تشكل الصحة النفسية جزءًا أصيلًا من رفاهية الإنسان على مر العصور، لذلك يحتفل العالم باليوم العالمي للصحة النفسية في العاشر من أكتوبر من كل عام لتسليط الضوء على قضايا الصحة النفسية وإزالة وصمة العار المرتبطة بالاضطرابات النفسية.
وعند التأمل في التاريخ، توقفنا رحلة المصريين القدماء الذين عرفوا مظاهر الاضطرابات النفسية وأدركوا أثرها على الجسد، واعتبروا أن «القلب» هو مركز العقل والعواطف والروح. من هنا يتضح أن العناية بالنفس لم تكن وليدة العصر الحديث، بل هي رحلة ممتدة عبر آلاف السنين، بدأت من معابد الفراعنة وبردياتهم حتى وصلت إلى المستشفيات والعيادات التخصصية المعاصرة.
بدأت العناية بالصحة النفسية في مصر القديمة منذ آلاف السنين، حيث دوّن المصري القديم بعض الاضطرابات النفسية التي كان يشعر بها، مثل الاكتئاب والقلق، في بردية (إيبرس وبردية إدوين سميث) قبل نحو 3400 سنة. كما تعامل الفراعنة مع مشاعر الإنسان بعمق ودقة؛ إذ وصفوا السعادة بتسعين مصطلحًا مختلفًا، واستخدموا مواد طبيعية ومهدئة للنفوس والتخفيف من حدة الاضطرابات. ولم تقف جهودهم عند هذا الحد، بل نصحوا المرضى بتفريغ ما يؤذيهم نفسيًّا عن طريق الكتابة والتعبير، وهو ما يُعرف اليوم بالتقنيات التفريغية والتدوين العلاجي. إضافة إلى ذلك، ابتكروا العلاج عبر الأحلام، حيث كان المرضى ينامون في المعبد وسط طقوس علاجية مخصصة للوصول إلى السلام الداخلي والاستبصار النفسي.
ومع تعاقب العصور، استمرت الاهتمامات الصحية في التطور لتتخذ طابعًا مؤسسيًا؛ حيث أنشأ أحمد بن طولون مستشفى ضم قسمًا خاصًا للمرضى النفسيين، ليكون من أوائل المستشفيات التي توفر رعاية متخصصة للأمراض النفسية والعقلية. وسار على هذا النهج السلطان قلاوون، حظيت الرعاية النفسية باهتمام بالغ وتم التعامل مع المرضى وفق معايير إنسانية وطبية متقدمة.
وفي التاريخ الحديث، قام الخديوي توفيق بتحويل قصر ملكي ليكون مستشفى العباسية للمرضى النفسيين في عام 1883، ليصبح هذا المشفى أحد أشهر وأعرق المؤسسات المتخصصة في تقديم العلاج النفسي في المنطقة.
واليوم، شهد المجتمع تحولًا فكريًا وثقافيًا كبيرًا؛ وأصبح أكثر دعمًا وتفهماً للطب النفسي، ومتحررًا من الوصمة القديمة المرتبطة به. لقد بات المرض النفسي أكثر قبولًا، وأصبح الذهاب إلى الطبيب النفسي بمثابة زيارة أي طبيب آخر في خطوة مهمة لبداية العلاج. كما أصبحت العيادات الحديثة مقصداً لكل من يبحث عن الدعم النفسي المتخصص والتوازن الذاتي.
إن رحلة المصريين من بردية ايبرس إلى العيادات الحديثة تؤكد أن الاهتمام بالصحة النفسية ليس رفاهية، بل هو إرث إنساني وثقافي أصيل يستحق الرعاية والدعم المستمر.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك