العدد : ١٧٧٣٥ - الثلاثاء ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٥ - الثلاثاء ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقالات

كلام في الصحة :
الحضارة المصرية والصحة النفسية

بقلم: لمياء إبراهيم سيد أحمد

الثلاثاء ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

تشكل‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬جزءًا‭ ‬أصيلًا‭ ‬من‭ ‬رفاهية‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬العصور،‭ ‬لذلك‭ ‬يحتفل‭ ‬العالم‭ ‬باليوم‭ ‬العالمي‭ ‬للصحة‭ ‬النفسية‭ ‬في‭ ‬العاشر‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬لتسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬قضايا‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬وإزالة‭ ‬وصمة‭ ‬العار‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالاضطرابات‭ ‬النفسية‭.‬

وعند‭ ‬التأمل‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬توقفنا‭ ‬رحلة‭ ‬المصريين‭ ‬القدماء‭ ‬الذين‭ ‬عرفوا‭ ‬مظاهر‭ ‬الاضطرابات‭ ‬النفسية‭ ‬وأدركوا‭ ‬أثرها‭ ‬على‭ ‬الجسد،‭ ‬واعتبروا‭ ‬أن‭ ‬‮«‬القلب‮»‬‭ ‬هو‭ ‬مركز‭ ‬العقل‭ ‬والعواطف‭ ‬والروح‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬العناية‭ ‬بالنفس‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬وليدة‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬رحلة‭ ‬ممتدة‭ ‬عبر‭ ‬آلاف‭ ‬السنين،‭ ‬بدأت‭ ‬من‭ ‬معابد‭ ‬الفراعنة‭ ‬وبردياتهم‭ ‬حتى‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬المستشفيات‭ ‬والعيادات‭ ‬التخصصية‭ ‬المعاصرة‭.‬

بدأت‭ ‬العناية‭ ‬بالصحة‭ ‬النفسية‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬القديمة‭ ‬منذ‭ ‬آلاف‭ ‬السنين،‭ ‬حيث‭ ‬دوّن‭ ‬المصري‭ ‬القديم‭ ‬بعض‭ ‬الاضطرابات‭ ‬النفسية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يشعر‭ ‬بها،‭ ‬مثل‭ ‬الاكتئاب‭ ‬والقلق،‭ ‬في‭ ‬بردية‭ (‬إيبرس‭ ‬وبردية‭ ‬إدوين‭ ‬سميث‭) ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬3400‭ ‬سنة‭. ‬كما‭ ‬تعامل‭ ‬الفراعنة‭ ‬مع‭ ‬مشاعر‭ ‬الإنسان‭ ‬بعمق‭ ‬ودقة؛‭ ‬إذ‭ ‬وصفوا‭ ‬السعادة‭ ‬بتسعين‭ ‬مصطلحًا‭ ‬مختلفًا،‭ ‬واستخدموا‭ ‬مواد‭ ‬طبيعية‭ ‬ومهدئة‭ ‬للنفوس‭ ‬والتخفيف‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬الاضطرابات‭. ‬ولم‭ ‬تقف‭ ‬جهودهم‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬بل‭ ‬نصحوا‭ ‬المرضى‭ ‬بتفريغ‭ ‬ما‭ ‬يؤذيهم‭ ‬نفسيًّا‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الكتابة‭ ‬والتعبير،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬اليوم‭ ‬بالتقنيات‭ ‬التفريغية‭ ‬والتدوين‭ ‬العلاجي‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬ابتكروا‭ ‬العلاج‭ ‬عبر‭ ‬الأحلام،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬المرضى‭ ‬ينامون‭ ‬في‭ ‬المعبد‭ ‬وسط‭ ‬طقوس‭ ‬علاجية‭ ‬مخصصة‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬السلام‭ ‬الداخلي‭ ‬والاستبصار‭ ‬النفسي‭.‬

ومع‭ ‬تعاقب‭ ‬العصور،‭ ‬استمرت‭ ‬الاهتمامات‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬التطور‭ ‬لتتخذ‭ ‬طابعًا‭ ‬مؤسسيًا؛‭ ‬حيث‭ ‬أنشأ‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬طولون‭ ‬مستشفى‭ ‬ضم‭ ‬قسمًا‭ ‬خاصًا‭ ‬للمرضى‭ ‬النفسيين،‭ ‬ليكون‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬المستشفيات‭ ‬التي‭ ‬توفر‭ ‬رعاية‭ ‬متخصصة‭ ‬للأمراض‭ ‬النفسية‭ ‬والعقلية‭. ‬وسار‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬السلطان‭ ‬قلاوون،‭ ‬حظيت‭ ‬الرعاية‭ ‬النفسية‭ ‬باهتمام‭ ‬بالغ‭ ‬وتم‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المرضى‭ ‬وفق‭ ‬معايير‭ ‬إنسانية‭ ‬وطبية‭ ‬متقدمة‭.‬

وفي‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث،‭ ‬قام‭ ‬الخديوي‭ ‬توفيق‭ ‬بتحويل‭ ‬قصر‭ ‬ملكي‭ ‬ليكون‭ ‬مستشفى‭ ‬العباسية‭ ‬للمرضى‭ ‬النفسيين‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1883،‭ ‬ليصبح‭ ‬هذا‭ ‬المشفى‭ ‬أحد‭ ‬أشهر‭ ‬وأعرق‭ ‬المؤسسات‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬العلاج‭ ‬النفسي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.  ‬

واليوم،‭ ‬شهد‭ ‬المجتمع‭ ‬تحولًا‭ ‬فكريًا‭ ‬وثقافيًا‭ ‬كبيرًا؛‭ ‬وأصبح‭ ‬أكثر‭ ‬دعمًا‭ ‬وتفهماً‭ ‬للطب‭ ‬النفسي،‭ ‬ومتحررًا‭ ‬من‭ ‬الوصمة‭ ‬القديمة‭ ‬المرتبطة‭ ‬به‭.‬‭ ‬لقد‭ ‬بات‭ ‬المرض‭ ‬النفسي‭ ‬أكثر‭ ‬قبولًا،‭ ‬وأصبح‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬الطبيب‭ ‬النفسي‭ ‬بمثابة‭ ‬زيارة‭ ‬أي‭ ‬طبيب‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬مهمة‭ ‬لبداية‭ ‬العلاج‭. ‬كما‭ ‬أصبحت‭ ‬العيادات‭ ‬الحديثة‭ ‬مقصداً‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الدعم‭ ‬النفسي‭ ‬المتخصص‭ ‬والتوازن‭ ‬الذاتي‭.‬

إن‭ ‬رحلة‭ ‬المصريين‭ ‬من‭ ‬بردية‭ ‬ايبرس‭ ‬إلى‭ ‬العيادات‭ ‬الحديثة‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالصحة‭ ‬النفسية‭ ‬ليس‭ ‬رفاهية،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬إرث‭ ‬إنساني‭ ‬وثقافي‭ ‬أصيل‭ ‬يستحق‭ ‬الرعاية‭ ‬والدعم‭ ‬المستمر‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا