العدد : ١٧٧٤٣ - الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٣ - الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقالات

الحاجة إلى مراجعة حوكمة الذكاء الاصطناعي

بقلم: عدنان أحمد يوسف.

الاثنين ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

أعادت‭ ‬المناقشات‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬الاجتماعات‭ ‬السنوية‭ ‬لصندوق‭ ‬النقد‭ ‬والبنك‭ ‬الدوليين‭ ‬قبل‭ ‬أيام‭ ‬في‭ ‬بانكوك‭ ‬طرح‭ ‬سؤال‭ ‬يتجاوز‭ ‬قدرات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬إلى‭ ‬شروط‭ ‬الاستفادة‭ ‬منه‭: ‬كيف‭ ‬نضمن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬التقدم‭ ‬التقني‭ ‬إلى‭ ‬مكاسب‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬مستدامة؟‭ ‬فقد‭ ‬حذرت‭ ‬كريستالينا‭ ‬غورغييفا،‭ ‬المديرة‭ ‬العامة‭ ‬للصندوق،‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬مخاطره‭ ‬قد‭ ‬تفوق‭ ‬فرصه‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الضمانات‭ ‬الكافية‭ ‬والأساس‭ ‬الأخلاقي‭. ‬ويؤكد‭ ‬هذا‭ ‬التحذير‭ ‬ضرورة‭ ‬مراجعة‭ ‬الحوكمة‭ ‬القائمة‭ ‬وتطويرها،‭ ‬بما‭ ‬يواكب‭ ‬سرعة‭ ‬انتشار‭ ‬التقنية‭ ‬واتساع‭ ‬تأثيرها‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬والمجتمعات‭.‬

وتنبع‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬النقاش‭ ‬من‭ ‬انتقال‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬مؤثر‭ ‬في‭ ‬الاستثمار‭ ‬والإنتاج‭ ‬والخدمات‭. ‬فالتوقعات‭ ‬بشأن‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬رفع‭ ‬الإنتاجية‭ ‬تحفز‭ ‬إنفاقاً‭ ‬واسعاً،‭ ‬لكن‭ ‬تحقيق‭ ‬العوائد‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬جاهزية‭ ‬المؤسسات‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬ومهارات‭ ‬العاملين‭. ‬وإذا‭ ‬تأخرت‭ ‬المكاسب‭ ‬عن‭ ‬التوقعات،‭ ‬فقد‭ ‬تتراجع‭ ‬قيمة‭ ‬الاستثمارات‭ ‬وتتأثر‭ ‬الأسواق‭. ‬ولذلك‭ ‬أصبحت‭ ‬الحوكمة‭ ‬قضية‭ ‬ترتبط‭ ‬بكفاءة‭ ‬تخصيص‭ ‬الموارد‭ ‬والاستقرار‭ ‬المالي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬حماية‭ ‬المستخدمين‭.‬

ويكشف‭ ‬النقاش‭ ‬الدولي‭ ‬عن‭ ‬صعوبة‭ ‬إسناد‭ ‬مسؤولية‭ ‬الضبط‭ ‬إلى‭ ‬طرف‭ ‬واحد‭. ‬فالشركات‭ ‬المطورة‭ ‬تمتلك‭ ‬المعرفة‭ ‬الأقرب‭ ‬بتقنياتها،‭ ‬لكنها‭ ‬تعمل‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬المنافسة‭ ‬وتسريع‭ ‬طرح‭ ‬المنتجات‭. ‬والحكومات‭ ‬مسؤولة‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬المجتمع،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬قدراتها‭ ‬التنظيمية‭ ‬قد‭ ‬تتأخر‭ ‬عن‭ ‬تطور‭ ‬التطبيقات‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬التزام‭ ‬الشركات،‭ ‬ورقابة‭ ‬عامة‭ ‬فعالة،‭ ‬وتقييم‭ ‬مستقل،‭ ‬وتعاون‭ ‬دولي‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬الثغرات‭ ‬التي‭ ‬يسمح‭ ‬بها‭ ‬تفاوت‭ ‬القواعد‭ ‬بين‭ ‬الأسواق‭.‬

وقد‭ ‬اكتسب‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬دلالة‭ ‬واضحة‭ ‬عندما‭ ‬أكد‭ ‬جاك‭ ‬كلارك،‭ ‬أحد‭ ‬مؤسسي‭ ‬‮«‬أنثروبيك‮»‬،‭ ‬أن‭ ‬الالتزامات‭ ‬الطوعية‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬تكفي،‭ ‬داعياً‭ ‬إلى‭ ‬معايير‭ ‬تعزز‭ ‬الثقة‭. ‬فالإفصاح‭ ‬عن‭ ‬الاختبارات‭ ‬والاستعانة‭ ‬بمقيمين‭ ‬خارجيين‭ ‬خطوتان‭ ‬مهمتان،‭ ‬لكن‭ ‬فاعليتهما‭ ‬تتطلب‭ ‬قواعد‭ ‬تحدد‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬اختباره،‭ ‬وكيف‭ ‬تعالج‭ ‬النتائج،‭ ‬ومن‭ ‬يتحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬عند‭ ‬وقوع‭ ‬الضرر‭. ‬كما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تستمر‭ ‬المتابعة‭ ‬بعد‭ ‬التشغيل،‭ ‬لأن‭ ‬بيئة‭ ‬الاستخدام‭ ‬قد‭ ‬تكشف‭ ‬مشكلات‭ ‬لم‭ ‬تظهر‭ ‬أثناء‭ ‬التجربة‭.‬

وتزداد‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الضوابط‭ ‬مع‭ ‬انتقال‭ ‬بعض‭ ‬التطبيقات‭ ‬من‭ ‬تقديم‭ ‬المعلومات‭ ‬إلى‭ ‬تنفيذ‭ ‬مهام‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭. ‬فالخطأ‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬نص‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬خطأ‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬عميل‭ ‬أو‭ ‬تقييم‭ ‬طالب‭ ‬أو‭ ‬خدمة‭ ‬مريض‭. ‬ولهذا‭ ‬ينبغي‭ ‬بناء‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬حساسية‭ ‬الاستخدام‭ ‬وكلفة‭ ‬الخطأ،‭ ‬مع‭ ‬تشديد‭ ‬التحقق‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬الحقوق‭ ‬والفرص،‭ ‬وتجنب‭ ‬فرض‭ ‬أعباء‭ ‬غير‭ ‬متناسبة‭ ‬على‭ ‬الاستخدامات‭ ‬البسيطة‭.‬

أما‭ ‬الأساس‭ ‬الأخلاقي‭ ‬الذي‭ ‬شددت‭ ‬عليه‭ ‬غورغييفا،‭ ‬فيحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ترجمة‭ ‬مؤسسية‭ ‬واضحة‭: ‬حماية‭ ‬البيانات،‭ ‬ومنع‭ ‬التمييز،‭ ‬وإتاحة‭ ‬الاعتراض،‭ ‬وضمان‭ ‬مراجعة‭ ‬بشرية‭ ‬للقرارات‭ ‬المهمة‭. ‬ولا‭ ‬تكفي‭ ‬تسمية‭ ‬موظف‭ ‬للإشراف‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يمتلك‭ ‬المعرفة‭ ‬والوقت‭ ‬والصلاحية‭ ‬للتدخل‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬شراء‭ ‬نظام‭ ‬من‭ ‬مورد‭ ‬خارجي‭ ‬لا‭ ‬يعفي‭ ‬المصرف‭ ‬أو‭ ‬المدرسة‭ ‬أو‭ ‬المستشفى‭ ‬من‭ ‬مسؤولياته‭ ‬تجاه‭ ‬المستفيدين‭.‬

وتشمل‭ ‬المراجعة‭ ‬أيضاً‭ ‬المخاطر‭ ‬المتوقعة،‭ ‬مثل‭ ‬الاحتيال‭ ‬والتزييف‭ ‬وتسريب‭ ‬المعلومات،‭ ‬والآثار‭ ‬المحتملة‭ ‬في‭ ‬الوظائف‭ ‬واستقلالية‭ ‬القرار‭. ‬ويقتضي‭ ‬التقدير‭ ‬الرصين‭ ‬إعطاء‭ ‬الأضرار‭ ‬القائمة‭ ‬أولوية،‭ ‬والاستعداد‭ ‬للمخاطر‭ ‬الأوسع‭ ‬دون‭ ‬تهويل‭. ‬وبالمثل،‭ ‬ينبغي‭ ‬قياس‭ ‬نجاح‭ ‬التطبيق‭ ‬بتحسن‭ ‬الخدمة‭ ‬والإنتاجية‭ ‬وانخفاض‭ ‬الأخطاء،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بعدد‭ ‬الأنظمة‭ ‬المشتراة‭ ‬أو‭ ‬المبادرات‭ ‬المعلنة‭.‬

ومن‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬تتضمن‭ ‬عقود‭ ‬شراء‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة‭ ‬حق‭ ‬المؤسسة‭ ‬في‭ ‬التدقيق،‭ ‬والإبلاغ‭ ‬السريع‭ ‬عن‭ ‬الحوادث،‭ ‬وحماية‭ ‬بياناتها‭ ‬واستعادتها،‭ ‬والانتقال‭ ‬إلى‭ ‬بديل‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭. ‬فالحوكمة‭ ‬تبدأ‭ ‬قبل‭ ‬التعاقد،‭ ‬وتؤثر‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬المورد‭ ‬وتحديد‭ ‬الصلاحيات‭ ‬وتكلفة‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليه‭. ‬وكلما‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬المتطلبات‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬قرارات‭ ‬الاستثمار،‭ ‬أمكن‭ ‬تقليل‭ ‬الخسائر‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬التعلم‭ ‬والتصحيح‭.‬

وفي‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬يتيح‭ ‬وجود‭ ‬سياسات‭ ‬ومواثيق‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أساساً‭ ‬للبناء‭ ‬عليه‭. ‬وتتمثل‭ ‬الأولوية‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬التنفيذ‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وتأهيل‭ ‬الجهات‭ ‬الرقابية‭ ‬والعاملين،‭ ‬وتطوير‭ ‬قدرة‭ ‬مشتركة‭ ‬على‭ ‬تقييم‭ ‬ملاءمة‭ ‬التطبيقات‭ ‬للغة‭ ‬العربية‭ ‬والأنظمة‭ ‬المحلية‭. ‬ويمكن‭ ‬البدء‭ ‬بالقطاعات‭ ‬المالية‭ ‬والصحية‭ ‬والتعليمية‭ ‬والخدمات‭ ‬الحكومية،‭ ‬حيث‭ ‬تتسع‭ ‬آثار‭ ‬القرارات‭ ‬وتزداد‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الثقة‭ ‬والمساءلة‭.‬

إن‭ ‬مراجعة‭ ‬حوكمة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬هي‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬استمرارية‭ ‬منافعه‭. ‬فالقواعد‭ ‬الواضحة‭ ‬تساعد‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬التبني‭ ‬بثقة،‭ ‬وتحمي‭ ‬الأفراد،‭ ‬وتمنح‭ ‬الابتكار‭ ‬أساساً‭ ‬أكثر‭ ‬استقراراً‭. ‬وتستطيع‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬تعظيم‭ ‬عوائد‭ ‬هذه‭ ‬التقنية‭ ‬عندما‭ ‬تربط‭ ‬التوسع‭ ‬فيها‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬التقييم‭ ‬والتصحيح‭ ‬والمساءلة،‭ ‬وبما‭ ‬تحققه‭ ‬فعلياً‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬للاقتصاد‭ ‬والمجتمع‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا