في يوم الأمم المتحدة، لا نحتفي بمؤسسة دولية فحسب، بل بفكرة بسيطة في جوهرها عظيمة في أثرها، صمدت أمام تقلبات العقود وتحديات الأزمنة، وهي أن مستقبل البشرية حتمًا لا يُبنى إلا بالتعاون بين الشعوب والأمم. وفي عالم تتسارع فيه التحولات وتتداخل فيه التحديات، تبدو هذه الفكرة أكثر وضوحًا وإلحاحاً من أي وقت مضى. فالنزاعات التي تشتعل في بقعة من العالم تمتد آثارها إلى ما وراء حدودها، وتغير المناخ لا يعترف بالجغرافيا، والتحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي باتا يعيدان تشكيل اقتصاداتنا ومجتمعاتنا بوتيرة غير مسبوقة. وفي مواجهة هذه التحديات، لا يكفي أن تعمل الدول منفردة، بل تصبح الشراكة والتضامن والمسؤولية المشتركة ضرورة لا غنى عنها.
ولعل ما يجمع بين مملكة البحرين والأمم المتحدة هو الإيمان الراسخ بأن السلام والتنمية ليسا مسارين منفصلين، بل وجهين لحقيقة واحدة، وأنه حيث يسود السلام تزدهر المجتمعات، وحيث تتوسع فرص التنمية تترسخ مقومات الاستقرار. وقد أكدت مملكة البحرين في كلمتها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين أن السلام العادل والاستقرار المستدام هما السبيل الأمثل إلى حياة كريمة لشعوب العالم، وأنه لا يمكن قطعا الفصل بين الأمن والازدهار. وقد عبّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن هذه الحقيقة بوضوح عندما دعا في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى عالم قائم على التعاون والترابط واحترام القانون الدولي، لا على الانقسام والاستقطاب.
لقد اختارت مملكة البحرين، منذ عقود، أن تستثمر في العنصر البشري باعتباره الثروة الأغلى والضمانة الحقيقية للمستقبل. وتجسد رؤية البحرين الاقتصادية 2030 هذا التوجه من خلال التركيز على التنمية المستدامة والابتكار والتعليم وتمكين المرأة والشباب وتعزيز جودة الحياة، وهي أولويات تتناغم بصورة طبيعية مع أهداف التنمية المستدامة التي اعتمدتها الأمم المتحدة باعتبارها خارطة طريق مشتركة نحو مستقبل أكثر عدلاً وازدهاراً وشمولاً.
وفي هذا الإطار، شهدت العلاقة بين مملكة البحرين ومنظومة الأمم المتحدة تطوراً مطّرداً خلال السنوات الأخيرة، حيث تحول التعاون إلى شراكة استراتيجية تسعى إلى تسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتعزيز القدرة على الاستجابة لتحديات الحاضر والاستعداد لفرص المستقبل. ومنذ توقيع إطار الشراكة الاستراتيجية للتنمية المستدامة بين مملكة البحرين والأمم المتحدة في ديسمبر 2024، لا تزال المبادرات والبرامج الملموسة تمس حياة الناس وتستشرف المستقبل، وتتواصل الجهود، من خلال الشراكات بين المؤسسات الوطنية ومنظومة الأمم المتحدة لدعم التحول الرقمي، وتعزيز فرص الشباب، وتمكين النساء، وتطوير السياسات الداعمة للاستدامة والتنمية الاقتصادية الشاملة، إلى جانب توسيع العمل المشترك في مجالات الصحة والتعليم والمناخ والبيئة والابتكار. ويعكس هذا التعاون المتنامي قناعة مشتركة بأن تحقيق أهداف التنمية المستدامة لا يقوم على الخطط وحدها، بل على الشراكات الفاعلة التي تجمع الخبرة الدولية بالإرادة الوطنية، وتحوّل الطموحات إلى نتائج يشعر بها الإنسان في حياته اليومية.
وجاء انتخاب البحرين للعضوية غير الدائمة لمجلس الأمن للفترة 2026-2027 ليعزز دور المملكة في مجال الدبلوماسية المتعددة الأطراف. وبمبادرة من البحرين ونيابة عن دول مجلس التعاون والأردن، تم استصدار قرار مجلس الأمن 2817 لسنة 2026 الذي أدان الهجمات الإيرانية على عدد من دول المنطقة، وطالب بوقفها على الفور، وأكد وجوب احترام ممارسة سفن النقل والسفن التجارية للحقوق والحريات الملاحية وفقا للقانون الدولي، ولا سيما حول الطرق البحرية الحيوية. وقد شاركت في رعاية مشروع القرار المقدم من البحرين 136 دولة عضوا بالأمم المتحدة.
كما أن تجربة مملكة البحرين الوطنية ورسالة الأمم المتحدة العالمية تتشاركان في ترسيخ قيم التعايش والتسامح وإيلائهما أهمية قصوى. فالمملكة التي احتضنت عبر تاريخها تنوعاً دينياً وثقافياً غنياً، تؤمن بأن التعددية ليست تحدياً يجب تجاوزه، بل مصدر قوة وجب البناء عليه. ومن هذا المنطلق أطلقت مملكة البحرين العديد من المبادرات والمؤسسات التي تكرس ثقافة الاحترام المتبادل والتعايش السلمي في مقدمتها مبادرتها إلى إرساء اليوم الدولي للتعايش السلمي الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة وتم الاحتفال به لأول مرة هذه السنة.
واليوم، بينما تتشكل ملامح عالم جديد بفعل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، تتجدد الحاجة إلى التعاون الدولي القائم على المسؤولية والرؤية المشتركة. فالابتكار ينبغي أن يكون جسراً للتقدم الإنساني لا مصدراً لمزيد من الانقسام، والتكنولوجيا يجب أن تكون في خدمة الإنسان، ضامنة لكرامته وحقوقه. وفي هذا المجال أيضاً تتقاطع رؤى مملكة البحرين المتمثلة في دعوة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي عهد رئيس مجلس الوزراء إلى إقرار معاهدة دولية لتنظيم وحوكمة تطوير الذكاء الاصطناعي في خطابة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها التاسعة والسبعين والأمم المتحدة في أهمية بناء أطر عالمية من شأنها توجيه هذه التحولات لضمان التنمية والسلام والرفاه الإنساني.
ومع اقتراب عام 2030، يواجه العالم تحدياً مزدوجاً يتمثل في ضرورة تسريع وتيرة التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتعزيز الثقة العامة في قدرة العمل متعدد الأطراف على إحداث التغيير المنشود. غير أن ما يدعو إلى التفاؤل هو أن الشراكات الفاعلة، عندما تُبنى على رؤية مشتركة وإرادة صادقة، كما هو حال الشراكة بين مملكة البحرين والأمم المتحدة، قادرة على تحويل التحديات إلى فرص حقيقية والطموحات إلى إنجازات ملموسة.
إن يوم الأمم المتحدة يذكرنا بأن أعظم منجزات البشرية لم تكن ثمرة العزلة، بل ثمرة التعاون. ويذكرنا كذلك بأن السلام ليس مجرد غياب النزاعات، إنما هو تكريس للعدالة والتنمية والكرامة الإنسانية. ومن هذا المنطلق، فإن الشراكة الطويلة الأمد بين مملكة البحرين والأمم المتحدة هي تكريس عملي لإيمان مشترك بأن مستقبل الإنسانية يصنعه العمل الجماعي، وأن ما يجمع الشعوب أكبر بكثير مما يفرقها. وفي هذه المناسبة، نجدد التزامنا بمواصلة هذا المسار المشترك؛ مسار الاستثمار في الأمن والسلم الدوليين، وتعزيز التنمية المستدامة، وتكريس حقوق الإنسان، وترسيخ قيم السلام والتعايش، وبناء مستقبل تتسع فيه الفرص للجميع، ولا يتخلف فيه أحد عن الركب. فبعد واحد وثمانين عاماً على تأسيس الأمم المتحدة، لا تزال الفكرة التي قامت عليها المنظمة حية وملهمة: أن مستقبلنا المشترك يبدأ عندما نختار أن نعمل سويًّا.
وزير خارجية مملكة البحرين
المنسق المقيم للأمم المتحدة في البحرين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك