كم يؤلمُنا أن نرى شعوبًا متجاورةً تجمعُها القرابةُ والمصاهرةُ والذكريات، تتبادلُ السبَّ والقذفَ عبر الشاشات. لو اجتمع أصحابُ هذه المعارك في مجلس، لاختلفوا دقائقَ على من يدفعُ الحسابَ، ثم خرجوا يتعازمون على العشاء. أما في الفضاء الرقمي، فتتحول الضيافةُ إلى: «أنتم أصلاً…»، ثم تُستدعى الأنسابُ والتاريخُ والجغرافيا، وربما نتيجة مباراة عمرها عشرون عامًا، وكُّل ذلك بسبب حسابٍ مجهول كتب كلمتين واختفى ليتركنا نؤدي بقيةَ المهمة!
صاحبُ الحسابِ المحرض قد لا نعرفُ اسمَه، ولا مكانه، ولا حتى إن كان شخصا واحدا. ربما يكون حسابا مستعارا، أو كاتبا مستفزا، أو فريقا يعمل بنظام المناوبات. ومع ذلك، نمنحه تفويضًا ليتحدثَ باسم شعبٍ كامل. يكفي أن يضعَ علما في صورته حتى نبدأ بمحاسبة بلد بأكمله، وكأن أهلَه اجتمعوا بعد صلاة العصر، واختاروه بالإجماع ليتولى إزعاجَ الجيران!
هنا يبتسمُ الذبابُ الإلكتروني. ينشرُ الإساءةَ، ثم يتركنا نتولى التوزيعَ والشرحَ وإضافة البهارات. يبدأ المنشورُ بجملة، وينتهي بموسوعة من الشتائم، وكل مشارك يحرصُ على ألا يأتي دوره خالي الوفاض.
والأغرب أن معظمَنا يظن أنه يدافع عن وطنه. لكن أي خدمة نقدمها للوطن حين نهين شعبًا شقيقًا؟ وكيف نحمي مكانته بكلام نخجل من قوله أمام أطفالنا، ثم ننشره أمام الجميع ونضع العلم في آخره؟
الغضبُ الصادقُ قد يُستغل، والنيةُ الطيبة لا تضمن نتيجة طيبة. قد تدخل للرد على محرض، فتخرج وقد جرحت أناساً لم يقولوا شيئاً، ولا يعرفون أصلاً أن معركة اندلعت باسمهم.
لذلك نحتاجُ إلى التغافل عن الاستدراج، لا عن الخطأ. اقرأ، وافهم، واغضب قليلاً، ثم اسأل نفسك: هل يستحق هذا الحساب أن أضيَّع وقتي؟ ليس مطلوباً أن تثبت وطنيتك في اختبار مفاجئ يضعه لك مجهول عند منتصف الليل.
والتغافل صعب، خصوصاً حين يكون الرد جاهزاً وفيه جملة نظن أنها ستنهي النقاش إلى الأبد. ننشرها، فنكتشف أن الطرف الآخر يملك حساباً ثانياً ووقتاً إضافياً واستعداداً للعمل بنظام المناوبات، بينما لدينا دوام وأهل وحياة تعطلت من أجل شخص لا نعرف حتى اسمه الحقيقي.
ومن المفارقات أن نعيد نشر الإساءة ونكتب: «لا تعطوه اهتماماً». فنمنحه إعلاناً مجانياً، ونوصل كلامه إلى من لم يسمع به. نحذر منه بحماس، ثم نرفع عدد مشاهداته خدمة لا يقدمها حتى أصدقاؤه!
ليس كل مخالف ذبابًا إلكترونيًّا، ولا كل نقد مؤامرة. من حق الناس أن تختلفَ، لكن حين يتحول النقاشُ إلى إهانة شعوب، يصبح التوقف ضرورة. يمكن توثيق الإساءة والإبلاغ عنها، من دون إعادة نشرها وتحويلها إلى مادة رائجة.
بين أهلِ الخليج قرابةٌ ومصاهرة ومجالس وذكريات. فلا يصح أن نكون رحماءَ وجهاً لوجه، وأقسى ما نكون خلفَ الشاشات.
صحّح حين يفيد التصحيح، وبلّغ حين يلزم، ثم أكمل يومك. يكفي أن الذباب الإلكتروني بدأ الفتنة؛ لا تتطوع لإكمال مهمته!
مهتمة بالحوكمة وتطوير الأداء المؤسسي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك