العدد : ١٧٧٣٤ - الاثنين ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٤ - الاثنين ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقالات

الحمقى النافعون.. حين التقى الأحمر بالأخضر

بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الأحد ١١ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

من‭ ‬عجائب‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬أنها‭ ‬تُبصِّر‭ ‬صاحبَها‭ ‬بعيب‭ ‬خصمه،‭ ‬ثم‭ ‬تُعميه‭ ‬عن‭ ‬عيب‭ ‬حليفه؛‭ ‬فيستعظم‭ ‬الزلّة‭ ‬إذا‭ ‬صدرت‭ ‬من‭ ‬عدوّه،‭ ‬ويستصغر‭ ‬الخطيئة‭ ‬إذا‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬رفيقه،‭ ‬حتى‭ ‬يغدو‭ ‬المبدأ‭ ‬ميزانًا‭ ‬على‭ ‬غيره،‭ ‬وعذرًا‭ ‬لنفسه‭. ‬وهنا‭ ‬يبدأ‭ ‬الخلل‭: ‬حين‭ ‬تتحول‭ ‬الخصومة‭ ‬من‭ ‬موقفٍ‭ ‬إلى‭ ‬عقيدة،‭ ‬والتحالف‭ ‬من‭ ‬وسيلةٍ‭ ‬إلى‭ ‬غاية،‭ ‬فيصير‭ ‬عدوُّ‭ ‬العدو‭ ‬صديقًا،‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬فكره‭ ‬نقيضًا،‭ ‬وفي‭ ‬منهجه‭ ‬خصيمًا،‭ ‬وفي‭ ‬مآله‭ ‬خطرًا‭ ‬مستطيرًا‭.‬

وليس‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يلتقي‭ ‬المختلفون‭ ‬عجب؛‭ ‬فالسياسة‭ ‬تجمع‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭ ‬ما‭ ‬فرَّقته‭ ‬العقيدة،‭ ‬وتدني‭ ‬عند‭ ‬المصلحة‭ ‬ما‭ ‬باعدته‭ ‬الفكرة،‭ ‬ولكن‭ ‬العجب‭ ‬أن‭ ‬تُنسى‭ ‬الأصول‭ ‬لبقاء‭ ‬الخصومة،‭ ‬وأن‭ ‬يُلبس‭ ‬الهوى‭ ‬ثوب‭ ‬الرأي،‭ ‬وتُكسى‭ ‬العصبية‭ ‬رداء‭ ‬المبدأ،‭ ‬فيصبح‭ ‬العداء‭ ‬بصيرة،‭ ‬والتناقض‭ ‬كياسة‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬خرج‭ ‬وصفٌ‭ ‬شديد‭ ‬الإصابة‭: ‬‮«‬الحمقى‭ ‬النافعون‭ (‬useful‭ ‬idiots‭)‬‮»‬؛‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬ينقصهم‭ ‬الحماس،‭ ‬ولكن‭ ‬تنقصهم‭ ‬البصيرة،‭ ‬ولا‭ ‬يعوزهم‭ ‬الصوت،‭ ‬ولكن‭ ‬يعوزهم‭ ‬تقدير‭ ‬العاقبة‭. ‬يظنون‭ ‬أنهم‭ ‬يستعملون‭ ‬غيرهم‭ ‬فإذا‭ ‬هم‭ ‬المستعملون،‭ ‬ويحسبون‭ ‬أنهم‭ ‬يمهّدون‭ ‬لفكرتهم‭ ‬فإذا‭ ‬هم‭ ‬يمهّدون‭ ‬لفكرة‭ ‬سواهم؛‭ ‬يهبون‭ ‬الحليف‭ ‬لسانًا‭ ‬ينطق‭ ‬به،‭ ‬وكتفًا‭ ‬يصعد‭ ‬عليه،‭ ‬وبابًا‭ ‬يعبر‭ ‬منه،‭ ‬ثم‭ ‬يستغني‭ ‬عن‭ ‬اللسان‭ ‬والكتف‭ ‬والباب‭ ‬متى‭ ‬صار‭ ‬هو‭ ‬صاحب‭ ‬الدار‭.‬

وللتاريخ‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬شاهدٌ‭ ‬بالغ‭ ‬الدلالة؛‭ ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬رأى‭ ‬حزب‭ ‬‮«‬توده‮»‬‭ ‬الشيوعي‭ ‬في‭ ‬الثورة‭ ‬وفي‭ ‬الخميني‭ ‬حليفًا‭ ‬على‭ ‬الشاه‭ ‬وخصمًا‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬فصافح‭ ‬الأحمر‭ ‬مشروعًا‭ ‬دينيًا‭ ‬لا‭ ‬يلتقي‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬أصلٍ‭ ‬ولا‭ ‬فصل،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬تصور‭ ‬الدولة‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬موضع‭ ‬الدين‭ ‬من‭ ‬السياسة‭. ‬هتفوا‭ ‬لمن‭ ‬سيقمعهم،‭ ‬ومهّدوا‭ ‬لمن‭ ‬سيطاردهم،‭ ‬وأعانوا‭ ‬على‭ ‬تثبيت‭ ‬نظامٍ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يرى‭ ‬فيهم‭ ‬شركاء‭ ‬غد،‭ ‬بل‭ ‬أدوات‭ ‬يوم‭. ‬فلما‭ ‬استقام‭ ‬لنظام‭ ‬ولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬سلطانه،‭ ‬وانقضت‭ ‬حاجته‭ ‬إلى‭ ‬الرفيق‭ ‬المؤقت،‭ ‬انقلب‭ ‬التحالف‭ ‬ملاحقة،‭ ‬والمساندة‭ ‬مطاردة،‭ ‬والصحبة‭ ‬محنة؛‭ ‬فاعتُقل‭ ‬القادة،‭ ‬وضُرب‭ ‬التنظيم،‭ ‬وحُظر‭ ‬الحزب‭. ‬ظنوا‭ ‬أنهم‭ ‬أمسكوا‭ ‬بطرف‭ ‬الحبل،‭ ‬وما‭ ‬علموا‭ ‬أن‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬كان‭ ‬ملتفًّا‭ ‬حول‭ ‬أعناقهم‭.‬

ولم‭ ‬تكن‭ ‬إيران‭ ‬خاتمة‭ ‬الحكاية؛‭ ‬فحين‭ ‬سقط‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬لم‭ ‬يسقط‭ ‬جدار‭ ‬برلين‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬سقط‭ ‬معه‭ ‬وهمٌ‭ ‬طويل‭ ‬بأن‭ ‬الشعار‭ ‬يغني‭ ‬عن‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬وأن‭ ‬الحزب‭ ‬يقوم‭ ‬مقام‭ ‬المجتمع،‭ ‬وأن‭ ‬القبضة‭ ‬تنشئ‭ ‬القناعة،‭ ‬وأن‭ ‬النظرية‭ ‬إذا‭ ‬أخطأها‭ ‬الواقع‭ ‬وجب‭ ‬تأديب‭ ‬الواقع‭ ‬لا‭ ‬مراجعة‭ ‬النظرية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الأفكار‭ ‬لا‭ ‬تُدفن‭ ‬بسقوط‭ ‬دولها؛‭ ‬فقد‭ ‬ينهزم‭ ‬الفكر‭ ‬في‭ ‬الميدان‭ ‬ثم‭ ‬يعود‭ ‬في‭ ‬اللسان‭. ‬وهكذا‭ ‬لم‭ ‬يخرج‭ ‬بعض‭ ‬اليسار‭ ‬الراديكالي‭ ‬من‭ ‬عباءة‭ ‬الأممية‭ ‬القديمة‭ ‬وقد‭ ‬برئ‭ ‬من‭ ‬علتها،‭ ‬بل‭ ‬بدَّل‭ ‬الاسم‭ ‬ولم‭ ‬يبدِّل‭ ‬العلّة؛‭ ‬فخفت‭ ‬حديث‭ ‬الطبقة،‭ ‬واشتد‭ ‬حديث‭ ‬الهوية،‭ ‬وتراجع‭ ‬وعد‭ ‬الثورة،‭ ‬وتقدّم‭ ‬خطاب‭ ‬المظلومية‭.‬

وهناك‭ ‬لقي‭ ‬الأحمر‭ ‬أخضرين،‭ ‬لكل‭ ‬ساحة‭ ‬دلالته‭ ‬ومقامه‭. ‬ففي‭ ‬الشرق‭ ‬لقي‭ ‬أحمر‭ ‬اليسار،‭ ‬بما‭ ‬بقي‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬إرثٍ‭ ‬اشتراكي‭ ‬شيوعي‭ ‬وخصومة‭ ‬أممية،‭ ‬أخضرَ‭ ‬حراكٍ‭ ‬ثيوقراطي‭ ‬مؤدلج‭ ‬يستتر‭ ‬بالإسلام‭ ‬وسيلةً‭ ‬للنفاذ،‭ ‬ويتخذ‭ ‬من‭ ‬الدين‭ ‬شعارًا‭ ‬للمصلحة،‭ ‬ومن‭ ‬المظلومية‭ ‬خطابًا‭ ‬للحشد،‭ ‬ومن‭ ‬العداء‭ ‬المشترك‭ ‬جسرًا‭ ‬إلى‭ ‬التمكين‭. ‬وفي‭ ‬الغرب‭ ‬لقي‭ ‬الأحمر‭ ‬الاشتراكي‭ ‬أخضر‭ ‬البيئة‭ ‬والمناخ‭ ‬والسلام‭ ‬والحقوق‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وما‭ ‬يتصل‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬أحزاب‭ ‬وحركات‭ ‬وتجمعات‭ ‬سياسية‭ ‬لا‭ ‬صلة‭ ‬لها‭ ‬بحركة‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬مشروع‭ ‬ثيوقراطي،‭ ‬ولكنها‭ ‬تلتقي‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬السياسة‭ ‬إلى‭ ‬التحالف‭ ‬حين‭ ‬يعجز‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬منفردًا‭ ‬عن‭ ‬العبور‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬جاء‭ ‬وصف‭ ‬‮«‬التحالف‭ ‬الأحمر–الأخضر‮»‬‭ ‬ذا‭ ‬وجهين؛‭ ‬لا‭ ‬زواج‭ ‬أفكار،‭ ‬بل‭ ‬تزاوج‭ ‬أدوار،‭ ‬ولا‭ ‬وحدة‭ ‬عقيدة،‭ ‬بل‭ ‬وحدة‭ ‬عداوة‭ ‬أو‭ ‬مصلحة،‭ ‬ولا‭ ‬صحبة‭ ‬مصير،‭ ‬بل‭ ‬صحبة‭ ‬مسير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يبلغ‭ ‬أحدهما‭ ‬غايته‭. ‬فالأحمر‭ ‬لا‭ ‬يعبر‭ ‬وحده،‭ ‬والأخضر‭ ‬لا‭ ‬يبلغ‭ ‬منفردًا،‭ ‬فيلتقيان‭ ‬على‭ ‬جسرٍ‭ ‬لا‭ ‬تشيده‭ ‬المحبة،‭ ‬بل‭ ‬تبنيه‭ ‬الحاجة،‭ ‬وتدعمه‭ ‬الخصومة،‭ ‬وتحرسه‭ ‬حسابات‭ ‬الطريق‭.‬

وهنا‭ ‬تُختبر‭ ‬الأفكار‭ ‬لا‭ ‬بما‭ ‬ترفعه‭ ‬من‭ ‬رايات،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬تنتهي‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬غايات؛‭ ‬فالحرية‭ ‬التي‭ ‬تُستدعى‭ ‬عند‭ ‬الخصومة‭ ‬وتُستبعد‭ ‬عند‭ ‬الحليف‭ ‬ليست‭ ‬حرية،‭ ‬والعدالة‭ ‬التي‭ ‬تُوزن‭ ‬بالأسماء‭ ‬لا‭ ‬بالأفعال‭ ‬ليست‭ ‬عدالة،‭ ‬والمبدأ‭ ‬الذي‭ ‬يثبت‭ ‬في‭ ‬الخطب‭ ‬ويسقط‭ ‬عند‭ ‬المصالح‭ ‬ليس‭ ‬مبدأ،‭ ‬بل‭ ‬شعارا‭ ‬يُرفع‭ ‬حين‭ ‬ينفع‭ ‬ويُطوى‭ ‬حين‭ ‬يُكلّف‭. ‬وتلك‭ ‬آفة‭ ‬الحمقى‭ ‬النافعين‭: ‬يظنون‭ ‬أنهم‭ ‬يُحسنون‭ ‬استعمال‭ ‬الحليف‭ ‬فيما‭ ‬هو‭ ‬يُحسن‭ ‬استعمالهم؛‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬بلغ‭ ‬غايته‭ ‬انفضّ‭ ‬الجمع،‭ ‬وسقط‭ ‬القناع،‭ ‬وانكشف‭ ‬الخداع‭. ‬ومن‭ ‬ظنّ‭ ‬أنه‭ ‬يمتطي‭ ‬المشروع،‭ ‬قد‭ ‬يكتشف‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬الطريق‭ ‬أن‭ ‬المشروع‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬امتطاه‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا