في مجتمعاتنا الخليجية، تمثل العقارات العائلية جزءاً مهماً من ثروة الأسر، وقد توارثت عائلات كثيرة مباني وأراضي وعقارات ذات عوائد اقتصادية من الإيجارات والاستثمارات المختلفة. إلا أن المشكلة تبدأ أحياناً بعد وفاة مالك العقار، عندما تنتقل الملكية إلى عدد من الورثة دون وجود رؤية واضحة لإدارة هذا الأصل والمحافظة عليه وتنميته.
ومن المؤسف أن نرى بعض العقارات العائلية، التي كانت في يوم من الأيام مصدر دخل واستقرار للأسرة، تتحول مع مرور الوقت إلى مبانٍ مهجورة أو غير مصانة. فالاختلاف بين الورثة حول دفع تكاليف الصيانة والحراسة والزراعة والصباغة والترميم قد يؤدي إلى توقف أعمال الصيانة، ثم يبدأ العقار في فقدان قيمته ومظهره، خصوصاً إذا كان يقع في شارع عام أو منطقة تجارية أو سكنية بارزة.
وهنا لا تكون الخسارة في قيمة العقار فقط، بل في الكسب الفائت أيضاً. فكل شهر يمر دون استثمار العقار أو تأجيره أو صيانته يمثل دخلاً ضائعاً. ومع مرور السنوات قد تتراكم المشكلات، وتتحول الخلافات العائلية إلى نزاعات قانونية، ثم تأتي مرحلة القسمة والبيع، وفي النهاية قد تتفرق ملكية كانت قادرة على أن تكون ثروة مستدامة لأجيال عديدة.
ومن هنا تأتي أهمية تغيير النظرة التقليدية إلى العقار العائلي. فالعقار ليس مجرد مبنى موروث، وإنما أصل اقتصادي يحتاج إلى إدارة احترافية ورؤية طويلة المدى. ويمكن للعائلات الاتفاق على تأسيس شركة أو كيان لإدارة أملاك الأسرة، تكون مهمته تحصيل الإيجارات، وإدارة المصروفات، وتنفيذ الصيانة الدورية، والمحافظة على العقارات وتطويرها، مع توزيع الأرباح بصورة واضحة وعادلة بين الورثة.
وأعتقد أن هناك مفهوماً جميلاً يمكن أن تتبناه الأسر: «البناية تولّد بناية». أي أن الهدف لا ينبغي أن يكون استهلاك دخل العقار فقط، وإنما إعادة استثمار جزء من العوائد في بناء وتطوير أصول جديدة. ومع مرور السنوات، يمكن لعقار واحد أن يصبح عقارين، ثم ثلاثة، ثم محفظة عقارية متكاملة تنتقل من جيل إلى جيل.
إن ترسيخ ثقافة الاستثمار العقاري العائلي من شأنه أن يغيّر الكثير من الخلافات إلى فرص. فبدلاً من أن يتنازع الورثة حول بيع العقار وتقسيم قيمته، يمكنهم الاتفاق على تطويره، أو إعادة بنائه، أو استثماره، أو شراء أصل جديد من عوائده.
وهذا لا يحافظ على ثروة الأسرة فحسب، بل يسهم أيضاً في الاقتصاد الوطني من خلال تطوير العقارات، وخلق فرص العمل، وتنشيط قطاعات المقاولات والصيانة والخدمات والاستثمار.
وفي النهاية، فإن أفضل إرث يمكن أن يتركه الجيل السابق ليس عقاراً فقط، بل ثقافة تحافظ على العقار وتنميه. فالمال الذي يُدار بحكمة يكبر، والعقار الذي يُستثمر بصورة صحيحة يمكن أن يصبح أساساً لثروة عائلية مستدامة لعقود طويلة.
ولذلك، رسالتي إلى الأسر المالكة للعقارات: لا تجعلوا الخلافات الصغيرة تهدم أصولاً كبيرة، ولا تجعلوا الميراث نهاية الاستثمار. حافظوا على العقار، طوّروه، واستثمروا عوائده، واجعلوا البناية تولّد بناية، حتى تبقى الثروة وتكبر مع الأجيال.
الرئيس التنفيذي لمجموعة الفاتح
Jasim@alfateh.bh

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك