العدد : ١٧٧٤٧ - الأحد ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٧ - الأحد ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقالات

عيسى الكبير وبواكير الطب الحديث.. البحرين مهد الاستشفاء في الخليج العربي

بقلم: د. حمد إبراهيم العبدالله

الأحد ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬قلب‭ ‬المنامة،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬نسائم‭ ‬البحر‭ ‬تحمل‭ ‬حكايات‭ ‬الغواصين‭ ‬وأهازيج‭ ‬السفن‭ ‬العائدة،‭ ‬ارتفع‭ ‬عام‭ ‬1903م‭ ‬أول‭ ‬مستشفى‭ ‬حديث‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬فكان‭ ‬لأهل‭ ‬البحرين‭ ‬ولقاصديه‭ ‬من‭ ‬أرجاء‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬مرفأ‭ ‬أمانٍ‭ ‬وبلسمٍ‭ ‬وشفاءٍ‭. ‬وعلى‭ ‬تلك‭ ‬الأرض‭ ‬الطيبة‭ ‬تفتّحت‭ ‬بواكير‭ ‬الطب‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬عهدٍ‭ ‬رأى‭ ‬في‭ ‬صحة‭ ‬الإنسان‭ ‬أساس‭ ‬العمران‭. ‬وللأوطان‭ ‬الوفية‭ ‬قلبٌ‭ ‬يحنو‭ ‬على‭ ‬صروحها‭ ‬فتصونها‭ ‬وتُجدد‭ ‬بها‭ ‬عهدها‭ ‬مع‭ ‬قيمٍ‭ ‬أرساها‭ ‬الأوائل،‭ ‬ففي‭ ‬18‭ ‬أكتوبر‭ ‬2026م‭ ‬دشّن‭ ‬معالي‭ ‬الشيخ‭ ‬خالد‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬نائب‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء،‭ ‬مشروع‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬مستشفى‭ ‬الإرسالية‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬موقعه‭ ‬التاريخي‭ ‬بالمنامة،‭ ‬وتحويل‭ ‬مبنى‭ ‬مستشفى‭ ‬النساء‭ ‬والأطفال‭ ‬المشيَّد‭ ‬عام‭ ‬1927م‭ ‬إلى‭ ‬متحفٍ‭ ‬للرعاية‭ ‬الصحية،‭ ‬في‭ ‬خطوةٍ‭ ‬تعكس‭ ‬الدعم‭ ‬التاريخي‭ ‬والمتواصل‭ ‬الذي‭ ‬يحظى‭ ‬به‭ ‬هذا‭ ‬الصرح‭ ‬من‭ ‬لدن‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬وتجمع‭ ‬بين‭ ‬صون‭ ‬الأصالة‭ ‬واستشراف‭ ‬المستقبل‭. ‬

وقد‭ ‬أكد‭ ‬معاليه‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المناسبة‭ ‬أن‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية‭ ‬الوطنية‭ ‬تمتلك‭ ‬إرثًا‭ ‬عريقًا‭ ‬يمتد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرنٍ‭ ‬وربع‭ ‬القرن،‭ ‬تعود‭ ‬جذوره‭ ‬إلى‭ ‬الرعاية‭ ‬المباشرة‭ ‬والانفتاح‭ ‬والدعم‭ ‬الذي‭ ‬أولاه‭ ‬المغفور‭ ‬له‭ ‬بإذن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬حاكم‭ ‬البحرين‭ ‬وتوابعها‭ (‬1869‭ ‬–‭ ‬1932م‭)‬،‭ ‬طيب‭ ‬الله‭ ‬ثراه،‭ ‬باني‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬وقائد‭ ‬النهضة‭ ‬المؤسسية،‭ ‬الذي‭ ‬احتضن‭ ‬بواكير‭ ‬العمل‭ ‬الطبي‭ ‬الحديث‭. ‬وهي‭ ‬إشارةٌ‭ ‬تفتح‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬‮«‬عام‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير‮»‬،‭ ‬بابًا‭ ‬واسعًا‭ ‬لاستعادة‭ ‬صفحةٍ‭ ‬مشرقةٍ‭ ‬من‭ ‬سجل‭ ‬عهده‭ ‬الميمون،‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬تناولنا‭ ‬في‭ ‬مقالاتٍ‭ ‬سابقةٍ‭ ‬شخصياتٍ‭ ‬ارتبطت‭ ‬بالبحرين‭ ‬في‭ ‬زمانه،‭ ‬نقف‭ ‬اليوم‭ ‬عند‭ ‬منجزٍ‭ ‬من‭ ‬طرازٍ‭ ‬آخر،‭ ‬هو‭ ‬المنجز‭ ‬الصحي،‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬عظمته‭ ‬مقصدًا‭ ‬للاستشفاء‭ ‬ومنارةً‭ ‬للطب‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭. ‬

 

من‭ ‬عيادةٍ‭ ‬إلى‭ ‬صرحٍ‭ ‬حديث

تعود‭ ‬البدايات‭ ‬الأولى‭ ‬إلى‭ ‬عام‭ ‬1891م،‭ ‬حين‭ ‬حطّ‭ ‬صموئيل‭ ‬مارينوس‭ ‬زويمر،‭ ‬أحد‭ ‬مؤسسي‭ ‬الإرسالية‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬تأسست‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬رحاله‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬زيارةٍ‭ ‬خاطفةٍ‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬طريقه‭ ‬إلى‭ ‬البصرة،‭ ‬فترك‭ ‬فيه‭ ‬ما‭ ‬لمسه‭ ‬من‭ ‬كرم‭ ‬الضيافة‭ ‬وروح‭ ‬الإخاء‭ ‬أثرًا‭ ‬بالغًا‭ ‬حفّزه‭ ‬على‭ ‬العودة‭ ‬إليها‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬1892م‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬يحمل‭ ‬صندوقًا‭ ‬من‭ ‬الأدوية‭ ‬والمعدات‭ ‬الطبية‭ ‬الأساسية،‭ ‬وفي‭ ‬غرفةٍ‭ ‬استأجرها‭ ‬في‭ ‬الطابق‭ ‬العلوي‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬بيوت‭ ‬المنامة،‭ ‬أسس‭ ‬عيادةً‭ ‬لتقديم‭ ‬ما‭ ‬تيسّر‭ ‬من‭ ‬الخدمات‭ ‬الطبية‭ ‬الحديثة،‭ ‬فقارب‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬تلقوا‭ ‬العلاج‭ ‬فيها‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬فبراير‭ ‬1893م‭ ‬وحده‭ ‬مائتي‭ ‬مراجع‭. ‬وقد‭ ‬تحقق‭ ‬ذلك‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الجو‭ ‬الرحب‭ ‬الذي‭ ‬هيأه‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬إذ‭ ‬كتب‭ ‬زويمر‭ ‬عنه‭ ‬معترفًا‭ ‬بالجميل‭: ‬‮«‬من‭ ‬منطلقٍ‭ ‬شخصيٍّ،‭ ‬فإن‭ (‬صاحب‭ ‬العظمة‭) ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬وعائلته‭ ‬كانوا‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬ودودين‭ ‬معنا‮»‬‭.‬

ومع‭ ‬ازدياد‭ ‬الإقبال،‭ ‬أدرك‭ ‬زويمر‭ ‬حاجة‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬أطباء‭ ‬متخصصين،‭ ‬فاستقدم‭ ‬عددًا‭ ‬منهم‭ ‬وصلوا‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬11‭ ‬سبتمبر‭ ‬1900م،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتهم‭ ‬الطبيبان‭ ‬الزوجان‭ ‬شارون‭ ‬توماس‭ ‬وماريون‭ ‬ويلز‭ ‬توماس،‭ ‬خريجا‭ ‬جامعة‭ ‬ميشيغان‭ ‬الأمريكية‭. ‬وقد‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬مراجعي‭ ‬العيادة‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬يوليو‭ ‬إلى‭ ‬سبتمبر‭ ‬1900م‭ ‬نحو‭ ‬807‭ ‬مراجعين،‭ ‬فبات‭ ‬التفكير‭ ‬جادًا‭ ‬في‭ ‬إقامة‭ ‬مرفقٍ‭ ‬صحيٍّ‭ ‬متكاملٍ‭ ‬تُشرف‭ ‬عليه‭ ‬نخبةٌ‭ ‬من‭ ‬الأطباء‭. ‬

وهنا‭ ‬تجلّت‭ ‬رعاية‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬الذي‭ ‬قدّم‭ ‬دعمه‭ ‬الكامل‭ ‬للمشروع،‭ ‬وأوصى‭ ‬بتسهيل‭ ‬الإجراءات‭ ‬كافة،‭ ‬فوُضع‭ ‬حجر‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬19‭ ‬مارس‭ ‬1902م،‭ ‬وجُلبت‭ ‬الحجارة‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬البحرين،‭ ‬واستُقدم‭ ‬البناؤون،‭ ‬أما‭ ‬الأحرف‭ ‬الحديدية‭ ‬لاسم‭ ‬المستشفى‭ ‬فقد‭ ‬استُوردت‭ ‬من‭ ‬لندن،‭ ‬ليرتفع‭ ‬البناء‭ ‬على‭ ‬طابقين‭. ‬وفي‭ ‬26‭ ‬يناير‭ ‬1903م‭ ‬افتُتح‭ ‬المستشفى‭ ‬رسميًا‭ ‬لاستقبال‭ ‬المرضى،‭ ‬فكان‭ ‬أول‭ ‬مستشفى‭ ‬حديثٍ‭ ‬في‭ ‬البحرين‭. ‬

وقد‭ ‬حمل‭ ‬المستشفى‭ ‬عند‭ ‬افتتاحه‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬مستشفى‭ ‬ميسون‭ ‬التذكاري‮»‬،‭ ‬نسبةً‭ ‬إلى‭ ‬الدكتور‭ ‬ألفريد‭ ‬ديويت‭ ‬ميسون‭ ‬وأسرته،‭ ‬الذين‭ ‬قدّموا‭ ‬الدعم‭ ‬لإقامته‭ ‬بما‭ ‬يُقارب‭ ‬ستة‭ ‬آلاف‭ ‬دولارٍ‭ ‬أمريكيٍّ،‭ ‬وظل‭ ‬يُعرف‭ ‬بهذا‭ ‬الاسم‭ ‬حتى‭ ‬أُطلق‭ ‬عليه‭ ‬لاحقًا‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬مستشفى‭ ‬الإرسالية‭ ‬الأمريكية‮»‬‭. ‬ومن‭ ‬طرائف‭ ‬تلك‭ ‬البدايات‭ ‬أنه‭ ‬بعد‭ ‬حفر‭ ‬بئرٍ‭ ‬للمياه‭ ‬قرب‭ ‬موقع‭ ‬البناء،‭ ‬أُهديت‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى‭ ‬طاحونةٌ‭ ‬هوائيةٌ‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬واوبون‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬ويسكونسن‭ ‬الأمريكية،‭ ‬فكانت‭ ‬أول‭ ‬طاحونةٍ‭ ‬هوائيةٍ‭ ‬تُشيَّد‭ ‬في‭ ‬البحرين‭. ‬

 

التسامح‭ ‬والتعايش‭..‬

‭ ‬نهج‭ ‬حاكمٍ‭ ‬وروح‭ ‬وطن

كان‭ ‬احتضان‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬لهذا‭ ‬الصرح‭ ‬تعبيرًا‭ ‬أصيلًا‭ ‬عن‭ ‬رؤيةٍ‭ ‬إنسانيةٍ‭ ‬رحبةٍ،‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬العلاج‭ ‬والتطبيب‭ ‬حقًا‭ ‬للجميع،‭ ‬ومن‭ ‬شواهد‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬عظمته‭ ‬وهب‭ ‬في‭ ‬12‭ ‬ربيع‭ ‬الثاني‭ ‬1319هـ‭ ‬الموافق‭ ‬1‭ ‬يونيو‭ ‬1901م‭ ‬قطعة‭ ‬أرضٍ‭ ‬وسط‭ ‬المنامة‭ ‬لتكون‭ ‬مقبرةً‭ ‬للمسيحيين،‭ ‬استجابةً‭ ‬لحاجةٍ‭ ‬إنسانيةٍ‭ ‬ملحّةٍ،‭ ‬في‭ ‬لفتةٍ‭ ‬تعكس‭ ‬احترامه‭ ‬العميق‭ ‬وأبوّته‭ ‬التي‭ ‬اتسعت‭ ‬للجميع‭.  ‬

وقد‭ ‬انعكست‭ ‬هذه‭ ‬الروح‭ ‬على‭ ‬أروقة‭ ‬المستشفى‭ ‬ذاته،‭ ‬إذ‭ ‬عملت‭ ‬فتاةٌ‭ ‬يهوديةٌ‭ ‬تُدعى‭ ‬‮«‬تفاحة‮»‬‭ ‬معاونةً‭ ‬في‭ ‬مرافق‭ ‬مستشفى‭ ‬ميسون‭ ‬التذكاري‭ ‬جنبًا‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬مع‭ ‬طاقمه،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬هبّت‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬المنطقة‭ ‬موجاتٌ‭ ‬من‭ ‬الأوبئة،‭ ‬فتكاتف‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬مواجهتها‭ ‬بهمّةٍ‭ ‬وعزمٍ‭. ‬وكان‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬برهانٌ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬قوة‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬تعاضده،‭ ‬وأن‭ ‬التعايش‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬كان‭ ‬ممارسةً‭ ‬يوميةً‭ ‬رعاها‭ ‬حاكمٌ‭ ‬حكيم،‭ ‬فغدت‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬عهده،‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬واقعنا‭ ‬المعاصر،‭ ‬واحةً‭ ‬للسلام‭. ‬

مستشفى‭ ‬فيكتوريا‭ ‬التذكاري‭.. ‬صرحٌ‭ ‬ثانٍ

وبينما‭ ‬كانت‭ ‬دعائم‭ ‬مستشفى‭ ‬ميسون‭ ‬التذكاري‭ ‬تُرسى،‭ ‬كانت‭ ‬المساعي‭ ‬تتواصل‭ ‬لإقامة‭ ‬مرفقٍ‭ ‬صحيٍّ‭ ‬حديثٍ‭ ‬آخر،‭ ‬أُطلق‭ ‬عليه‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬مستشفى‭ ‬فيكتوريا‭ ‬التذكاري‮»‬‭ ‬احتفاءً‭ ‬بالملكة‭ ‬فيكتوريا‭ ‬التي‭ ‬حكمت‭ ‬بريطانيا‭ ‬64‭ ‬عامًا،‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1837م‭ ‬حتى‭ ‬وفاتها‭ ‬في‭ ‬22‭ ‬يناير‭ ‬1901م،‭ ‬وتأكيدًا‭ ‬لعلاقة‭ ‬الصداقة‭ ‬المتينة‭ ‬التي‭ ‬جمعت‭ ‬البحرين‭ ‬ببريطانيا‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬1905م‭ ‬بدأ‭ ‬المستشفى‭ ‬عمله‭ ‬باثني‭ ‬عشر‭ ‬سريرًا،‭ ‬وضمّ‭ ‬أربع‭ ‬غرفٍ‭ ‬رئيسةٍ،‭ ‬خُصصت‭ ‬الأولى‭ ‬للعمليات،‭ ‬والثانية‭ ‬جناحًا‭ ‬للجراحة،‭ ‬والثالثة‭ ‬صيدليةً،‭ ‬والرابعة‭ ‬جناحًا‭ ‬عامًا‭ ‬للمرضى،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬مخزنٍ‭ ‬وغرفةٍ‭ ‬مظلمةٍ‭. ‬ووقع‭ ‬الاختيار‭ ‬في‭ ‬13‭ ‬يوليو‭ ‬1905م‭ ‬على‭ ‬مساعد‭ ‬الجراح‭ ‬غلام‭ ‬علي‭ ‬خان،‭ ‬الذي‭ ‬شرع‭ ‬في‭ ‬استقبال‭ ‬المرضى‭ ‬فور‭ ‬وصوله‭. ‬

وفي‭ ‬9‭ ‬نوفمبر‭ ‬1906م‭ ‬أُقيم‭ ‬حفل‭ ‬الافتتاح‭ ‬الرسمي‭ ‬للمستشفى‭ ‬بحضور‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬وأبنائه،‭ ‬وجمعٍ‭ ‬من‭ ‬الأهالي‭. ‬وألقى‭ ‬التاجر‭ ‬الحاج‭ ‬مقبل‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬الذكير‭ ‬كلمةً‭ ‬أشاد‭ ‬فيها‭ ‬بصاحب‭ ‬العظمة‭ ‬وبحكمته،‭ ‬ودعا‭ ‬بطول‭ ‬العمر‭ ‬ودوام‭ ‬الصحة‭ ‬لحاكم‭ ‬البحرين‭ ‬وتوابعها‭. ‬وما‭ ‬لبث‭ ‬المستشفى‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬رافدًا‭ ‬مهمًا‭ ‬للخدمات‭ ‬الصحية،‭ ‬إذ‭ ‬قُدّر‭ ‬متوسط‭ ‬مرتاديه‭ ‬بين‭ ‬يناير‭ ‬ومارس‭ ‬1907م‭ ‬بنحو‭ ‬ثلاثين‭ ‬زائرًا‭ ‬يوميًا،‭ ‬وأشرف‭ ‬طبيبه‭ ‬المسؤول‭ ‬كذلك‭ ‬على‭ ‬مرافق‭ ‬الحجر‭ ‬الصحي‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬القضيبية،‭ ‬فيما‭ ‬تزايد‭ ‬الإقبال‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬أشهر‭ ‬الصيف‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يُغلق‭ ‬فيها‭ ‬مستشفى‭ ‬ميسون‭ ‬التذكاري‭.   ‬

وتزامن‭ ‬مع‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬المستشفيين‭ ‬افتتاح‭ ‬صيدليةٍ‭ ‬متخصصةٍ‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬عام‭ ‬1910م‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬علي‭ ‬أحمد‭ ‬يتيم،‭ ‬الذي‭ ‬تعلّم‭ ‬أساسيات‭ ‬الصيدلة‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬عليكرة‭ ‬بالهند،‭ ‬لتكتمل‭ ‬بذلك‭ ‬ملامح‭ ‬منظومةٍ‭ ‬صحيةٍ‭ ‬حديثةٍ‭ ‬ناشئةٍ‭.  ‬

 

عيادة‭ ‬المحرق‭ ‬والدكتور‭ ‬بندركار

امتدت‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬لتشمل‭ ‬المحرق،‭ ‬إذ‭ ‬افتتحت‭ ‬حكومة‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1924م‭ ‬عيادةً‭ ‬حكوميةً‭ ‬مجانيةً‭ ‬فيها،‭ ‬تيسيرًا‭ ‬على‭ ‬أهلها‭. ‬وارتبط‭ ‬اسم‭ ‬هذه‭ ‬العيادة‭ ‬بالدكتور‭ ‬بندركار،‭ ‬الطبيب‭ ‬الهندي‭ ‬الذي‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬1925م‭ ‬بعد‭ ‬رحلةٍ‭ ‬استغرقت‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬يومًا،‭ ‬وتولى‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬العيادة‭ ‬الحكومية‭ ‬بالمحرق‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬ذاته‭. ‬

وقد‭ ‬ترك‭ ‬لنا‭ ‬الدكتور‭ ‬بندركار‭ ‬وصفًا‭ ‬حيًا‭ ‬لتلك‭ ‬البدايات،‭ ‬فذكر‭ ‬أن‭ ‬المستوصف‭ ‬له‭ ‬بابٌ‭ ‬كبيرٌ‭ ‬في‭ ‬مقدمته‭ ‬ونافذةٌ‭ ‬صغيرةٌ‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬جوانبه‭. ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬المكان‭ ‬انطلقت‭ ‬مسيرةٌ‭ ‬امتدت‭ ‬نحو‭ ‬ثلاثين‭ ‬عامًا،‭ ‬اختلط‭ ‬خلالها‭ ‬بأهل‭ ‬البحرين‭ ‬فأحبهم‭ ‬وأحبوه،‭ ‬حتى‭ ‬غدا‭ ‬اسمه‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬ذاكرة‭ ‬التاريخ‭ ‬الصحي‭ ‬الحديث‭ ‬للبلاد‭. ‬وقد‭ ‬حظي‭ ‬بشرف‭ ‬لقاء‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬غير‭ ‬مرةٍ،‭ ‬فوصفه‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬كان‭ ‬عظمته‭ ‬رجلًا‭ ‬كريمًا‭ ‬للغاية،‭ ‬واشتُهر‭ ‬بالكرم‭ ‬بين‭ ‬رعاياه‭ ‬والأجانب‭ ‬على‭ ‬حدٍّ‭ ‬سواء‮»‬‭.  ‬

 

البوم‭ ‬العائم‭ ‬والدكتور‭ ‬هولمز‭   ‬

ومن‭ ‬أسبق‭ ‬ما‭ ‬شهده‭ ‬ذلك‭ ‬العهد‭ ‬من‭ ‬مبادراتٍ‭ ‬صحيةٍ،‭ ‬ما‭ ‬أقدمت‭ ‬عليه‭ ‬حكومة‭ ‬البحرين‭ ‬عام‭ ‬1924م‭ ‬حين‭ ‬اقتنت‭ ‬سفينةً‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬‮«‬البوم‮»‬‭ ‬من‭ ‬الكويت،‭ ‬وحوّلتها‭ ‬إلى‭ ‬مستشفًى‭ ‬عائمٍ‭ ‬يُرافق‭ ‬أساطيل‭ ‬الغوص‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬البحر‭ ‬لعلاج‭ ‬الغواصين‭ ‬خلال‭ ‬موسمهم،‭ ‬فكان‭ ‬فريدًا‭ ‬من‭ ‬نوعه‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬والمنطقة‭. ‬وعمل‭ ‬على‭ ‬متنه‭ ‬الدكتور‭ ‬رالف‭ ‬هولمز،‭ ‬الذي‭ ‬التحق‭ ‬بمستشفى‭ ‬فيكتوريا‭ ‬التذكاري‭ ‬في‭ ‬24‭ ‬سبتمبر‭ ‬1923م،‭ ‬وأعاد‭ ‬إليه‭ ‬بدماثة‭ ‬خلقه‭ ‬وحسن‭ ‬معاملته‭ ‬للمرضى‭ ‬ومعرفته‭ ‬الجيدة‭ ‬بالعربية‭ ‬مكانته‭ ‬بين‭ ‬الأهالي،‭ ‬حتى‭ ‬اختاره‭ ‬المغفور‭ ‬له‭ ‬بإذن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬نائب‭ ‬الحاكم،‭ ‬طيب‭ ‬الله‭ ‬ثراه،‭ ‬مستشارًا‭ ‬صحيًا‭. ‬وكان‭ ‬الغواصون‭ ‬يسبحون‭ ‬مسافاتٍ‭ ‬طويلةً‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى‭ ‬العائم‭ ‬والانتفاع‭ ‬بخدماته،‭ ‬وقد‭ ‬عالج‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1928م‭ ‬وحده‭ ‬نحو‭ ‬917‭ ‬حالةً،‭ ‬كما‭ ‬عمل‭ ‬الدكتور‭ ‬بندركار‭ ‬أيضًا‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬هذا‭ ‬المستشفى‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬1925م‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬1938م،‭ ‬واستُبدل‭ ‬البوم‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1932م‭ ‬بسفينةٍ‭ ‬أكثر‭ ‬تطورًا‭ ‬مزودةٍ‭ ‬بمحرك‭. ‬ويختصر‭ ‬الدكتور‭ ‬بندركار‭ ‬أثر‭ ‬تلك‭ ‬المبادرة‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬الغواصين‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬وجدتُ‭ ‬الجميع‭ ‬متعاونين‭ ‬معي‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬درجةٍ،‭ ‬وكانوا‭ ‬يشعرون‭ ‬بالعرفان‭ ‬لهذه‭ ‬الرعاية‭ ‬الطبية‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬توفيرها‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬مبادرةٍ‭ ‬من‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة‮»‬‭. ‬

 

ماريون‭ ‬ويلز‭ ‬توماس‭.. ‬أول‭ ‬مستشفى‭ ‬للنساء‭ ‬والأطفال

ومن‭ ‬بين‭ ‬المشروعات‭ ‬الرائدة‭ ‬التي‭ ‬أبصرت‭ ‬النور‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬افتتاح‭ ‬مستشفى‭ ‬ماريون‭ ‬ويلز‭ ‬توماس‭ ‬التذكاري‭ ‬عام‭ ‬1927م،‭ ‬أول‭ ‬مستشفى‭ ‬متخصصٍ‭ ‬للنساء‭ ‬والأطفال‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬ومنطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭. ‬وتعود‭ ‬فكرته‭ ‬إلى‭ ‬الفترة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1924م‭ ‬و1925م،‭ ‬حين‭ ‬لاحظ‭ ‬الدكتور‭ ‬لويس‭ ‬دام‭ ‬من‭ ‬مستشفى‭ ‬ميسون‭ ‬التذكاري‭ ‬تزايد‭ ‬إقبال‭ ‬النساء‭ ‬من‭ ‬البحرين،‭ ‬ومن‭ ‬القادمات‭ ‬إليها‭ ‬خصيصًا‭ ‬للتداوي‭ ‬من‭ ‬أرجاء‭ ‬المنطقة،‭ ‬فتقرر‭ ‬إقامة‭ ‬صرحٍ‭ ‬خاصٍّ‭ ‬بهن‭. ‬واستلهامًا‭ ‬من‭ ‬نهج‭ ‬والده‭ ‬في‭ ‬البذل‭ ‬وحب‭ ‬الخير،‭ ‬تبرع‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬نائب‭ ‬الحاكم،‭ ‬بمبلغٍ‭ ‬سخيٍّ‭ ‬دعمًا‭ ‬للمشروع،‭ ‬وأوعز‭ ‬بهبة‭ ‬قطعة‭ ‬أرضٍ‭ ‬من‭ ‬حكومة‭ ‬البحرين‭ ‬لضمها‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬المستشفى،‭ ‬فيما‭ ‬استُوردت‭ ‬المعدات‭ ‬الطبية‭ ‬خصيصًا‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭. ‬

وقد‭ ‬حمل‭ ‬المستشفى‭ ‬اسم‭ ‬الدكتورة‭ ‬ماريون‭ ‬ويلز‭ ‬توماس‭ ‬التي‭ ‬عملت‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬زوجها‭ ‬الدكتور‭ ‬شارون‭ ‬توماس،‭ ‬ورحلت‭ ‬في‭ ‬25‭ ‬أبريل‭ ‬1905م،‭ ‬ودُفنت‭ ‬في‭ ‬المقبرة‭ ‬المسيحية‭ ‬القديمة‭ ‬بالمنامة،‭ ‬تلك‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬وهبها‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬قبل‭ ‬أربع‭ ‬سنواتٍ‭ ‬من‭ ‬رحيلها‭. ‬وهو‭ ‬المبنى‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬يتحول‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬متحفٍ‭ ‬للرعاية‭ ‬الصحية،‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬فصلٍ‭ ‬إنسانيٍّ‭ ‬رفيعٍ‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬الوطن‭.  ‬

 

البحرين‭ ‬مقصد

‭ ‬الاستشفاء‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬

لقد‭ ‬أسهمت‭ ‬هذه‭ ‬الصروح‭ ‬مجتمعةً‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تغدو‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬طيب‭ ‬الله‭ ‬ثراه،‭ ‬مقصدًا‭ ‬للتداوي‭ ‬من‭ ‬شتى‭ ‬أنحاء‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬وبلغ‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬جرى‭ ‬تطبيبهن‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬ماريون‭ ‬ويلز‭ ‬توماس‭ ‬التذكاري‭ ‬عام‭ ‬1932م‭ ‬نحو‭ ‬16‭,‬606‭ ‬حالاتٍ‭ ‬خارجيةٍ،‭ ‬و308‭ ‬حالاتٍ‭ ‬داخليةٍ‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬1931م،‭ ‬وهو‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬رحيل‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة،‭ ‬عالج‭ ‬مستشفى‭ ‬ميسون‭ ‬التذكاري‭ ‬نحو‭ ‬34‭,‬243‭ ‬مريضًا‭ ‬وأجرى‭ ‬419‭ ‬عمليةً‭ ‬جراحيةً،‭ ‬فيما‭ ‬استقبلت‭ ‬العيادات‭ ‬الخارجية‭ ‬لمستشفى‭ ‬فيكتوريا‭ ‬التذكاري‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬ذاته‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬13‭,‬070‭ ‬مريضًا،‭ ‬وأُجريت‭ ‬فيه‭ ‬1‭,‬038‭ ‬عمليةً‭ ‬جراحيةً‭ ‬كبرى‭ ‬وصغرى،‭ ‬وتشير‭ ‬هذه‭ ‬الأعداد‭ ‬إلى‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬بلغتها‭ ‬الخدمات‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬البحرين‭.  ‬

وامتدت‭ ‬الرعاية‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬جدران‭ ‬المستشفيات،‭ ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1923م‭ ‬وُفّرت‭ ‬أول‭ ‬سيارةٍ‭ ‬طبيةٍ‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬جرى‭ ‬تحويلها‭ ‬لتكون‭ ‬سيارة‭ ‬إسعاف،‭ ‬وخُصص‭ ‬يومٌ‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬للتجوال‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬ربوع‭ ‬البحرين‭ ‬لعلاج‭ ‬الرجال‭ ‬والنساء‭ ‬والأطفال،‭ ‬فكان‭ ‬بوق‭ ‬السيارة‭ ‬يُعلن‭ ‬للأهالي‭ ‬قدوم‭ ‬الرعاية‭ ‬إلى‭ ‬أبواب‭ ‬أحيائهم‭.      ‬

في‭ ‬عام‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير‭.. ‬قراءةٌ‭ ‬في‭ ‬المسيرة

إن‭ ‬هذه‭ ‬الصروح‭ ‬الصحية‭ ‬تُذكّرنا‭ ‬بأن‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬صاحب‭ ‬العظمة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬طيب‭ ‬الله‭ ‬ثراه،‭ ‬كانت‭ ‬سبّاقةً‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬ينفع‭ ‬الإنسان،‭ ‬وأن‭ ‬حاكمها‭ ‬الحكيم‭ ‬أدرك‭ ‬ببصيرته‭ ‬النافذة‭ ‬أن‭ ‬صحة‭ ‬الناس‭ ‬أساس‭ ‬نهضتهم،‭ ‬وأن‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬علوم‭ ‬العصر‭ ‬يتكامل‭ ‬مع‭ ‬الأصالة‭ ‬والتمسك‭ ‬بالثوابت‭. ‬لقد‭ ‬فتح‭ ‬عظمته‭ ‬أبواب‭ ‬بلاده‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬حمل‭ ‬علمًا‭ ‬نافعًا،‭ ‬واحتضن‭ ‬بأبوّته‭ ‬الجميع،‭ ‬فكانت‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬عهده‭ ‬ملاذًا‭ ‬للمريض،‭ ‬ودارًا‭ ‬للضيف،‭ ‬وأنموذجًا‭ ‬للتسامح‭ ‬والتعايش‭ ‬سبق‭ ‬به‭ ‬زمانه،‭ ‬فسلامٌ‭ ‬على‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير،‭ ‬الذي‭ ‬غرس‭ ‬فأثمر‭ ‬غرسه،‭ ‬وبنى‭ ‬فبقي‭ ‬بناؤه‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬حكمته‭ ‬وعظمته‭.  ‬

وفي‭ ‬‮«‬عام‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير‮»‬،‭ ‬ونحن‭ ‬نستحضر‭ ‬هذه‭ ‬السيرة‭ ‬العطرة،‭ ‬نُدرك‭ ‬أن‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬اليوم،‭ ‬بقيادة‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬وبدعمٍ‭ ‬ومساندةٍ‭ ‬متواصلةٍ‭ ‬من‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء،‭ ‬حفظه‭ ‬الله،‭ ‬تمضي‭ ‬على‭ ‬النهج‭ ‬ذاته،‭ ‬فتصون‭ ‬ذاكرتها‭ ‬الطبية‭ ‬وتبني‭ ‬للمستقبل‭ ‬صروحًا‭ ‬تواكب‭ ‬أحدث‭ ‬ما‭ ‬بلغه‭ ‬العلم،‭ ‬وتجعل‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬محور‭ ‬التنمية‭ ‬وغايتها،‭ ‬فطوبى‭ ‬لوطنٍ‭ ‬يحفظ‭ ‬لأوائله‭ ‬فضلهم،‭ ‬ويسير‭ ‬على‭ ‬دربهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬حاضرٍ‭ ‬زاهرٍ‭ ‬ومستقبلٍ‭ ‬واعدٍ،‭ ‬تبقى‭ ‬فيه‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬الدوام،‭ ‬واحةً‭ ‬للخير‭ ‬ومنارةً‭ ‬للعطاء‭.  ‬

 

{ عميد‭ ‬كلية‭ ‬عبدالله‭ ‬بن‭ ‬خالد‭ ‬للدراسات‭ ‬الإسلامية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا