العدد : ١٧٧٤٥ - الجمعة ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٥ - الجمعة ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقالات

لا تُكمل مهمة الذباب الإلكتروني

بقلم: عبير محمد طرار دهام

الجمعة ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

كم‭ ‬يؤلمُنا‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬شعوبًا‭ ‬متجاورةً‭ ‬تجمعُها‭ ‬القرابةُ‭ ‬والمصاهرةُ‭ ‬والذكريات،‭ ‬تتبادلُ‭ ‬السبَّ‭ ‬والقذفَ‭ ‬عبر‭ ‬الشاشات‭. ‬لو‭ ‬اجتمع‭ ‬أصحابُ‭ ‬هذه‭ ‬المعارك‭ ‬في‭ ‬مجلس،‭ ‬لاختلفوا‭ ‬دقائقَ‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يدفعُ‭ ‬الحسابَ،‭ ‬ثم‭ ‬خرجوا‭ ‬يتعازمون‭ ‬على‭ ‬العشاء‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي،‭ ‬فتتحول‭ ‬الضيافةُ‭ ‬إلى‭: ‬‮«‬أنتم‭ ‬أصلاً‮…»‬،‭ ‬ثم‭ ‬تُستدعى‭ ‬الأنسابُ‭ ‬والتاريخُ‭ ‬والجغرافيا،‭ ‬وربما‭ ‬نتيجة‭ ‬مباراة‭ ‬عمرها‭ ‬عشرون‭ ‬عامًا،‭ ‬وكُّل‭ ‬ذلك‭ ‬بسبب‭ ‬حسابٍ‭ ‬مجهول‭ ‬كتب‭ ‬كلمتين‭ ‬واختفى‭ ‬ليتركنا‭ ‬نؤدي‭ ‬بقيةَ‭ ‬المهمة‭!‬

صاحبُ‭ ‬الحسابِ‭ ‬المحرض‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬نعرفُ‭ ‬اسمَه،‭ ‬ولا‭ ‬مكانه،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬شخصا‭ ‬واحدا‭. ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬حسابا‭ ‬مستعارا،‭ ‬أو‭ ‬كاتبا‭ ‬مستفزا،‭ ‬أو‭ ‬فريقا‭ ‬يعمل‭ ‬بنظام‭ ‬المناوبات‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬نمنحه‭ ‬تفويضًا‭ ‬ليتحدثَ‭ ‬باسم‭ ‬شعبٍ‭ ‬كامل‭. ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يضعَ‭ ‬علما‭ ‬في‭ ‬صورته‭ ‬حتى‭ ‬نبدأ‭ ‬بمحاسبة‭ ‬بلد‭ ‬بأكمله،‭ ‬وكأن‭ ‬أهلَه‭ ‬اجتمعوا‭ ‬بعد‭ ‬صلاة‭ ‬العصر،‭ ‬واختاروه‭ ‬بالإجماع‭ ‬ليتولى‭ ‬إزعاجَ‭ ‬الجيران‭!‬

هنا‭ ‬يبتسمُ‭ ‬الذبابُ‭ ‬الإلكتروني‭. ‬ينشرُ‭ ‬الإساءةَ،‭ ‬ثم‭ ‬يتركنا‭ ‬نتولى‭ ‬التوزيعَ‭ ‬والشرحَ‭ ‬وإضافة‭ ‬البهارات‭. ‬يبدأ‭ ‬المنشورُ‭ ‬بجملة،‭ ‬وينتهي‭ ‬بموسوعة‭ ‬من‭ ‬الشتائم،‭ ‬وكل‭ ‬مشارك‭ ‬يحرصُ‭ ‬على‭ ‬ألا‭ ‬يأتي‭ ‬دوره‭ ‬خالي‭ ‬الوفاض‭.‬

والأغرب‭ ‬أن‭ ‬معظمَنا‭ ‬يظن‭ ‬أنه‭ ‬يدافع‭ ‬عن‭ ‬وطنه‭. ‬لكن‭ ‬أي‭ ‬خدمة‭ ‬نقدمها‭ ‬للوطن‭ ‬حين‭ ‬نهين‭ ‬شعبًا‭ ‬شقيقًا؟‭ ‬وكيف‭ ‬نحمي‭ ‬مكانته‭ ‬بكلام‭ ‬نخجل‭ ‬من‭ ‬قوله‭ ‬أمام‭ ‬أطفالنا،‭ ‬ثم‭ ‬ننشره‭ ‬أمام‭ ‬الجميع‭ ‬ونضع‭ ‬العلم‭ ‬في‭ ‬آخره؟

الغضبُ‭ ‬الصادقُ‭ ‬قد‭ ‬يُستغل،‭ ‬والنيةُ‭ ‬الطيبة‭ ‬لا‭ ‬تضمن‭ ‬نتيجة‭ ‬طيبة‭. ‬قد‭ ‬تدخل‭ ‬للرد‭ ‬على‭ ‬محرض،‭ ‬فتخرج‭ ‬وقد‭ ‬جرحت‭ ‬أناساً‭ ‬لم‭ ‬يقولوا‭ ‬شيئاً،‭ ‬ولا‭ ‬يعرفون‭ ‬أصلاً‭ ‬أن‭ ‬معركة‭ ‬اندلعت‭ ‬باسمهم‭.‬

لذلك‭ ‬نحتاجُ‭ ‬إلى‭ ‬التغافل‭ ‬عن‭ ‬الاستدراج،‭ ‬لا‭ ‬عن‭ ‬الخطأ‭. ‬اقرأ،‭ ‬وافهم،‭ ‬واغضب‭ ‬قليلاً،‭ ‬ثم‭ ‬اسأل‭ ‬نفسك‭: ‬هل‭ ‬يستحق‭ ‬هذا‭ ‬الحساب‭ ‬أن‭ ‬أضيَّع‭ ‬وقتي؟‭ ‬ليس‭ ‬مطلوباً‭ ‬أن‭ ‬تثبت‭ ‬وطنيتك‭ ‬في‭ ‬اختبار‭ ‬مفاجئ‭ ‬يضعه‭ ‬لك‭ ‬مجهول‭ ‬عند‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭.‬

والتغافل‭ ‬صعب،‭ ‬خصوصاً‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬الرد‭ ‬جاهزاً‭ ‬وفيه‭ ‬جملة‭ ‬نظن‭ ‬أنها‭ ‬ستنهي‭ ‬النقاش‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭. ‬ننشرها،‭ ‬فنكتشف‭ ‬أن‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬يملك‭ ‬حساباً‭ ‬ثانياً‭ ‬ووقتاً‭ ‬إضافياً‭ ‬واستعداداً‭ ‬للعمل‭ ‬بنظام‭ ‬المناوبات،‭ ‬بينما‭ ‬لدينا‭ ‬دوام‭ ‬وأهل‭ ‬وحياة‭ ‬تعطلت‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬شخص‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬حتى‭ ‬اسمه‭ ‬الحقيقي‭.‬

ومن‭ ‬المفارقات‭ ‬أن‭ ‬نعيد‭ ‬نشر‭ ‬الإساءة‭ ‬ونكتب‭: ‬‮«‬لا‭ ‬تعطوه‭ ‬اهتماماً‮»‬‭. ‬فنمنحه‭ ‬إعلاناً‭ ‬مجانياً،‭ ‬ونوصل‭ ‬كلامه‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يسمع‭ ‬به‭. ‬نحذر‭ ‬منه‭ ‬بحماس،‭ ‬ثم‭ ‬نرفع‭ ‬عدد‭ ‬مشاهداته‭ ‬خدمة‭ ‬لا‭ ‬يقدمها‭ ‬حتى‭ ‬أصدقاؤه‭!‬

ليس‭ ‬كل‭ ‬مخالف‭ ‬ذبابًا‭ ‬إلكترونيًّا،‭ ‬ولا‭ ‬كل‭ ‬نقد‭ ‬مؤامرة‭. ‬من‭ ‬حق‭ ‬الناس‭ ‬أن‭ ‬تختلفَ،‭ ‬لكن‭ ‬حين‭ ‬يتحول‭ ‬النقاشُ‭ ‬إلى‭ ‬إهانة‭ ‬شعوب،‭ ‬يصبح‭ ‬التوقف‭ ‬ضرورة‭. ‬يمكن‭ ‬توثيق‭ ‬الإساءة‭ ‬والإبلاغ‭ ‬عنها،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إعادة‭ ‬نشرها‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬رائجة‭.‬

بين‭ ‬أهلِ‭ ‬الخليج‭ ‬قرابةٌ‭ ‬ومصاهرة‭ ‬ومجالس‭ ‬وذكريات‭. ‬فلا‭ ‬يصح‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬رحماءَ‭ ‬وجهاً‭ ‬لوجه،‭ ‬وأقسى‭ ‬ما‭ ‬نكون‭ ‬خلفَ‭ ‬الشاشات‭.‬

صحّح‭ ‬حين‭ ‬يفيد‭ ‬التصحيح،‭ ‬وبلّغ‭ ‬حين‭ ‬يلزم،‭ ‬ثم‭ ‬أكمل‭ ‬يومك‭. ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬الذباب‭ ‬الإلكتروني‭ ‬بدأ‭ ‬الفتنة؛‭ ‬لا‭ ‬تتطوع‭ ‬لإكمال‭ ‬مهمته‭!‬

 

مهتمة‭ ‬بالحوكمة‭ ‬وتطوير‭ ‬الأداء‭ ‬المؤسسي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا