العدد : ١٧٧٤٦ - السبت ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٦ - السبت ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقالات

نجوم تحت الأضواء
ليس كل انتظار ينتهي كما نشتهي

بقلم: فاطمة اليوسف.

الجمعة ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

كم‭ ‬مرة‭ ‬انتظرنا‭ ‬نهاية‭ ‬فيلم‭ ‬قديم،‭ ‬ونحن‭ ‬نعرف‭ ‬في‭ ‬أعماقنا‭ ‬أن‭ ‬الحكاية‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تنصف‭ ‬أبطالها،‭ ‬وأن‭ ‬الدموع‭ ‬التي‭ ‬ذرفناها‭ ‬معهم‭ ‬ستجد‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬الفرح؟‭ ‬وكم‭ ‬مرة‭ ‬تمنينا‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬باب،‭ ‬أو‭ ‬يعود‭ ‬غائب،‭ ‬أو‭ ‬تنكشف‭ ‬حقيقة،‭ ‬فيهدأ‭ ‬قلب‭ ‬عاش‭ ‬طويلًا‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬الانتظار؟

للسينما‭ ‬العربية‭ ‬القديمة‭ ‬حكاية‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬النهايات‭ ‬السعيدة؛‭ ‬فقد‭ ‬منحت‭ ‬جمهورها،‭ ‬في‭ ‬أفلام‭ ‬كثيرة،‭ ‬فسحة‭ ‬من‭ ‬الأمل،‭ ‬وجعلت‭ ‬من‭ ‬الفرج‭ ‬مكافأة‭ ‬بعد‭ ‬الخوف‭ ‬والفقر‭ ‬والظلم‭ ‬وسوء‭ ‬الحظ‭. ‬كانت‭ ‬الحكايات‭ ‬تمضي‭ ‬بأبطالها‭ ‬في‭ ‬طرق‭ ‬شاقة،‭ ‬تتعثر‭ ‬فيها‭ ‬الأحلام،‭ ‬وتختبر‭ ‬فيها‭ ‬المحبة،‭ ‬ثم‭ ‬تأتي‭ ‬لحظة‭ ‬الانفراج‭ ‬التي‭ ‬ينتظرها‭ ‬المشاهد،‭ ‬فيتنفس‭ ‬الصعداء‭ ‬كأنه‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬نجا‭ ‬من‭ ‬المحنة‭.‬

في‭ ‬فيلم‭ (‬رد‭ ‬قلبي‭) ‬عام‭ ‬1957،‭ ‬نتابع‭ ‬قصة‭ ‬حب‭ ‬علي‭ ‬وإنجي،‭ ‬التي‭ ‬تصطدم‭ ‬بالفوارق‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والظروف‭ ‬القاسية‭. ‬ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬الأحداث،‭ ‬يصبح‭ ‬انتظار‭ ‬اللقاء‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬حكاية‭ ‬تتشابك‭ ‬فيها‭ ‬العاطفة‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬ارتباطهما‭. ‬يقدم‭ ‬الفيلم‭ ‬صورة‭ ‬عن‭ ‬الحب‭ ‬الذي‭ ‬يظل‭ ‬متمسكًا‭ ‬بأمله،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬يعترض‭ ‬طريقه‭ ‬من‭ ‬عوائق‭.‬

كانت‭ ‬تلك‭ ‬النهايات‭ ‬تمنح‭ ‬المتفرج‭ ‬متعة‭ ‬الانتظار؛‭ ‬فكلما‭ ‬اشتدت‭ ‬المحنة،‭ ‬ازداد‭ ‬تعلقه‭ ‬باللحظة‭ ‬التي‭ ‬تنفرج‭ ‬فيها‭ ‬الحكاية‭. ‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬أبقى‭ ‬بعض‭ ‬الأفلام‭ ‬القديمة‭ ‬حيّة‭ ‬في‭ ‬الذاكرة،‭ ‬إذ‭ ‬كانت‭ ‬تترك‭ ‬لنا‭ ‬فرصة‭ ‬أن‭ ‬نفرح‭ ‬بعد‭ ‬حزن،‭ ‬وأن‭ ‬نصدق،‭ ‬ولو‭ ‬لساعتين،‭ ‬أن‭ ‬العدالة‭ ‬قد‭ ‬تصل،‭ ‬وأن‭ ‬الغائب‭ ‬قد‭ ‬يعود،‭ ‬وأن‭ ‬القلوب‭ ‬التي‭ ‬أتعبها‭ ‬الانتظار‭ ‬قد‭ ‬تجد‭ ‬ما‭ ‬يطمئنها‭.‬

لكن‭ ‬هل‭ ‬كل‭ ‬النهايات‭ ‬سعيدة‭ ‬حقًا؟‭ ‬وهل‭ ‬السعادة‭ ‬أن‭ ‬يجتمع‭ ‬الحبيبان،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬ينجو‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬علاقة‭ ‬أرهقته؟‭ ‬وهل‭ ‬تعني‭ ‬النهاية‭ ‬السعيدة‭ ‬أن‭ ‬يحصل‭ ‬الأبطال‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أرادوه‭ ‬منذ‭ ‬البداية،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬يكتشفوا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬انتظروه‭ ‬طويلًا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ما‭ ‬يحتاجونه؟

في‭ ‬الحياة،‭ ‬لا‭ ‬تُكتب‭ ‬النهايات‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬الموسيقى‭ ‬التصويرية،‭ ‬ولا‭ ‬تفتح‭ ‬الأبواب‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬نفقد‭ ‬فيها‭ ‬الأمل‭. ‬بعض‭ ‬الانتظارات‭ ‬تنتهي‭ ‬بلقاء،‭ ‬وبعضها‭ ‬ينتهي‭ ‬بحقيقة‭ ‬مؤلمة،‭ ‬وأخرى‭ ‬تنتهي‭ ‬حين‭ ‬نقرر‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬الانتظار‭. ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬الفرج‭ ‬في‭ ‬رحيل‭ ‬يحمينا،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬اعتذار‭ ‬طال‭ ‬غيابه،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬نستعيدها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ظننا‭ ‬أننا‭ ‬فقدناها‭.‬

أعتقد‭ ‬أننا‭ ‬أحببنا‭ ‬السينما‭ ‬القديمة‭ ‬لأنها‭ ‬كانت‭ ‬تمنحنا‭ ‬ما‭ ‬نفتقده‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬أحيانًا؛‭ ‬فرصة‭ ‬لنرى‭ ‬الانتظار‭ ‬ينتهي‭ ‬بعناق،‭ ‬والدموع‭ ‬تفسح‭ ‬مكانًا‭ ‬للفرح،‭ ‬والقلوب‭ ‬التي‭ ‬أرهقها‭ ‬البعد‭ ‬تجد‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬اللقاء‭. ‬كنا‭ ‬نخرج‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الحكايات‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬الطمأنينة،‭ ‬كأننا‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تصديق‭ ‬أن‭ ‬لكل‭ ‬حزن‭ ‬موعدًا‭ ‬مع‭ ‬الفرج،‭ ‬وأن‭ ‬ما‭ ‬تأخر‭ ‬قد‭ ‬يأتي،‭ ‬وما‭ ‬انكسر‭ ‬قد‭ ‬يلتئم‭.‬

لكن‭ ‬الحياة‭ ‬لا‭ ‬تلتزم‭ ‬دائمًا‭ ‬بالنهاية‭ ‬التي‭ ‬نتمناها،‭ ‬فقد‭ ‬ننتظر‭ ‬شخصًا‭ ‬لا‭ ‬يعود،‭ ‬وحلمًا‭ ‬لا‭ ‬يتحقق،‭ ‬وبابًا‭ ‬نظل‭ ‬نطرقه‭ ‬حتى‭ ‬تتعب‭ ‬أيدينا‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬قد‭ ‬تأتي‭ ‬السعادة‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬آخر،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬لم‭ ‬نحسب‭ ‬لها‭ ‬حسابًا،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬مستعدين‭ ‬لها‭.‬

وربما‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬أجمل‭ ‬النهايات‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬نحصل‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬انتظرناه‭ ‬طويلًا،‭ ‬بل‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬نكتشف‭ ‬فيها،‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الانتظار،‭ ‬أننا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نواصل‭ ‬الحياة‭ ‬بقلب‭ ‬أكثر‭ ‬نضجًا،‭ ‬وأن‭ ‬نفرح‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬فبعض‭ ‬الأبواب‭ ‬لا‭ ‬تُفتح‭ ‬مهما‭ ‬طال‭ ‬الوقوف‭ ‬أمامها،‭ ‬لكننا‭ ‬حين‭ ‬نلتفت‭ ‬عنها‭ ‬قد‭ ‬نرى‭ ‬نافذة‭ ‬كانت‭ ‬تنتظر‭ ‬أن‭ ‬نرفع‭ ‬أعيننا‭ ‬إليها‭.‬

Fatema.y.Alyusuf@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا