أعادت المناقشات التي شهدتها الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين قبل أيام في بانكوك طرح سؤال يتجاوز قدرات الذكاء الاصطناعي إلى شروط الاستفادة منه: كيف نضمن أن يتحول التقدم التقني إلى مكاسب اقتصادية واجتماعية مستدامة؟ فقد حذرت كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة للصندوق، من أن مخاطره قد تفوق فرصه في غياب الضمانات الكافية والأساس الأخلاقي. ويؤكد هذا التحذير ضرورة مراجعة الحوكمة القائمة وتطويرها، بما يواكب سرعة انتشار التقنية واتساع تأثيرها في المؤسسات والمجتمعات.
وتنبع أهمية هذا النقاش من انتقال الذكاء الاصطناعي إلى موقع مؤثر في الاستثمار والإنتاج والخدمات. فالتوقعات بشأن قدرته على رفع الإنتاجية تحفز إنفاقاً واسعاً، لكن تحقيق العوائد يتوقف على جاهزية المؤسسات والبنية التحتية ومهارات العاملين. وإذا تأخرت المكاسب عن التوقعات، فقد تتراجع قيمة الاستثمارات وتتأثر الأسواق. ولذلك أصبحت الحوكمة قضية ترتبط بكفاءة تخصيص الموارد والاستقرار المالي، إلى جانب حماية المستخدمين.
ويكشف النقاش الدولي عن صعوبة إسناد مسؤولية الضبط إلى طرف واحد. فالشركات المطورة تمتلك المعرفة الأقرب بتقنياتها، لكنها تعمل تحت ضغط المنافسة وتسريع طرح المنتجات. والحكومات مسؤولة عن حماية المجتمع، إلا أن قدراتها التنظيمية قد تتأخر عن تطور التطبيقات. ومن هنا تبرز أهمية الجمع بين التزام الشركات، ورقابة عامة فعالة، وتقييم مستقل، وتعاون دولي يحد من الثغرات التي يسمح بها تفاوت القواعد بين الأسواق.
وقد اكتسب هذا الاتجاه دلالة واضحة عندما أكد جاك كلارك، أحد مؤسسي «أنثروبيك»، أن الالتزامات الطوعية وحدها لا تكفي، داعياً إلى معايير تعزز الثقة. فالإفصاح عن الاختبارات والاستعانة بمقيمين خارجيين خطوتان مهمتان، لكن فاعليتهما تتطلب قواعد تحدد ما يجب اختباره، وكيف تعالج النتائج، ومن يتحمل المسؤولية عند وقوع الضرر. كما ينبغي أن تستمر المتابعة بعد التشغيل، لأن بيئة الاستخدام قد تكشف مشكلات لم تظهر أثناء التجربة.
وتزداد الحاجة إلى هذه الضوابط مع انتقال بعض التطبيقات من تقديم المعلومات إلى تنفيذ مهام تؤثر في حياة الناس. فالخطأ في صياغة نص يختلف عن خطأ يؤثر في تمويل عميل أو تقييم طالب أو خدمة مريض. ولهذا ينبغي بناء الرقابة على حساسية الاستخدام وكلفة الخطأ، مع تشديد التحقق في المجالات المؤثرة في الحقوق والفرص، وتجنب فرض أعباء غير متناسبة على الاستخدامات البسيطة.
أما الأساس الأخلاقي الذي شددت عليه غورغييفا، فيحتاج إلى ترجمة مؤسسية واضحة: حماية البيانات، ومنع التمييز، وإتاحة الاعتراض، وضمان مراجعة بشرية للقرارات المهمة. ولا تكفي تسمية موظف للإشراف إذا لم يمتلك المعرفة والوقت والصلاحية للتدخل. كما أن شراء نظام من مورد خارجي لا يعفي المصرف أو المدرسة أو المستشفى من مسؤولياته تجاه المستفيدين.
وتشمل المراجعة أيضاً المخاطر المتوقعة، مثل الاحتيال والتزييف وتسريب المعلومات، والآثار المحتملة في الوظائف واستقلالية القرار. ويقتضي التقدير الرصين إعطاء الأضرار القائمة أولوية، والاستعداد للمخاطر الأوسع دون تهويل. وبالمثل، ينبغي قياس نجاح التطبيق بتحسن الخدمة والإنتاجية وانخفاض الأخطاء، بدلاً من الاكتفاء بعدد الأنظمة المشتراة أو المبادرات المعلنة.
ومن الضروري أن تتضمن عقود شراء هذه الأنظمة حق المؤسسة في التدقيق، والإبلاغ السريع عن الحوادث، وحماية بياناتها واستعادتها، والانتقال إلى بديل عند الحاجة. فالحوكمة تبدأ قبل التعاقد، وتؤثر في اختيار المورد وتحديد الصلاحيات وتكلفة الاعتماد عليه. وكلما أصبحت هذه المتطلبات جزءاً من قرارات الاستثمار، أمكن تقليل الخسائر وتعزيز قدرة المؤسسات على التعلم والتصحيح.
وفي دول الخليج العربي، يتيح وجود سياسات ومواثيق للذكاء الاصطناعي أساساً للبناء عليه. وتتمثل الأولوية في تعزيز التنفيذ داخل المؤسسات، وتأهيل الجهات الرقابية والعاملين، وتطوير قدرة مشتركة على تقييم ملاءمة التطبيقات للغة العربية والأنظمة المحلية. ويمكن البدء بالقطاعات المالية والصحية والتعليمية والخدمات الحكومية، حيث تتسع آثار القرارات وتزداد الحاجة إلى الثقة والمساءلة.
إن مراجعة حوكمة الذكاء الاصطناعي هي استثمار في استمرارية منافعه. فالقواعد الواضحة تساعد المؤسسات على التبني بثقة، وتحمي الأفراد، وتمنح الابتكار أساساً أكثر استقراراً. وتستطيع دول الخليج العربي تعظيم عوائد هذه التقنية عندما تربط التوسع فيها بقدرتها على التقييم والتصحيح والمساءلة، وبما تحققه فعلياً من قيمة للاقتصاد والمجتمع.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك