كم مرة انتظرنا نهاية فيلم قديم، ونحن نعرف في أعماقنا أن الحكاية لا بد أن تنصف أبطالها، وأن الدموع التي ذرفناها معهم ستجد طريقها إلى الفرح؟ وكم مرة تمنينا أن يفتح باب، أو يعود غائب، أو تنكشف حقيقة، فيهدأ قلب عاش طويلًا تحت وطأة الانتظار؟
للسينما العربية القديمة حكاية خاصة مع النهايات السعيدة؛ فقد منحت جمهورها، في أفلام كثيرة، فسحة من الأمل، وجعلت من الفرج مكافأة بعد الخوف والفقر والظلم وسوء الحظ. كانت الحكايات تمضي بأبطالها في طرق شاقة، تتعثر فيها الأحلام، وتختبر فيها المحبة، ثم تأتي لحظة الانفراج التي ينتظرها المشاهد، فيتنفس الصعداء كأنه هو من نجا من المحنة.
في فيلم (رد قلبي) عام 1957، نتابع قصة حب علي وإنجي، التي تصطدم بالفوارق الاجتماعية والظروف القاسية. ومع تصاعد الأحداث، يصبح انتظار اللقاء جزءًا من حكاية تتشابك فيها العاطفة مع التحولات الاجتماعية والسياسية، وصولًا إلى ارتباطهما. يقدم الفيلم صورة عن الحب الذي يظل متمسكًا بأمله، رغم ما يعترض طريقه من عوائق.
كانت تلك النهايات تمنح المتفرج متعة الانتظار؛ فكلما اشتدت المحنة، ازداد تعلقه باللحظة التي تنفرج فيها الحكاية. ولعل هذا ما أبقى بعض الأفلام القديمة حيّة في الذاكرة، إذ كانت تترك لنا فرصة أن نفرح بعد حزن، وأن نصدق، ولو لساعتين، أن العدالة قد تصل، وأن الغائب قد يعود، وأن القلوب التي أتعبها الانتظار قد تجد ما يطمئنها.
لكن هل كل النهايات سعيدة حقًا؟ وهل السعادة أن يجتمع الحبيبان، أم أن ينجو الإنسان من علاقة أرهقته؟ وهل تعني النهاية السعيدة أن يحصل الأبطال على ما أرادوه منذ البداية، أم أن يكتشفوا أن ما انتظروه طويلًا لم يكن ما يحتاجونه؟
في الحياة، لا تُكتب النهايات على إيقاع الموسيقى التصويرية، ولا تفتح الأبواب دائمًا في اللحظة التي نفقد فيها الأمل. بعض الانتظارات تنتهي بلقاء، وبعضها ينتهي بحقيقة مؤلمة، وأخرى تنتهي حين نقرر التوقف عن الانتظار. وقد يكون الفرج في رحيل يحمينا، أو في اعتذار طال غيابه، أو في قدرة نستعيدها بعد أن ظننا أننا فقدناها.
أعتقد أننا أحببنا السينما القديمة لأنها كانت تمنحنا ما نفتقده في الحياة أحيانًا؛ فرصة لنرى الانتظار ينتهي بعناق، والدموع تفسح مكانًا للفرح، والقلوب التي أرهقها البعد تجد طريقها إلى اللقاء. كنا نخرج من تلك الحكايات بشيء من الطمأنينة، كأننا نحتاج إلى تصديق أن لكل حزن موعدًا مع الفرج، وأن ما تأخر قد يأتي، وما انكسر قد يلتئم.
لكن الحياة لا تلتزم دائمًا بالنهاية التي نتمناها، فقد ننتظر شخصًا لا يعود، وحلمًا لا يتحقق، وبابًا نظل نطرقه حتى تتعب أيدينا. ومع ذلك، قد تأتي السعادة من مكان آخر، في لحظة لم نحسب لها حسابًا، أو في بداية لم نكن مستعدين لها.
وربما لا تكون أجمل النهايات تلك التي نحصل فيها على ما انتظرناه طويلًا، بل تلك التي نكتشف فيها، بعد كل هذا الانتظار، أننا نستطيع أن نواصل الحياة بقلب أكثر نضجًا، وأن نفرح من جديد. فبعض الأبواب لا تُفتح مهما طال الوقوف أمامها، لكننا حين نلتفت عنها قد نرى نافذة كانت تنتظر أن نرفع أعيننا إليها.
Fatema.y.Alyusuf@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك