العدد : ١٧٧٤٣ - الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٣ - الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقالات

مصر والخليج.. ومقاصد التوجيه

بقلم: د. وجدان فهد جاسم

الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬الاتصال‭ ‬السياسي،‭ ‬لا‭ ‬تُستخدم‭ ‬الكلمات‭ ‬لمجرد‭ ‬نقل‭ ‬المعلومات،‭ ‬بل‭ ‬لتوضيح‭ ‬المواقف،‭ ‬وإيصال‭ ‬الرسائل،‭ ‬وتحديد‭ ‬المسؤوليات‭. ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬بتوجيه‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬التحرك‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬إرادة‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬قيادة‭ ‬أو‭ ‬جهة‭ ‬مختصة،‭ ‬بما‭ ‬يمنحه‭ ‬طابعاً‭ ‬رسمياً‭ ‬ومؤسسياً،‭ ‬ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬القرار‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مبادرة‭ ‬عابرة‭.‬

وقد‭ ‬برزت‭ ‬هذه‭ ‬الدلالة‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬الرئيس‭ ‬المصري‭ ‬عبدالفتاح‭ ‬السيسي،‭ ‬حين‭ ‬أعلن‭ ‬استعداد‭ ‬مصر‭ ‬لاتخاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬اللازمة‭ ‬لحماية‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬والدفاع‭ ‬عنها،‭ ‬وفقاً‭ ‬لتوجيهات‭ ‬خادم‭ ‬الحرمين‭ ‬الشريفين‭ ‬الملك‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬وولي‭ ‬العهد‭ ‬الأمير‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬سلمان،‭ ‬كما‭ ‬دعا‭ ‬إلى‭ ‬عقد‭ ‬جلسة‭ ‬طارئة‭ ‬لمجلس‭ ‬النواب‭ ‬لمنحه‭ ‬التفويض‭ ‬اللازم،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬الهدف‭ ‬دفاعي‭ ‬وليس‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬طرف‭.  ‬حيث‭ ‬ابدى‭ ‬مجلس‭ ‬الدفاع‭ ‬الوطني‭ ‬موافقته‭.‬

ومن‭ ‬منظور‭ ‬الاتصال‭ ‬السياسي،‭ ‬يحمل‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬رسالة،‭ ‬فهو‭ ‬أولا‭ ‬يعليّ‭ ‬قيمة‭ ‬ومكانة‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬كدولة‭ ‬لديها‭ ‬دبلوماسية‭ ‬ديناميكية‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬الازمات،‭ ‬قادرة‭ ‬وفق‭ ‬إرادتها‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬صياغة‭ ‬التحالفات‭ ‬وطلب‭ ‬ما‭ ‬تبتغيه‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الشقيقة‭ ‬والصديقة‭ ‬بكل‭ ‬موثوقية،‭ ‬وثانيا‭ ‬يبرز‭ ‬سيادة‭ ‬الدولة‭ ‬المصرية‭ ‬وعدم‭ ‬تدخلها‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬يُطلب‭ ‬من‭ ‬رأس‭ ‬الدولة‭ ‬نفسها‭. ‬وثالثا‭ ‬يعكس‭ ‬رسالة‭ ‬ردع‭ ‬لمن‭ ‬يثير‭ ‬الصراع‭ ‬ويلهب‭ ‬المنطقة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الموقف‭ ‬المصري‭ ‬يمثل‭ ‬تجسيدا‭ ‬للتضامن‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التهديدات‭ ‬المشتركة‭. ‬ويحظى‭ ‬بأصداء‭ ‬وإشادة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المجلس‭ ‬القيادي‭ ‬اليمني‭ ‬ورئيسه‭ ‬د‭. ‬رشاد‭ ‬العليمي‭.‬

ثم‭ ‬إن‭ ‬الدلالة‭ ‬تتجه‭ ‬نحو‭ ‬تفاهمات‭ ‬وزيارات‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬قادة‭ ‬البلدين،‭ ‬وحرص‭ ‬مصر‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬مكاسبها‭ ‬من‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬التي‭ ‬تأثرت‭ ‬بتهديد‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الحمر‭ ‬وباب‭ ‬المندب‭ ‬بعد‭ ‬تغول‭ ‬الحوثيين‭ ‬عليه،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬دفعها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬إلى‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬مبادرة‭ ‬مجلس‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬والافريقية‭ ‬المطلة‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وخليج‭ ‬عدن‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬2020‭ ‬للعمل‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬واستقرار‭ ‬المجرى‭ ‬الملاحي،‭ ‬ويضم‭ ‬المجلس‭ ‬في‭ ‬عضويته‭ ‬السعودية‭ ‬–‭ ‬مصر‭ ‬–‭ ‬الأردن‭ ‬–‭ ‬السودان‭ ‬–‭ ‬اليمن‭ ‬–‭ ‬اريتريا‭ ‬–‭ ‬الصومال‭ ‬–‭ ‬جيبوتي‭. ‬واتبع‭ ‬ذلك‭ ‬إنشاء‭ ‬تحالف‭ ‬دفاعي‭ ‬بحري‭ ‬متعدد‭ ‬الجنسيات‭ ‬بقيادة‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية،‭ ‬في‭ ‬30‭ ‬يوليو‭ ‬2026،‭ ‬بمشاركة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭.‬

ولمصر‭ ‬تاريخ‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬المشاركات‭ ‬الدفاعية،‭ ‬ففي‭ ‬الستينيات‭ ‬شاركت‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬اليمن،‭ ‬تلا‭ ‬ذلك‭ ‬مشاركتها‭ ‬بدعم‭ ‬عربي‭ ‬ودولي‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬تحرير‭ ‬الكويت‭ ‬سنة‭ ‬1990،‭ ‬ثم‭ ‬عاصفة‭ ‬الحزم‭ ‬2015‭ ‬حيث‭ ‬أسهمت‭ ‬بقطع‭ ‬بحرية‭ ‬وعناصر‭ ‬جوية‭ ‬دون‭ ‬قوات‭ ‬برية‭.‬

ما‭ ‬يفسر‭ ‬أن‭ ‬مصر‭ ‬تشارك‭ ‬بقوة‭ ‬حين‭ ‬تكون‭ ‬المهمة‭ ‬محددة،‭ ‬والغطاء‭ ‬واسعاً،‭ ‬وتتحفظ‭ ‬حين‭ ‬تتحول‭ ‬المهمة‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬مفتوحة‭. ‬لكن‭ ‬فيما‭ ‬لو‭ ‬تأكدت‭ ‬المشاركة‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬الظرف‭ ‬الحالي،‭ ‬فإنها‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬ستكون‭ ‬موضع‭ ‬تقدير‭ ‬خليجي‭ ‬وإقليمي،‭ ‬ومحط‭ ‬تأكيد‭ ‬أن‭ ‬المشاركة‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬دفاعية‭ ‬محدودة،‭ ‬فستكون‭ ‬مكاسبها‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬كبيرة‭ ‬جدا‭.‬

ولعمري‭ ‬إن‭ ‬الظروف‭ ‬الحالية‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬تشهده‭ ‬من‭ ‬تصاعد‭ ‬ميداني،‭ ‬إلا‭ ‬انها‭ ‬ولله‭ ‬الحمد‭ ‬تكشف‭ ‬سياسيا‭ ‬وأمنيا‭ ‬عن‭ ‬بقاء‭ ‬التضامن‭ ‬وتوسيع‭ ‬دائرة‭ ‬التوافق‭ ‬حول‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬ومفهوم‭ ‬المخاطر‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬مصالح‭ ‬الجميع‭ ‬والمجرى‭ ‬الملاحي‭.‬

وتبقى‭ ‬لغة‭ ‬السياسية‭ ‬عميقة‭ ‬لمن‭ ‬يفهم‭ ‬مغزاها‭ ‬ولا‭ ‬يبقى‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الظاهر‭ ‬والشائع‭ ‬فقط‭.‬

 

@wejdanjassim

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا