العدد : ١٧٧٣٤ - الاثنين ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٤ - الاثنين ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقالات

التنويع الاقتصادي والتكامل الخليجي

بقلم: عدنان أحمد يوسف.

الاثنين ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

ظل‭ ‬التنويع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لعقود‭ ‬محوراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬الخليجية،‭ ‬بهدف‭ ‬تخفيف‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬النفط،‭ ‬وتوسيع‭ ‬مصادر‭ ‬الدخل،‭ ‬وإيجاد‭ ‬فرص‭ ‬للعمل‭ ‬والاستثمار‭. ‬وقد‭ ‬أسهم‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الصناعة‭ ‬والسياحة‭ ‬والخدمات‭ ‬المالية‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الرقمي‭. ‬لكن‭ ‬الأحداث‭ ‬الراهنة‭ ‬أضافت‭ ‬بُعداً‭ ‬إلى‭ ‬معادلة‭ ‬التنمية‭: ‬فالقاعدة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المتنوعة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬وشبكات‭ ‬نقل‭ ‬وإمداد‭ ‬تضمن‭ ‬استمرار‭ ‬نشاطها‭ ‬ووصول‭ ‬منتجاتها‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭.‬

وتكمن‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تنوع‭ ‬القطاعات‭ ‬لا‭ ‬يضمن‭ ‬وحده‭ ‬تنوع‭ ‬مصادر‭ ‬الأمان‭ ‬الاقتصادي‭. ‬فقد‭ ‬تعمل‭ ‬المصانع‭ ‬والفنادق‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬أنشطة‭ ‬مختلفة،‭ ‬لكنها‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬ممرات‭ ‬متشابهة‭ ‬لاستيراد‭ ‬احتياجاتها‭ ‬وتصدير‭ ‬منتجاتها‭. ‬ولذلك‭ ‬تصبح‭ ‬كفاءة‭ ‬النقل‭ ‬وتعدد‭ ‬منافذه‭ ‬عنصراً‭ ‬مكملاً‭ ‬للتنويع،‭ ‬وأحد‭ ‬شروط‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬مكاسبه‭.‬

وقد‭ ‬أشار‭ ‬البنك‭ ‬الدولي،‭ ‬في‭ ‬تقريره‭ ‬الصادر‭ ‬في‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬2026،‭ ‬إلى‭ ‬امتداد‭ ‬تأثير‭ ‬اضطراب‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬إلى‭ ‬السياحة‭ ‬والطيران‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية،‭ ‬بما‭ ‬يوضح‭ ‬الترابط‭ ‬بين‭ ‬قطاعات‭ ‬الطاقة‭ ‬والأنشطة‭ ‬الأخرى‭. ‬وتدفع‭ ‬هذه‭ ‬القراءة‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬مفهوم‭ ‬التنمية‭ ‬ليشمل‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتجارة‭ ‬تحت‭ ‬ظروف‭ ‬متغيرة‭. ‬

وتؤكد‭ ‬التجربة‭ ‬قيمة‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬من‭ ‬تنويع‭ ‬اقتصادي‭. ‬فقد‭ ‬أكد‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬تقريره‭ ‬أن‭ ‬اتساع‭ ‬القطاع‭ ‬غير‭ ‬النفطي‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬والسعودية‭ ‬والإمارات‭ ‬ساعد‭ ‬على‭ ‬تخفيف‭ ‬أثر‭ ‬الصدمة‭. ‬كما‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬الاستثمارات‭ ‬السابقة‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية،‭ ‬وتنسيق‭ ‬التجارة‭ ‬إقليمياً،‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬تدفقات‭ ‬الإمداد‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬التداعيات‭ ‬الأوسع‭.‬

وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬النتيجة‭ ‬أهمية‭ ‬عند‭ ‬مقارنتها‭ ‬بحجم‭ ‬التحول‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الخليجي؛‭ ‬فقد‭ ‬أشار‭ ‬تقرير‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2026‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأنشطة‭ ‬غير‭ ‬النفطية‭ ‬أصبحت‭ ‬تمثل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬60‭% ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬لدول‭ ‬المجلس‭. ‬واتساع‭ ‬هذه‭ ‬القاعدة‭ ‬يجعل‭ ‬تطوير‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬ضرورة‭ ‬لحماية‭ ‬استثمارات‭ ‬متراكمة،‭ ‬وتمكينها‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬إنتاجية‭ ‬أعلى‭ ‬وأسواق‭ ‬أوسع‭. ‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬ينبغي‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬المشاريع‭ ‬التكاملية‭ ‬باعتبارها‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬التنويع‭ ‬نفسها‭. ‬فسكة‭ ‬الحديد‭ ‬الخليجية،‭ ‬والربط‭ ‬بين‭ ‬الموانئ،‭ ‬وتطوير‭ ‬الطرق‭ ‬ومراكز‭ ‬التخزين،‭ ‬توفر‭ ‬للمؤسسات‭ ‬خيارات‭ ‬أوسع‭ ‬لنقل‭ ‬مدخلاتها‭ ‬ومنتجاتها‭. ‬وقد‭ ‬أشار‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬استكمال‭ ‬سكة‭ ‬الحديد‭ ‬الخليجية‭ ‬والجسر‭ ‬البري‭ ‬السعودي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقلل‭ ‬خسائر‭ ‬تعطل‭ ‬هرمز،‭ ‬ويزيد‭ ‬الناتج‭ ‬حتى‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬المضيق‭ ‬مفتوحاً‭. ‬

وهذه‭ ‬نقطة‭ ‬جوهرية؛‭ ‬فالعائد‭ ‬من‭ ‬التكامل‭ ‬يتجاوز‭ ‬الاستجابة‭ ‬للطوارئ‭ ‬إلى‭ ‬تحسين‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬العادية‭. ‬إذ‭ ‬يستطيع‭ ‬انتظام‭ ‬النقل‭ ‬تقليص‭ ‬زمن‭ ‬التسليم‭ ‬والمخزون‭ ‬الذي‭ ‬تحتاجه‭ ‬الشركات،‭ ‬وتوسيع‭ ‬نطاق‭ ‬الموردين‭ ‬والعملاء،‭ ‬وجعل‭ ‬الاستثمار‭ ‬الصناعي‭ ‬أكثر‭ ‬جدوى‭. ‬وبذلك‭ ‬تتحول‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬المشتركة‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬لتنمية‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬وتعميق‭ ‬السوق‭ ‬الخليجية‭.‬

لكن‭ ‬تسريع‭ ‬المشاريع‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تكامل‭ ‬تشغيلي‭ ‬يوازي‭ ‬الإنشاءات‭. ‬فالقطار‭ ‬أو‭ ‬الطريق‭ ‬يفقد‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬فائدته‭ ‬عندما‭ ‬تواجه‭ ‬البضائع‭ ‬إجراءات‭ ‬متكررة،‭ ‬أو‭ ‬اشتراطات‭ ‬مختلفة،‭ ‬أو‭ ‬تأخيراً‭ ‬عند‭ ‬الحدود‭. ‬ولذلك‭ ‬تبرز‭ ‬ضرورة‭ ‬توحيد‭ ‬المستندات،‭ ‬وتسريع‭ ‬التخليص،‭ ‬والاعتراف‭ ‬المتبادل‭ ‬بالمواصفات،‭ ‬وربط‭ ‬المنصات‭ ‬الجمركية،‭ ‬وتسهيل‭ ‬حركة‭ ‬خدمات‭ ‬النقل‭ ‬والتأمين‭ ‬والتمويل‭.‬

كما‭ ‬يمكن‭ ‬توسيع‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬المخزون‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬للغذاء‭ ‬والدواء‭ ‬ومدخلات‭ ‬الصناعة،‭ ‬وربط‭ ‬مواقع‭ ‬التخزين‭ ‬بشبكات‭ ‬توزيع‭ ‬مشتركة‭. ‬ويتطلب‭ ‬ذلك‭ ‬معرفة‭ ‬خليجية‭ ‬أدق‭ ‬بالاحتياجات‭ ‬والطاقات‭ ‬المتاحة،‭ ‬واتفاقات‭ ‬واضحة‭ ‬تتيح‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها‭ ‬عند‭ ‬الضرورة‭. ‬وتستطيع‭ ‬هذه‭ ‬الترتيبات‭ ‬تقليل‭ ‬التكلفة‭ ‬وتحسين‭ ‬سرعة‭ ‬الاستجابة‭.‬

وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬التمويل،‭ ‬يستحسن‭ ‬إعطاء‭ ‬المشاريع‭ ‬المشتركة‭ ‬أولوية‭ ‬تعكس‭ ‬عائدها‭ ‬الإقليمي،‭ ‬مع‭ ‬فتح‭ ‬مجال‭ ‬أكبر‭ ‬للمصارف‭ ‬والمستثمرين‭ ‬والقطاع‭ ‬الخاص‭ ‬للمشاركة‭. ‬كما‭ ‬ينبغي‭ ‬اعتماد‭ ‬جداول‭ ‬تنفيذ‭ ‬معلنة‭ ‬ومؤشرات‭ ‬تقيس‭ ‬تحسن‭ ‬زمن‭ ‬النقل‭ ‬وتكلفته‭ ‬وحجم‭ ‬التجارة،‭ ‬حتى‭ ‬ترتبط‭ ‬المتابعة‭ ‬بالنتائج‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الفعلية‭.‬

وبالنسبة‭ ‬للبحرين،‭ ‬يمنح‭ ‬التكامل‭ ‬الأوسع‭ ‬مؤسساتها‭ ‬الصناعية‭ ‬والتجارية‭ ‬والخدمية‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬الخليجية،‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬تعدد‭ ‬المنافذ‭ ‬والموردين‭. ‬وتزداد‭ ‬هذه‭ ‬الفائدة‭ ‬للمؤسسات‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬خدمات‭ ‬نقل‭ ‬وتمويل‭ ‬موثوقة‭ ‬وميسرة‭ ‬لتوسيع‭ ‬أعمالها‭. ‬لقد‭ ‬رسخ‭ ‬التنويع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬قاعدة‭ ‬أوسع‭ ‬للنمو‭ ‬الخليجي،‭ ‬وتدعو‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬إلى‭ ‬تعزيزها‭ ‬بشبكات‭ ‬مشتركة‭ ‬تكفل‭ ‬استمرار‭ ‬النشاط‭ ‬وترفع‭ ‬كفاءته‭. ‬وتسريع‭ ‬المشاريع‭ ‬التكاملية،‭ ‬مقروناً‭ ‬بتنسيق‭ ‬أكبر‭ ‬للسياسات‭ ‬والإجراءات،‭ ‬يستطيع‭ ‬تحويل‭ ‬اقتصادات‭ ‬وطنية‭ ‬متنوعة‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬خليجية‭ ‬أشد‭ ‬ترابطاً‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا