في الاتصال السياسي، لا تُستخدم الكلمات لمجرد نقل المعلومات، بل لتوضيح المواقف، وإيصال الرسائل، وتحديد المسؤوليات. ومن بينها كلمة «بتوجيه»، التي تعني أن التحرك يستند إلى إرادة صادرة عن قيادة أو جهة مختصة، بما يمنحه طابعاً رسمياً ومؤسسياً، ويؤكد أن القرار ليس مجرد مبادرة عابرة.
وقد برزت هذه الدلالة في خطاب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، حين أعلن استعداد مصر لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المملكة العربية السعودية والدفاع عنها، وفقاً لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، كما دعا إلى عقد جلسة طارئة لمجلس النواب لمنحه التفويض اللازم، مؤكداً أن الهدف دفاعي وليس الهجوم على أي طرف. حيث ابدى مجلس الدفاع الوطني موافقته.
ومن منظور الاتصال السياسي، يحمل هذا الخطاب أكثر من رسالة، فهو أولا يعليّ قيمة ومكانة المملكة العربية السعودية كدولة لديها دبلوماسية ديناميكية في وقت الازمات، قادرة وفق إرادتها السياسية على صياغة التحالفات وطلب ما تبتغيه من الدول الشقيقة والصديقة بكل موثوقية، وثانيا يبرز سيادة الدولة المصرية وعدم تدخلها إلا حين يُطلب من رأس الدولة نفسها. وثالثا يعكس رسالة ردع لمن يثير الصراع ويلهب المنطقة، وهذا ما جعل الموقف المصري يمثل تجسيدا للتضامن في مواجهة التهديدات المشتركة. ويحظى بأصداء وإشادة واسعة من المجلس القيادي اليمني ورئيسه د. رشاد العليمي.
ثم إن الدلالة تتجه نحو تفاهمات وزيارات على مستوى قادة البلدين، وحرص مصر على حماية مكاسبها من قناة السويس التي تأثرت بتهديد الملاحة في البحر الحمر وباب المندب بعد تغول الحوثيين عليه، وهذا ما دفعها من قبل إلى المشاركة في مبادرة مجلس الدول العربية والافريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن في سنة 2020 للعمل على أمن واستقرار المجرى الملاحي، ويضم المجلس في عضويته السعودية – مصر – الأردن – السودان – اليمن – اريتريا – الصومال – جيبوتي. واتبع ذلك إنشاء تحالف دفاعي بحري متعدد الجنسيات بقيادة المملكة العربية السعودية، في 30 يوليو 2026، بمشاركة واسعة من دول المنطقة.
ولمصر تاريخ أيضا من المشاركات الدفاعية، ففي الستينيات شاركت في حرب اليمن، تلا ذلك مشاركتها بدعم عربي ودولي في حرب تحرير الكويت سنة 1990، ثم عاصفة الحزم 2015 حيث أسهمت بقطع بحرية وعناصر جوية دون قوات برية.
ما يفسر أن مصر تشارك بقوة حين تكون المهمة محددة، والغطاء واسعاً، وتتحفظ حين تتحول المهمة إلى حرب مفتوحة. لكن فيما لو تأكدت المشاركة المصرية في الظرف الحالي، فإنها بلا شك ستكون موضع تقدير خليجي وإقليمي، ومحط تأكيد أن المشاركة حتى لو كانت دفاعية محدودة، فستكون مكاسبها السياسية والاقتصادية كبيرة جدا.
ولعمري إن الظروف الحالية رغم ما تشهده من تصاعد ميداني، إلا انها ولله الحمد تكشف سياسيا وأمنيا عن بقاء التضامن وتوسيع دائرة التوافق حول المصالح المشتركة ومفهوم المخاطر التي تهدد مصالح الجميع والمجرى الملاحي.
وتبقى لغة السياسية عميقة لمن يفهم مغزاها ولا يبقى عند حدود الظاهر والشائع فقط.
@wejdanjassim

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك