
تمرّ بالأوطان لحظاتٌ يلتقي فيها الحاضر بجذوره، فيستعيد التاريخ صوته على لسان من يصنعون المستقبل، ومن هذه اللحظات ما عاشته مملكة البحرين يوم الأحد 11 أكتوبر 2026م، حين تفضل حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، بافتتاح دور الانعقاد الخامس من الفصل التشريعي السادس لمجلسي الشورى والنواب، ووجّه في خطابه السامي بأن يكون العام القادم «عام عيسى بن سلمان»، تخليدًا لسيرة المغفور له بإذن الله تعالى صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، طيب الله ثراه، «كقائدٍ وأبٍ للجميع، كرّس حياته لخدمة بلاده ونهضتها»، وجعله جلالته عامًا «تيمنًا بإرثه وتكريمًا لعطائه ومواصلةً لنهجه».
وتكتمل بهذا التوجيه السامي دائرةٌ من الوفاء افتتحها جلالته بتسمية عام 2026م «عام عيسى الكبير» احتفاءً بصاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، طيب الله ثراه، لينتقل الاحتفاء في العام الذي يليه إلى حفيده الذي حمل اسمه، فقد ولد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة في 3 يونيو 1933م، بعد أشهرٍ قليلةٍ من رحيل جده الأكبر، فجاءت تسميته تيمنًا به، وكأن الاسم وعدٌ بأن يتصل البناء جيلًا بعد جيل. وهي القراءة ذاتها التي قدّمها جلالته أيده الله تعالى في خطابه، حين نظر إلى تاريخ الوطن سلسلةً متصلة الحلقات؛ فمنذ عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة «تبلورت ملامح الدولة الحديثة، وتأسست قواعد الحكم الرشيد»، ثم توالت منجزات العمران في عهدي صاحبي العظمة الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة والشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، طيب الله ثراهما، وصولًا إلى عهد والد الجميع.
وأجدني، وقد أمضيت سنواتٍ في تتبّع هذه السيرة العطرة بين الوثائق الرسمية والصحف القديمة والمحفوظات، أقرأ الخطاب الملكي بعين الباحث المتأمل؛ فكل عبارةٍ فيه تختزل عقدًا من العمل، وكل وصفٍ يستند إلى شاهدٍ ثابتٍ في سجل الأيام.
مدرسة الحكم وعهد الأمانة
تربّى صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة في كنف جده صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة، ووالده صاحب العظمة الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، فتعلّم في مجالسهما أن الحكم قربٌ من الناس وإصغاءٌ إليهم. وأعدّه والده إعدادًا متدرجًا، فأناط به الإشراف على المجلس البلدي في المنامة عام 1956م، ثم ولاية العهد عام 1958م. وترأس عددًا من الزيارات الإقليمية والدولية المبكرة، فحمل اسم وطنه إلى العواصم شابًّا، واتسعت مداركه على العالم، وتمرّس بشؤون الدولة قبل أن يتولى أمانتها. وحين انتقل المغفور له بإذن الله تعالى صاحب العظمة الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، طيب الله ثراه، إلى جوار ربه في 2 نوفمبر 1961م، تولى عظمته مقاليد الحكم، وجرت مراسم الجلوس في 16 ديسمبر من العام نفسه وسط فرحةٍ شعبيةٍ عارمةٍ. وفي عام 1964م أسند ولاية العهد إلى نجله حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، ليكون السند والعضد في مسيرةٍ امتدت ما يقارب أربعة عقود.
مرحلةٌ جديدة وحضورٌ بين الأمم
في عام 1971م دخلت البحرين مرحلةً جديدةً من تاريخها، فتحول مجلس الدولة إلى أول مجلسٍ للوزراء برئاسة أخيه صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، رحمه الله، وانضمت البحرين إلى جامعة الدول العربية، وارتفع علمها في مقر الأمم المتحدة، ثم مضت إلى المنظمات والمؤسسات الدولية المتخصصة، ومنها صندوق النقد الدولي. وهي المسيرة التي أوجزها جلالته حفظه الله ورعاه، بأبلغ عبارةٍ في خطابه السامي، حين قال: إن البحرين في عهد والد الجميع «أثبتت حضورها كعضوٍ فاعلٍ في محيطها العربي والإقليمي، ورسخت مكانتها الدولية بانضمامها إلى الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة».
ومن أبلغ شواهد هذا الحضور أن البحرين نالت في عهده عضوية مجلس الأمن الدولي لأول مرةٍ في تاريخها لعامي 1998 – 1999م، واللافت أن جلالته، أيده الله تعالى، انتقل بعد إعلانه «عام عيسى بن سلمان» مباشرةً إلى الحديث عن عضوية مملكة البحرين غير الدائمة في مجلس الأمن، مؤكدًا أن «من هذا العمق التاريخي تستمد مملكة البحرين حضورها المعاصر»، فالمقعد الذي شغلته البحرين في عهد والد الجميع، تشغله اليوم بجدارةٍ لعامي 2026 – 2027م، ليجتمع الإرث والامتداد في «عام عيسى بن سلمان».
وعلى الصعيد الخليجي، كان صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة في طليعة القادة المؤسسين لمجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981م، مؤمنًا بأن ما يجمع أبناء الخليج العربي من وشائج الدين والقربى والتاريخ يجعل منهم أسرةً واحدةً يجمعها مصيرٌ مشترك. وتجسدت هذه الرؤية عام 1986م حين افتتح عظمته، مع أخيه المغفور له بإذن الله تعالى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود، طيب الله ثراه، جسر الملك فهد، فغدت البحرين موصولةً برًّا بشقيقتها الكبرى المملكة العربية السعودية. وظل صوت صاحب العظمة في القمم العربية صوت الحكمة الداعي إلى رأب الصدع وتوحيد الكلمة، فكانت البحرين في عهده سندًا لأشقائها في الشدائد، ونصيرًا لقضايا أمتها. وتجلّى ذلك في أصدق صوره حين وقفت البحرين وقفةً أخويةً راسخةً إلى جانب الأشقاء في دولة الكويت إثر العدوان العراقي الغاشم، ففتحت قلوبها وبيوتها للأسر الكويتية، وأسهم رجال قوة دفاع البحرين مع قوات التحالف في عملية تحرير الكويت عام 1991م، حتى عادت الكويت حرةً عزيزةً إلى أهلها.
عمران الأرض وبناء الإنسان
وصف حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، المسيرة الوطنية بأنها قامت «على الحكمة والانفتاح المتمدن والبناء الجاد للدولة والإنسان»، وهي مسيرةٌ عزز صاحب العظمة دعائمها، وامتدت في العهد الزاهر إلى آفاقٍ أرحب. ففي الاقتصاد أصدر صاحب العظمة الدينار البحريني عام 1965م رمزًا للسيادة النقدية، وأصدر في 5 ديسمبر 1973م مرسوم إنشاء «مؤسسة نقد البحرين»، التي أصبحت منذ عام 2006م «مصرف البحرين المركزي»، فتحولت المنامة إلى مركزٍ ماليٍّ تقصده المصارف من الشرق والغرب. وتنوعت مصادر الدخل بتأسيس شركة ألمنيوم البحرين (ألبا) أول مصهرٍ للألمنيوم في المنطقة، والحوض الجاف الذي احتضنته البحرين بالشراكة مع الأشقاء العرب، ومشروعات الغاز والصناعة. وفي العمران وضع حجر الأساس لمدينة عيسى عام 1963م، وافتتحها عام 1968م أول مدينةٍ حديثةٍ متكاملةٍ في البلاد، ثم تلتها مدينة حمد في الثمانينيات. وفي التعليم شهد عهده تأسيس كلية الخليج للتكنولوجيا، والكلية الجامعية للعلوم والآداب والتربية، ثم جامعة البحرين عام 1986م، فضلًا عن تأسيس جامعة الخليج العربي.
وفي الصحة ارتفع مجمع السلمانية الطبي والمستشفى العسكري، وتوالى تدشين المراكز الصحية الحديثة حتى امتدت شبكتها إلى مختلف مناطق البلاد، تُقرّب الرعاية من المواطنين والمقيمين في أحيائهم. وفي عام 1968م أمر بتأسيس قوة دفاع البحرين، درع الوطن الحصين وسياجه المنيع، الساهرة على أمنه واستقراره. وفي الثقافة والهوية شهد عهده تأسيس مركز الوثائق التاريخية، وافتتاح متحف البحرين الوطني، وهو ما يلتقي مع ما ورد في الخطاب السامي عن مملكة البحرين «الحريصة على صون إرثها الحضاري».
وأدرك صاحب العظمة مبكرًا أن موقع البحرين يجعلها بوابةً إلى العالم، فبعد أيامٍ من جلوسه افتتح في 21 ديسمبر 1961م مبنى المسافرين الجديد في مطار البحرين الدولي، الذي وضع حجر أساسه والده، طيب الله ثراه، وافتتح أيضًا جسر المحرق الجديد. ودعم عظمته شركة طيران الخليج وتحديث أسطولها بأحدث الطائرات، فغدت البحرين محطةً محوريةً في مسارات الطيران العابرة للقارات، وفي 21 يناير 1976م حطّت في مطار البحرين الدولي أول رحلةٍ تجاريةٍ مجدولةٍ لطائرة الكونكورد قادمةً من لندن، في يومٍ دشّن فيه العالم عصر الطيران التجاري الأسرع من الصوت. وفي 4 يناير 1997م افتتح عظمته الجسر الثاني الذي يربط بين العاصمة المنامة ومدينة المحرق، الذي حمل اسم «جسر الشيخ عيسى بن سلمان»، بأشرعته البيضاء التي تستحضر سفن الأجداد، ليغدو معلمًا يجمع بين الحداثة والهوية. وهذه الشواهد، وغيرها من الإنجازات التي لا حصر لها، ترسم ملامح عهدٍ جعل من البحرين جسرًا بين الشرق والغرب، برًّا وبحرًا وجوًّا.
منارة الفاتح وتعزيز الهوية الإسلامية
ومن أبرز شواهد عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، طيب الله ثراه، تشييد صرحٍ ينبض بالإيمان والعلم، فكان 15 ديسمبر 1983م موعد وضع حجر الأساس لمركز أحمد الفاتح الإسلامي في الجفير، وفاءً للشيخ أحمد بن محمد آل خليفة (الفاتح). وفي مساء يوم الخميس 2 يونيو 1988م، شمل صاحب العظمة برعايته الكريمة حفل افتتاح المركز، وأدى مع الحاضرين صلاة العشاء في رحاب الجامع، في مشهدٍ جمع عبق التاريخ وروحانية المكان.
وجاء المركز، كما أراده عظمته، إشعاعًا حضاريًّا متكاملًا يضم جامعًا يتسع لسبعة آلاف مصلٍّ، تعلوه منارتان ترتفعان سبعين مترًا، وتزيّنه نقوش العمارة الإسلامية وزخارفها ومشكاواتها. وقال عظمته في افتتاحه: «إن الجهود التي بُذلت لإعداد هذا الصرح كانت تهدف إلى أن يُصبح هذا الصرح مركزًا لإحياء علوم الدين والعلوم الشرعية بجانب احتوائه على المسجد الكبير.. حتى يُترجم هذا المركز السيرة الأولى لدور المساجد في صدر الإسلام». وأكد عظمته أن انتشار المساجد في كل مكانٍ في البحرين «يعكس بوضوح تمسك هذا الشعب المؤمن بربه وقيمه وتقاليده وأخلاقه»، في تعبيرٍ صادقٍ عن رؤيته في تعزيز الهوية الإسلامية للبحرين، التي كانت من أوائل البلدان التي استجابت لنور الإسلام؛ فحرص على رعاية بيوت الله تعالى وترميمها، وترسيخ قيم الدين الحنيف ووسطيته في نفوس الأجيال، لتبقى هوية البحرين العربية الإسلامية راسخةً متجددةً. وهكذا خلّدت البحرين ذكرى الفاتح بصرحٍ يتجدد عطاؤه، فهو منذ أكثر من ثمانيةٍ وثلاثين عامًا منارةٌ للعلم والهداية، وملتقىً للعلماء وطلبة العلم.
والد الجميع ومحبةٌ لا تغيب
«والد الجميع» وصفٌ صاغته قلوب البحرينيين، وجاء الخطاب السامي ليُخلّده في ذاكرة الوطن، فقد عرفه الناس في مجلسه اليومي أبًا وقائدًا، يستقبل الكبير والصغير، ويصغي إلى صاحب الحاجة حتى يقضيها، ويجعل من مجلسه جسرًا مباشرًا لأبناء شعبه. وعرفه الطلبة في الداخل والخارج راعيًا يتفقدهم ويحثهم على التحصيل، وعرفه المحتاج ملاذًا رحيمًا وعطاءً لا ينقطع. وكان شغوفًا بأصالة بيئته، يرعى الخيل العربية الأصيلة ويصون سلالاتها، ويحمي الحياة الفطرية. وختم جلالته خطابه السامي بقوله: «وستظل قلوبنا عامرةً بمحبة أبناء البحرين جميعًا، ومجالسنا مفتوحة الأبواب»، وهي عبارةٌ تختزل سيرة والد الجميع، وتشهد بأن نهجه الأبوي ما زال حيًّا متجددًا في العهد الزاهر.
وفي 6 مارس 1999م، رحل صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة إلى جوار ربه، بعد عمرٍ وهبه لوطنه وأبناء شعبه، فبكته القلوب قبل العيون، غير أن الكبار لا يرحلون، وتبقى آثارهم حاضرةً فيما غرسوا؛ فقد انتقلت الأمانة إلى حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، فمضى بالمسيرة على النهج الذي خطّه والده، يُعلي البناء، ويصون الإرث، ويرسم آفاق الغد.
في عام عيسى بن سلمان: قراءة في المسيرة
إن تخصيص عام 2027م لسيرة صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، طيب الله ثراه، دعوةٌ وطنيةٌ لأن تقرأ الأجيال الجديدة تاريخها من منابعه، وأن تُدرك أن ما تنعم به اليوم من مؤسساتٍ راسخةٍ وحضورٍ دوليٍّ مرموقٍ ثمرة غرسٍ صبورٍ امتد قرابة أربعة عقود. وهو كذلك تأكيدٌ أن الوفاء في مملكة البحرين نهج حكمٍ، وأن الدولة التي تُكرم صانعي مجدها تحصّن حاضرها وتضيء مستقبلها.
وفي «عام عيسى بن سلمان»، تمضي مملكة البحرين في مسيرتها التنموية الشاملة بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، وبمساندةٍ ودعمٍ متواصلٍ من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، واثقةً بإرثها، ثابتةً على نهجها، داعين المولى، كما دعا جلالته، أن يكون «عامًا للاستقرار والرخاء والأمل المتجدد في المستقبل المشرق». فسلامٌ على روح والد الجميع، وسقى الله ثراه غيث الرحمة والرضوان؛ فقد رسّخ أركان الدولة، وصنع حضورًا بين الأمم، وترك في قلوب أبنائه محبةً يتوارثونها جيلًا بعد جيل.
عميد كلية عبدالله بن خالد للدراسات الإسلامية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك