في مستهل هذا المقال، نتقدم بأسمى آيات الشكر والتقدير والامتنان إلى مقام سيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، بمناسبة تفضل جلالته بافتتاح دور الانعقاد الخامس من الفصل التشريعي السادس لمجلسي الشورى والنواب، وما تضمنه الخطاب السامي من رؤى وتوجيهات وطنية تعزز مسيرة التنمية والتطوير. كما نعرب عن بالغ التقدير للجهود والمتابعة المستمرة من سيدي صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، في تطوير الأداء الحكومي وتعزيز كفاءة المؤسسات ودعم استدامة الاقتصاد الوطني.
وتأتي أهمية المرحلة المقبلة في مواصلة تطوير التشريعات الاقتصادية والإدارية بما يضمن الاستخدام الأمثل للموارد الوطنية وحماية المال العام. ومن بين المجالات التي تستحق الاهتمام تحديث المنظومة التشريعية والتنظيمية لإدارة أصول الدولة المؤجرة والممنوحة بحقوق الانتفاع، باعتبارها ثروة وطنية ينبغي المحافظة عليها وتعظيم عوائدها بما يخدم الاقتصاد والمجتمع والأجيال القادمة.
فالأراضي والعقارات والمرافق الحكومية التي يجري تأجيرها أو استثمارها تمثل أصولاً اقتصادية يمكن أن توفر إيرادات مستدامة للخزينة العامة، إلى جانب دورها في استقطاب الاستثمارات وتوفير فرص العمل وتنشيط الأنشطة التجارية والصناعية والخدمية. غير أن تحقيق هذه المنافع يتطلب إدارة مؤسسية متكاملة تقوم على وضوح العقود، وانتظام التحصيل، والرقابة، والتقييم العادل، والمساءلة.
ومن هنا، تبرز أهمية إجراء مراجعة شاملة لجميع المستندات والعقود المتعلقة بأصول الدولة المؤجرة وحقوق الانتفاع بها، للتأكد من سلامة البيانات القانونية والمالية، وتحديد مدد العقود وقيم الإيجارات والالتزامات ومواعيد السداد وشروط التجديد والإنهاء. كما يمكن إنشاء سجل رقمي موحد ومحدث لهذه الأصول، يربط الجهات الحكومية المعنية ويسهل متابعة الإيرادات المستحقة والمتأخرة، بما يقلل احتمالات ضياع الحقوق أو استمرار الالتزامات من دون متابعة فعالة.
ويعد انتظام تحصيل الإيرادات أحد أهم عناصر حماية المال العام، ولذلك يمكن دراسة تطوير أحكام تشريعية واضحة للتعامل مع حالات التأخر المتكرر عن السداد. ومن المقترحات في هذا الشأن اعتماد مدة لا تتجاوز ستة أشهر متتالية من عدم الوفاء بالالتزامات المالية المستحقة، تكون سبباً يجيز للجهة المختصة اتخاذ إجراءات إنهاء العقد واسترداد العقار أو حق الانتفاع، وفق ضوابط قانونية وإخطارات رسمية محددة.
ويمكن للتكنولوجيا أن تؤدي دوراً محورياً في هذه المنظومة، عبر إنشاء منصة إلكترونية لإدارة أصول الدولة، تشمل العقود والمستحقات ومواعيد السداد والتنبيهات الآلية وحالات التأخر والتقييمات والمزايدات. ومن شأن ربط هذه البيانات بأنظمة التحصيل والرقابة والتدقيق أن يوفر صورة دقيقة عن الأداء المالي لكل أصل، ويساعد على معالجة المخاطر مبكراً ورفع كفاءة اتخاذ القرار.
كما أن نجاح هذا التوجه يتطلب تحديد مسؤوليات الجهات القائمة على إدارة الأصول، ووضع مؤشرات أداء تقيس نسب التحصيل والمتأخرات ومعدلات الإشغال والعوائد الاستثمارية، مع مراجعة دورية للنتائج من الجهات الرقابية المختصة. فالغاية ليست زيادة الإيرادات بأي وسيلة، وإنما تحقيق التوازن بين حماية حقوق الدولة وتوفير بيئة استثمارية مستقرة وعادلة تشجع المستثمر الجاد وتكافئ الالتزام.
وفي المحصلة، فإن تحديث التشريعات والإجراءات المنظمة لتأجير أصول الدولة واستثمارها يمثل فرصة لتعظيم الإيرادات غير النفطية، وحماية المال العام، وتعزيز الشفافية والمنافسة، ورفع كفاءة استخدام الثروة الوطنية. ومن خلال تحديث العقود، وتطوير آليات التحصيل والاسترداد، وإعادة طرح الأصول بصورة عادلة، ومنع تضارب المصالح والاحتكار، يمكن تحويل إدارة الأصول العامة إلى رافد أكثر فاعلية للاقتصاد الوطني، بما يدعم الاستدامة المالية والتنمية الاقتصادية ويحفظ حقوق الأجيال القادمة.
{ ماجستير تنفيذي بالإدارة من المملكة المتحدة (EMBA)
عضو بمعهد المهندسين والتكنولوجيا البريطانية العالمية (MIET)

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك