللأوطان الوفية قلبٌ يحنو على صروحها فتصونها وتُجدد بها عهدها مع قيمٍ أرساها الأوائل، ففي 18 أكتوبر 2026م دشّن معالي الشيخ خالد بن عبدالله آل خليفة، نائب رئيس مجلس الوزراء، مشروع إعادة بناء مستشفى الإرسالية الأمريكية في موقعه التاريخي بالمنامة، وتحويل مبنى مستشفى النساء والأطفال المشيَّد عام 1927م إلى متحفٍ للرعاية الصحية، في خطوةٍ تعكس الدعم التاريخي والمتواصل الذي يحظى به هذا الصرح من لدن حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، وتجمع بين صون الأصالة واستشراف المستقبل.
وقد أكد معاليه في تلك المناسبة أن المنظومة الصحية الوطنية تمتلك إرثًا عريقًا يمتد أكثر من قرنٍ وربع القرن، تعود جذوره إلى الرعاية المباشرة والانفتاح والدعم الذي أولاه المغفور له بإذن الله تعالى صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، حاكم البحرين وتوابعها (1869 – 1932م)، طيب الله ثراه، باني الدولة الحديثة وقائد النهضة المؤسسية، الذي احتضن بواكير العمل الطبي الحديث. وهي إشارةٌ تفتح لنا في هذا العام، «عام عيسى الكبير»، بابًا واسعًا لاستعادة صفحةٍ مشرقةٍ من سجل عهده الميمون، فبعد أن تناولنا في مقالاتٍ سابقةٍ شخصياتٍ ارتبطت بالبحرين في زمانه، نقف اليوم عند منجزٍ من طرازٍ آخر، هو المنجز الصحي، الذي جعل من البحرين في عهد عظمته مقصدًا للاستشفاء ومنارةً للطب الحديث في الخليج العربي.
من عيادةٍ إلى صرحٍ حديث
تعود البدايات الأولى إلى عام 1891م، حين حطّ صموئيل مارينوس زويمر، أحد مؤسسي الإرسالية العربية التي تأسست في الولايات المتحدة الأمريكية، رحاله في البحرين في زيارةٍ خاطفةٍ وهو في طريقه إلى البصرة، فترك فيه ما لمسه من كرم الضيافة وروح الإخاء أثرًا بالغًا حفّزه على العودة إليها. وفي عام 1892م عاد إلى البحرين يحمل صندوقًا من الأدوية والمعدات الطبية الأساسية، وفي غرفةٍ استأجرها في الطابق العلوي من أحد بيوت المنامة، أسس عيادةً لتقديم ما تيسّر من الخدمات الطبية الحديثة، فقارب عدد من تلقوا العلاج فيها خلال شهر فبراير 1893م وحده مائتي مراجع. وقد تحقق ذلك النجاح في ظل الجو الرحب الذي هيأه صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، إذ كتب زويمر عنه معترفًا بالجميل: «من منطلقٍ شخصيٍّ، فإن (صاحب العظمة) الشيخ عيسى وعائلته كانوا على الدوام ودودين معنا».
ومع ازدياد الإقبال، أدرك زويمر حاجة المنطقة إلى أطباء متخصصين، فاستقدم عددًا منهم وصلوا إلى البحرين في 11 سبتمبر 1900م، وفي مقدمتهم الطبيبان الزوجان شارون توماس وماريون ويلز توماس، خريجا جامعة ميشيغان الأمريكية. وقد بلغ عدد مراجعي العيادة في الفترة الممتدة من يوليو إلى سبتمبر 1900م نحو 807 مراجعين، فبات التفكير جادًا في إقامة مرفقٍ صحيٍّ متكاملٍ تُشرف عليه نخبةٌ من الأطباء.
وهنا تجلّت رعاية صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، الذي قدّم دعمه الكامل للمشروع، وأوصى بتسهيل الإجراءات كافة، فوُضع حجر الأساس في 19 مارس 1902م، وجُلبت الحجارة من مختلف أنحاء البحرين، واستُقدم البناؤون، أما الأحرف الحديدية لاسم المستشفى فقد استُوردت من لندن، ليرتفع البناء على طابقين. وفي 26 يناير 1903م افتُتح المستشفى رسميًا لاستقبال المرضى، فكان أول مستشفى حديثٍ في البحرين.
وقد حمل المستشفى عند افتتاحه اسم «مستشفى ميسون التذكاري»، نسبةً إلى الدكتور ألفريد ديويت ميسون وأسرته، الذين قدّموا الدعم لإقامته بما يُقارب ستة آلاف دولارٍ أمريكيٍّ، وظل يُعرف بهذا الاسم حتى أُطلق عليه لاحقًا اسم «مستشفى الإرسالية الأمريكية». ومن طرائف تلك البدايات أنه بعد حفر بئرٍ للمياه قرب موقع البناء، أُهديت إلى المستشفى طاحونةٌ هوائيةٌ من مدينة واوبون في ولاية ويسكونسن الأمريكية، فكانت أول طاحونةٍ هوائيةٍ تُشيَّد في البحرين.
التسامح والتعايش..
نهج حاكمٍ وروح وطن
كان احتضان صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة لهذا الصرح تعبيرًا أصيلًا عن رؤيةٍ إنسانيةٍ رحبةٍ، ترى في العلاج والتطبيب حقًا للجميع، ومن شواهد ذلك أن عظمته وهب في 12 ربيع الثاني 1319هـ الموافق 1 يونيو 1901م قطعة أرضٍ وسط المنامة لتكون مقبرةً للمسيحيين، استجابةً لحاجةٍ إنسانيةٍ ملحّةٍ، في لفتةٍ تعكس احترامه العميق وأبوّته التي اتسعت للجميع.
وقد انعكست هذه الروح على أروقة المستشفى ذاته، إذ عملت فتاةٌ يهوديةٌ تُدعى «تفاحة» معاونةً في مرافق مستشفى ميسون التذكاري جنبًا إلى جنب مع طاقمه، في الوقت الذي هبّت فيه على المنطقة موجاتٌ من الأوبئة، فتكاتف الجميع في مواجهتها بهمّةٍ وعزمٍ. وكان في ذلك برهانٌ على أن قوة المجتمع البحريني تكمن في تعاضده، وأن التعايش في البحرين كان ممارسةً يوميةً رعاها حاكمٌ حكيم، فغدت البلاد في عهده، كما هي في واقعنا المعاصر، واحةً للسلام.
مستشفى فيكتوريا التذكاري.. صرحٌ ثانٍ
وبينما كانت دعائم مستشفى ميسون التذكاري تُرسى، كانت المساعي تتواصل لإقامة مرفقٍ صحيٍّ حديثٍ آخر، أُطلق عليه اسم «مستشفى فيكتوريا التذكاري» احتفاءً بالملكة فيكتوريا التي حكمت بريطانيا 64 عامًا، منذ عام 1837م حتى وفاتها في 22 يناير 1901م، وتأكيدًا لعلاقة الصداقة المتينة التي جمعت البحرين ببريطانيا. وفي عام 1905م بدأ المستشفى عمله باثني عشر سريرًا، وضمّ أربع غرفٍ رئيسةٍ، خُصصت الأولى للعمليات، والثانية جناحًا للجراحة، والثالثة صيدليةً، والرابعة جناحًا عامًا للمرضى، فضلًا عن مخزنٍ وغرفةٍ مظلمةٍ. ووقع الاختيار في 13 يوليو 1905م على مساعد الجراح غلام علي خان، الذي شرع في استقبال المرضى فور وصوله.
وفي 9 نوفمبر 1906م أُقيم حفل الافتتاح الرسمي للمستشفى بحضور صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة وأبنائه، وجمعٍ من الأهالي. وألقى التاجر الحاج مقبل عبدالرحمن الذكير كلمةً أشاد فيها بصاحب العظمة وبحكمته، ودعا بطول العمر ودوام الصحة لحاكم البحرين وتوابعها. وما لبث المستشفى أن أصبح رافدًا مهمًا للخدمات الصحية، إذ قُدّر متوسط مرتاديه بين يناير ومارس 1907م بنحو ثلاثين زائرًا يوميًا، وأشرف طبيبه المسؤول كذلك على مرافق الحجر الصحي في منطقة القضيبية، فيما تزايد الإقبال عليه في أشهر الصيف التي كان يُغلق فيها مستشفى ميسون التذكاري.
وتزامن مع السنوات الأولى من عمر المستشفيين افتتاح صيدليةٍ متخصصةٍ في البحرين عام 1910م على يد علي أحمد يتيم، الذي تعلّم أساسيات الصيدلة في جامعة عليكرة بالهند، لتكتمل بذلك ملامح منظومةٍ صحيةٍ حديثةٍ ناشئةٍ.
عيادة المحرق والدكتور بندركار
امتدت الرعاية الصحية في عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة لتشمل المحرق، إذ افتتحت حكومة البحرين في عام 1924م عيادةً حكوميةً مجانيةً فيها، تيسيرًا على أهلها. وارتبط اسم هذه العيادة بالدكتور بندركار، الطبيب الهندي الذي وصل إلى البحرين في مايو 1925م بعد رحلةٍ استغرقت خمسة عشر يومًا، وتولى العمل في العيادة الحكومية بالمحرق في سبتمبر من العام ذاته.
وقد ترك لنا الدكتور بندركار وصفًا حيًا لتلك البدايات، فذكر أن المستوصف له بابٌ كبيرٌ في مقدمته ونافذةٌ صغيرةٌ في أحد جوانبه. ومن ذلك المكان انطلقت مسيرةٌ امتدت نحو ثلاثين عامًا، اختلط خلالها بأهل البحرين فأحبهم وأحبوه، حتى غدا اسمه جزءًا من ذاكرة التاريخ الصحي الحديث للبلاد. وقد حظي بشرف لقاء صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة غير مرةٍ، فوصفه بقوله: «كان عظمته رجلًا كريمًا للغاية، واشتُهر بالكرم بين رعاياه والأجانب على حدٍّ سواء».
البوم العائم والدكتور هولمز
ومن أسبق ما شهده ذلك العهد من مبادراتٍ صحيةٍ، ما أقدمت عليه حكومة البحرين عام 1924م حين اقتنت سفينةً من نوع «البوم» من الكويت، وحوّلتها إلى مستشفًى عائمٍ يُرافق أساطيل الغوص في عرض البحر لعلاج الغواصين خلال موسمهم، فكان فريدًا من نوعه في البحرين والمنطقة. وعمل على متنه الدكتور رالف هولمز، الذي التحق بمستشفى فيكتوريا التذكاري في 24 سبتمبر 1923م، وأعاد إليه بدماثة خلقه وحسن معاملته للمرضى ومعرفته الجيدة بالعربية مكانته بين الأهالي، حتى اختاره المغفور له بإذن الله تعالى صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة، نائب الحاكم، طيب الله ثراه، مستشارًا صحيًا. وكان الغواصون يسبحون مسافاتٍ طويلةً للوصول إلى المستشفى العائم والانتفاع بخدماته، وقد عالج في عام 1928م وحده نحو 917 حالةً، كما عمل الدكتور بندركار أيضًا على متن هذا المستشفى من عام 1925م حتى عام 1938م، واستُبدل البوم في عام 1932م بسفينةٍ أكثر تطورًا مزودةٍ بمحرك. ويختصر الدكتور بندركار أثر تلك المبادرة في نفوس الغواصين بقوله: «وجدتُ الجميع متعاونين معي إلى أقصى درجةٍ، وكانوا يشعرون بالعرفان لهذه الرعاية الطبية التي تم توفيرها بناءً على مبادرةٍ من صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة».
ماريون ويلز توماس.. أول مستشفى للنساء والأطفال
ومن بين المشروعات الرائدة التي أبصرت النور في عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، افتتاح مستشفى ماريون ويلز توماس التذكاري عام 1927م، أول مستشفى متخصصٍ للنساء والأطفال في البحرين ومنطقة الخليج العربي. وتعود فكرته إلى الفترة ما بين عامي 1924م و1925م، حين لاحظ الدكتور لويس دام من مستشفى ميسون التذكاري تزايد إقبال النساء من البحرين، ومن القادمات إليها خصيصًا للتداوي من أرجاء المنطقة، فتقرر إقامة صرحٍ خاصٍّ بهن. واستلهامًا من نهج والده في البذل وحب الخير، تبرع صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة، نائب الحاكم، بمبلغٍ سخيٍّ دعمًا للمشروع، وأوعز بهبة قطعة أرضٍ من حكومة البحرين لضمها إلى أرض المستشفى، فيما استُوردت المعدات الطبية خصيصًا من الولايات المتحدة الأمريكية.
وقد حمل المستشفى اسم الدكتورة ماريون ويلز توماس التي عملت إلى جانب زوجها الدكتور شارون توماس، ورحلت في 25 أبريل 1905م، ودُفنت في المقبرة المسيحية القديمة بالمنامة، تلك الأرض التي وهبها صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة قبل أربع سنواتٍ من رحيلها. وهو المبنى ذاته الذي يتحول اليوم إلى متحفٍ للرعاية الصحية، شاهدًا على فصلٍ إنسانيٍّ رفيعٍ من تاريخ الوطن.
البحرين مقصد
الاستشفاء في الخليج العربي
لقد أسهمت هذه الصروح مجتمعةً في أن تغدو البحرين في عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، طيب الله ثراه، مقصدًا للتداوي من شتى أنحاء الخليج العربي، وبلغ عدد من جرى تطبيبهن في مستشفى ماريون ويلز توماس التذكاري عام 1932م نحو 16,606 حالاتٍ خارجيةٍ، و308 حالاتٍ داخليةٍ. وفي عام 1931م، وهو العام الذي سبق رحيل صاحب العظمة، عالج مستشفى ميسون التذكاري نحو 34,243 مريضًا وأجرى 419 عمليةً جراحيةً، فيما استقبلت العيادات الخارجية لمستشفى فيكتوريا التذكاري في العام ذاته أكثر من 13,070 مريضًا، وأُجريت فيه 1,038 عمليةً جراحيةً كبرى وصغرى، وتشير هذه الأعداد إلى المكانة التي بلغتها الخدمات الصحية في البحرين.
وامتدت الرعاية إلى ما وراء جدران المستشفيات، ففي عام 1923م وُفّرت أول سيارةٍ طبيةٍ في البحرين، جرى تحويلها لتكون سيارة إسعاف، وخُصص يومٌ في الأسبوع للتجوال بها في ربوع البحرين لعلاج الرجال والنساء والأطفال، فكان بوق السيارة يُعلن للأهالي قدوم الرعاية إلى أبواب أحيائهم.
في عام عيسى الكبير.. قراءةٌ في المسيرة
إن هذه الصروح الصحية تُذكّرنا بأن البحرين في عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، طيب الله ثراه، كانت سبّاقةً إلى كل ما ينفع الإنسان، وأن حاكمها الحكيم أدرك ببصيرته النافذة أن صحة الناس أساس نهضتهم، وأن الانفتاح على علوم العصر يتكامل مع الأصالة والتمسك بالثوابت. لقد فتح عظمته أبواب بلاده لكل من حمل علمًا نافعًا، واحتضن بأبوّته الجميع، فكانت البحرين في عهده ملاذًا للمريض، ودارًا للضيف، وأنموذجًا للتسامح والتعايش سبق به زمانه، فسلامٌ على عيسى الكبير، الذي غرس فأثمر غرسه، وبنى فبقي بناؤه شاهدًا على حكمته وعظمته.
وفي «عام عيسى الكبير»، ونحن نستحضر هذه السيرة العطرة، نُدرك أن مملكة البحرين اليوم، بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، وبدعمٍ ومساندةٍ متواصلةٍ من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، تمضي على النهج ذاته، فتصون ذاكرتها الطبية وتبني للمستقبل صروحًا تواكب أحدث ما بلغه العلم، وتجعل من الإنسان محور التنمية وغايتها، فطوبى لوطنٍ يحفظ لأوائله فضلهم، ويسير على دربهم في بناء حاضرٍ زاهرٍ ومستقبلٍ واعدٍ، تبقى فيه مملكة البحرين، كما كانت على الدوام، واحةً للخير ومنارةً للعطاء.
{ عميد كلية عبدالله بن خالد للدراسات الإسلامية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك