العدد : ١٧٧٣٥ - الثلاثاء ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٥ - الثلاثاء ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقالات

حين أقبل جلالته.. تجدد العهد واستبانت الرؤية وتجلت الحكمة

{ بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الثلاثاء ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

حين‭ ‬أقبل‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬كنتُ‭ ‬ممن‭ ‬تشرفوا‭ ‬بالحضور‭ ‬في‭ ‬قاعة‭ ‬مركز‭ ‬عيسى‭ ‬الثقافي‭. ‬ولم‭ ‬أشعر‭ ‬أنني‭ ‬أمام‭ ‬مراسم‭ ‬تبدأ‭ ‬ثم‭ ‬تنقضي،‭ ‬أو‭ ‬افتتاحٍ‭ ‬لدور‭ ‬انعقاد‭ ‬تشريعي‭ ‬يُقرأ‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬البروتوكول‭ ‬ثم‭ ‬يُطوى؛‭ ‬بل‭ ‬أمام‭ ‬لحظةٍ‭ ‬تمسّ‭ ‬القلب‭ ‬قبل‭ ‬السمع،‭ ‬وتبلغ‭ ‬الوجدان‭ ‬قبل‭ ‬البيان‭. ‬دخل‭ ‬جلالته،‭ ‬فدخل‭ ‬معه‭ ‬الوقار‭ ‬هادئًا،‭ ‬والحنان‭ ‬نديًّا،‭ ‬والوطن‭ ‬حاضرًا‭ ‬في‭ ‬أبهى‭ ‬معانيه‭. ‬رفع‭ ‬يده‭ ‬الكريمة‭ ‬بالسلام،‭ ‬فإذا‭ ‬السلام‭ ‬عهدٌ‭ ‬يُجدَّد،‭ ‬وودٌّ‭ ‬يُؤكَّد،‭ ‬وسكينةٌ‭ ‬تمرّ‭ ‬على‭ ‬الوجوه‭ ‬قبل‭ ‬الصفوف؛‭ ‬ثم‭ ‬سأل‭ ‬عن‭ ‬الأحوال‭ ‬بصوتٍ‭ ‬لا‭ ‬تصنعه‭ ‬المراسم‭ ‬ولا‭ ‬تبلغه‭ ‬الخطب‭: ‬صوت‭ ‬أبٍ‭ ‬يعرف‭ ‬أبناءه،‭ ‬وملكٍ‭ ‬يحمل‭ ‬شعبه‭ ‬في‭ ‬قلبه،‭ ‬وقائدٍ‭ ‬إذا‭ ‬اقترب‭ ‬ازدادت‭ ‬الهيبة‭ ‬قربًا،‭ ‬وازدادت‭ ‬المحبة‭ ‬صدقًا‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة،‭ ‬أحسست‭ ‬أن‭ ‬القاعة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قاعةً‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬صارت‭ ‬بيتًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬اسمه‭ ‬البحرين؛‭ ‬كل‭ ‬وجهٍ‭ ‬فيه‭ ‬شاهد،‭ ‬وكل‭ ‬قلبٍ‭ ‬فيه‭ ‬عهد،‭ ‬وكل‭ ‬صمتٍ‭ ‬فيه‭ ‬كلام‭. ‬كان‭ ‬سلام‭ ‬جلالته‭ ‬كافيًا‭ ‬ليقول‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تقوله‭ ‬العبارات‭: ‬إن‭ ‬بين‭ ‬القائد‭ ‬وشعبه‭ ‬عروةً‭ ‬لا‭ ‬تنفصم،‭ ‬ومحبةً‭ ‬لا‭ ‬تُصطنع،‭ ‬وعهدًا‭ ‬لا‭ ‬يتبدل‭. ‬وما‭ ‬إن‭ ‬بدأ‭ ‬الخطاب‭ ‬السامي‭ ‬حتى‭ ‬انتقل‭ ‬الشعور‭ ‬من‭ ‬دفء‭ ‬اللقاء‭ ‬إلى‭ ‬سموّ‭ ‬المعنى؛‭ ‬فإذا‭ ‬الكلمة‭ ‬ليست‭ ‬خطاب‭ ‬افتتاحٍ‭ ‬يُتلى،‭ ‬بل‭ ‬ميثاق‭ ‬وطن،‭ ‬وبوصلة‭ ‬دولة،‭ ‬ونداء‭ ‬مسؤولية‭.‬

جاءت‭ ‬الكلمة‭ ‬جامعةً‭ ‬لا‭ ‬تُقصي،‭ ‬راسخةً‭ ‬لا‭ ‬تلين،‭ ‬مضيئةً‭ ‬لا‭ ‬تلتبس؛‭ ‬جمعت‭ ‬حكمة‭ ‬الدولة‭ ‬وهيبة‭ ‬الموقف،‭ ‬ورفق‭ ‬الأبوة‭ ‬وحزم‭ ‬القيادة،‭ ‬وذاكرة‭ ‬المجد‭ ‬ونداء‭ ‬المستقبل‭. ‬وحين‭ ‬تحدّث‭ ‬جلالته‭ ‬عن‭ ‬تطورات‭ ‬المنطقة،‭ ‬بدا‭ ‬حديثه‭ ‬حديث‭ ‬قائدٍ‭ ‬يرى‭ ‬الخطر‭ ‬ببصيرة،‭ ‬ويزن‭ ‬الموقف‭ ‬بميزان‭ ‬الحكمة؛‭ ‬فلا‭ ‬فزعٌ‭ ‬يبدّد‭ ‬السكينة،‭ ‬ولا‭ ‬غفلةٌ‭ ‬تورث‭ ‬الخذلان،‭ ‬ولا‭ ‬مجاملةٌ‭ ‬تساوي‭ ‬بين‭ ‬سلامٍ‭ ‬يطلب‭ ‬الاستقرار‭ ‬وعدوانٍ‭ ‬يريد‭ ‬الإرباك‭ ‬والطغيان‭. ‬لقد‭ ‬وضع‭ ‬جلالته‭ ‬الاعتداءات‭ ‬والتدخلات‭ ‬الإيرانية‭ ‬الآثمة‭ ‬في‭ ‬موضعها‭ ‬الحق؛‭ ‬نهجًا‭ ‬انكشف‭ ‬للعيان،‭ ‬وامتحانًا‭ ‬لوحدة‭ ‬الأوطان،‭ ‬ودليلًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬السلام‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬ضعفٍ‭ ‬يستجدي،‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬صمتٍ‭ ‬يُغري‭ ‬المعتدي‭ ‬بمزيدٍ‭ ‬من‭ ‬العدوان‭.‬

وفي‭ ‬مقام‭ ‬التقدير،‭ ‬ثمّن‭ ‬جلالته‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬الحكومة،‭ ‬بتوجيهٍ‭ ‬ومتابعةٍ‭ ‬من‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬حفظه‭ ‬الله؛‭ ‬إذ‭ ‬مضت‭ ‬شؤون‭ ‬الدولة‭ ‬بانتظام،‭ ‬واستمرت‭ ‬الخدمات‭ ‬باقتدار،‭ ‬وعادت‭ ‬الأمور‭ ‬إلى‭ ‬مسارها‭ ‬بثباتٍ‭ ‬واتزان‭. ‬كما‭ ‬خصّ‭ ‬قواتنا‭ ‬الدفاعية‭ ‬والأمنية‭ ‬بما‭ ‬تستحقه‭ ‬من‭ ‬وفاء؛‭ ‬فهم‭ ‬رجال‭ ‬اليقظة‭ ‬إذا‭ ‬أقبل‭ ‬الخطر،‭ ‬ورجال‭ ‬الثبات‭ ‬إذا‭ ‬اضطربت‭ ‬الأحوال،‭ ‬جعلوا‭ ‬الواجب‭ ‬فعلًا،‭ ‬والحماية‭ ‬عهدًا،‭ ‬والذود‭ ‬عن‭ ‬البحرين‭ ‬شرفًا‭ ‬في‭ ‬الأعناق‭ ‬والميدان‭.‬

ومما‭ ‬لامس‭ ‬قلبي‭ ‬في‭ ‬الكلمة‭ ‬السامية‭ ‬ذلك‭ ‬الوفاء‭ ‬الملكي‭ ‬لشعب‭ ‬البحرين؛‭ ‬شعبٍ‭ ‬إذا‭ ‬أقبلت‭ ‬الشدائد‭ ‬بان‭ ‬أصله،‭ ‬وإذا‭ ‬نزل‭ ‬الامتحان‭ ‬ظهر‭ ‬فضله‭. ‬شعرت،‭ ‬وأنا‭ ‬أسمع‭ ‬جلالته،‭ ‬أن‭ ‬حديثه‭ ‬عن‭ ‬أهل‭ ‬البحرين‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ثناءً‭ ‬عامًا،‭ ‬بل‭ ‬شهادة‭ ‬أبٍ‭ ‬لأبنائه،‭ ‬وقائدٍ‭ ‬لشعبه،‭ ‬وملكٍ‭ ‬يعرف‭ ‬معدن‭ ‬رجاله‭ ‬ونسائه‭. ‬وقف‭ ‬أهل‭ ‬البحرين‭ ‬صفًا‭ ‬لا‭ ‬يتصدّع،‭ ‬وقلبًا‭ ‬لا‭ ‬يتوزّع،‭ ‬وولاءً‭ ‬لا‭ ‬يتزعزع‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬القراءة‭ ‬العميقة‭ ‬لمعنى‭ ‬الوفاء،‭ ‬وتجسيدًا‭ ‬لرؤيته‭ ‬الملكية‭ ‬المستنيرة‭ ‬وحكمته‭ ‬في‭ ‬صون‭ ‬الروابط‭ ‬الوطنية،‭ ‬أعلن‭ ‬جلالته‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬يونيو‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬‮«‬يوم‭ ‬العهد‭ ‬والولاء‮»‬‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الإعلان‭ ‬مناسبةً‭ ‬تُضاف‭ ‬إلى‭ ‬التقويم‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يومًا‭ ‬للذاكرة‭ ‬والضمير،‭ ‬وشاهدًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬العهد‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬لفظًا‭ ‬يُقال،‭ ‬بل‭ ‬وفاءٌ‭ ‬يُصان،‭ ‬وولاءٌ‭ ‬يُعاش‭.‬

ومن‭ ‬الوفاء‭ ‬الداخلي‭ ‬إلى‭ ‬الوفاء‭ ‬الأخوي،‭ ‬مضى‭ ‬الخطاب‭ ‬يقدّر‭ ‬مواقف‭ ‬دولة‭ ‬الإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭ ‬الشقيقة،‭ ‬ويثمّن‭ ‬وقفة‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬الشقيقة،‭ ‬ويؤكد‭ ‬الشراكة‭ ‬التاريخية‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الصديقة‭ ‬والحليفة؛‭ ‬في‭ ‬دلالةٍ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬تحفظ‭ ‬العهد،‭ ‬وتعرف‭ ‬قدر‭ ‬الأشقاء‭ ‬والأصدقاء‭.‬

ثم‭ ‬امتد‭ ‬المعنى‭ ‬إلى‭ ‬عمق‭ ‬التاريخ،‭ ‬مستحضرًا‭ ‬سيرة‭ ‬الآباء‭ ‬والقادة،‭ ‬ومعلنًا‭ ‬أن‭ ‬العام‭ ‬القادم‭ ‬‮«‬عام‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬سلمان»؛‭ ‬وفاءً‭ ‬لقائدٍ‭ ‬أب،‭ ‬ورمزٍ‭ ‬من‭ ‬رموز‭ ‬الدولة‭ ‬والسيادة‭ ‬والنهضة‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬الجذر‭ ‬الراسخ،‭ ‬اتسع‭ ‬الحضور‭ ‬الدولي‭ ‬لبلادنا‭ ‬بعضوية‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬وبالقرار‭ ‬رقم‭ ‬2817‭ ‬لعام‭ ‬2026؛‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬مملكةٍ‭ ‬كبيرةٍ‭ ‬برسالتها،‭ ‬حاضرةٍ‭ ‬باتزانها،‭ ‬عاملةٍ‭ ‬للسلام‭ ‬والاستقرار‭.‬

وعلى‭ ‬الصعيد‭ ‬الداخلي،‭ ‬ردّ‭ ‬الخطاب‭ ‬العمل‭ ‬التشريعي‭ ‬إلى‭ ‬غايته‭ ‬الأرفع‭: ‬جودة‭ ‬القانون،‭ ‬وكفاءة‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وتحديث‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الاستثمار،‭ ‬وترسيخ‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والمائي،‭ ‬والاستعداد‭ ‬لرؤية‭ ‬البحرين‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المستقبلية؛‭ ‬إطارًا‭ ‬جامعًا‭ ‬يصل‭ ‬التنمية‭ ‬بالاستدامة،‭ ‬وسياسة‭ ‬الدولة‭ ‬بتطلعات‭ ‬المواطنين‭.‬

خرجتُ‭ ‬من‭ ‬القاعة‭ ‬وأنا‭ ‬أشعر‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أحضر‭ ‬افتتاح‭ ‬دور‭ ‬انعقاد‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬شهدت‭ ‬تجدد‭ ‬عهدٍ‭ ‬بين‭ ‬قائدٍ‭ ‬وشعب،‭ ‬وبين‭ ‬دولةٍ‭ ‬ومستقبل،‭ ‬وبين‭ ‬تاريخٍ‭ ‬راسخٍ‭ ‬وأملٍ‭ ‬لا‭ ‬ينقطع‭. ‬تلك‭ ‬هي‭ ‬البحرين‭: ‬قيادةٌ‭ ‬تحب‭ ‬شعبها،‭ ‬وشعبٌ‭ ‬يبادلها‭ ‬الوفاء،‭ ‬ودولةٌ‭ ‬تصون‭ ‬عهدها‭ ‬كما‭ ‬تُصان‭ ‬الأمانة‭ ‬في‭ ‬صدور‭ ‬الكرام‭. ‬حفظ‭ ‬الله‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم،‭ ‬وأدام‭ ‬عزه،‭ ‬وحفظ‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬ومواطنيها‭ ‬الكرام‭ ‬المخلصين،‭ ‬وأدام‭ ‬عليها‭ ‬أمنها‭ ‬وازدهارها،‭ ‬ورفع‭ ‬رايتها‭ ‬بالعهد‭ ‬والوفاء‭ ‬والنماء‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا