العدد : ١٧٧١٩ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ربيع الآخر أو ربيع الثاني ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٩ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ربيع الآخر أو ربيع الثاني ١٤٤٨هـ

مقالات

بين الرقاقة والسيادة.. من يملك القرار يملك المسار

بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

لكلِّ‭ ‬عصرٍ‭ ‬مِعيارٌ‭ ‬تُوزَنُ‭ ‬به‭ ‬القوّة،‭ ‬ولكلِّ‭ ‬قوّةٍ‭ ‬أداةٌ‭ ‬إذا‭ ‬ملكتها‭ ‬الأممُ‭ ‬اتّسع‭ ‬لها‭ ‬المدار؛‭ ‬فكان‭ ‬السيفُ‭ ‬يومًا‭ ‬عنوانَ‭ ‬اقتدار،‭ ‬ثم‭ ‬صار‭ ‬المدفعُ‭ ‬ميزانَ‭ ‬انتصار،‭ ‬ثم‭ ‬غدا‭ ‬النفطُ‭ ‬عصبَ‭ ‬صناعةٍ‭ ‬ونفوذٍ‭ ‬وازدهار،‭ ‬حتى‭ ‬أقبل‭ ‬زمانٌ‭ ‬صغُرت‭ ‬فيه‭ ‬الأداةُ‭ ‬وعظُم‭ ‬الأثر؛‭ ‬فإذا‭ ‬الرقاقةُ‭ ‬أدقُّ‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تُرى،‭ ‬وأخطرُ‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تُهمَل،‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬جوفها‭ ‬علمًا‭ ‬واقتصادًا‭ ‬ودفاعًا‭ ‬وابتكارًا،‭ ‬وتضع‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬من‭ ‬يتحكّم‭ ‬بها‭ ‬طرفًا‭ ‬من‭ ‬خيوط‭ ‬القرار‭. ‬فكأنّ‭ ‬القوة‭ ‬انتقلت‭ ‬من‭ ‬صليل‭ ‬الحديد‭ ‬إلى‭ ‬صمت‭ ‬الحوسبة،‭ ‬وبقيت‭ ‬الحقيقة‭: ‬من‭ ‬ملك‭ ‬أسباب‭ ‬القوة‭ ‬أحسن‭ ‬الاختيار،‭ ‬ومن‭ ‬أحسن‭ ‬الاختيار‭ ‬صان‭ ‬القرار‭.‬

ومن‭ ‬عجيب‭ ‬شأن‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬أن‭ ‬تُنفق‭ ‬الدول‭ ‬الأموال‭ ‬أنهارًا،‭ ‬وتشيّد‭ ‬مراكز‭ ‬الحوسبة‭ ‬أبراجًا،‭ ‬ثم‭ ‬يبقى‭ ‬بعض‭ ‬أمرها‭ ‬معلّقًا‭ ‬برقاقةٍ‭ ‬يصنعها‭ ‬غيرها،‭ ‬أو‭ ‬منظومةٍ‭ ‬يملك‭ ‬مفتاحها‭ ‬سواها؛‭ ‬فإن‭ ‬أُجيزت‭ ‬اتّسع‭ ‬المجال،‭ ‬وإن‭ ‬مُنعت‭ ‬ضاق‭ ‬المسار،‭ ‬وإن‭ ‬اشترط‭ ‬مورّدها‭ ‬شرطًا‭ ‬دخل‭ ‬الشرط‭ ‬مع‭ ‬الرقاقة‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬القرار‭. ‬فليست‭ ‬السيادة‭ ‬أن‭ ‬تشتري‭ ‬الآلة،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬تملك‭ ‬علمها؛‭ ‬إذ‭ ‬ما‭ ‬نفع‭ ‬بابٍ‭ ‬من‭ ‬ذهب‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬مفتاحه‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬الجار؟

ولقائلٍ‭ ‬أن‭ ‬يقول‭: ‬فما‭ ‬بالُنا‭ ‬نملك‭ ‬المالَ‭ ‬والطاقةَ‭ ‬والأرض،‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬نملك‭ ‬الرقاقة؟‭ ‬والجواب‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تُصنع‭ ‬بالمال‭ ‬وحده؛‭ ‬بل‭ ‬بعلمٍ‭ ‬يتراكم،‭ ‬وخبرةٍ‭ ‬تتوارث،‭ ‬وصناعةٍ‭ ‬ترفد‭ ‬صناعة،‭ ‬ومهندسٍ‭ ‬يقف‭ ‬وراء‭ ‬مهندس،‭ ‬حتى‭ ‬تكون‭ ‬الرقاقة‭ ‬آخرَ‭ ‬السلسلة‭ ‬لا‭ ‬أولَها،‭ ‬وثمرةَ‭ ‬المنظومة‭ ‬لا‭ ‬بذرتَها‭. ‬فالطريق‭ ‬إليها‭ ‬لا‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬المصنع،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الجامعة،‭ ‬ولا‭ ‬يبدأ‭ ‬بشراء‭ ‬الآلة،‭ ‬بل‭ ‬بصناعة‭ ‬العقل،‭ ‬ولا‭ ‬يُختصر‭ ‬بقرار،‭ ‬بل‭ ‬يُبنى‭ ‬بمسار؛‭ ‬ولأن‭ ‬حلقاته‭ ‬موزّعة‭ ‬بين‭ ‬دولٍ‭ ‬وشركاتٍ‭ ‬ومختبرات،‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬يملكها‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬تجارةً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يملك‭ ‬معها‭ ‬قدرًا‭ ‬من‭ ‬التأثير‭ ‬والاختيار‭.‬

وهنا‭ ‬يخرج‭ ‬أمر‭ ‬التقنية‭ ‬من‭ ‬سوق‭ ‬التجار‭ ‬إلى‭ ‬مجلس‭ ‬القرار؛‭ ‬فما‭ ‬عادت‭ ‬الرقاقة‭ ‬سلعةً‭ ‬ينقضي‭ ‬أمرها‭ ‬بالشراء،‭ ‬بل‭ ‬غدت‭ ‬وراءها‭ ‬شروطٌ‭ ‬ومصالحُ‭ ‬ومحاورُ‭ ‬واستقطاب‭. ‬فالآلة‭ ‬قد‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬صندوق،‭ ‬ولكن‭ ‬معها‭ ‬معيار،‭ ‬والرقاقة‭ ‬قد‭ ‬تعبر‭ ‬الحدود‭ ‬في‭ ‬شحنة،‭ ‬ولكن‭ ‬خلفها‭ ‬قرار،‭ ‬وما‭ ‬يبدأ‭ ‬في‭ ‬مصنع‭ ‬بعيد‭ ‬قد‭ ‬ينتهي‭ ‬أثره‭ ‬حيث‭ ‬تُعقد‭ ‬التحالفات‭ ‬ويُحسم‭ ‬المسار‭.‬

وقد‭ ‬علّمت‭ ‬تجاربُ‭ ‬الدول‭ ‬أن‭ ‬السيادة‭ ‬لا‭ ‬تُصان‭ ‬بالانغلاق،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬تُحفظ‭ ‬بالارتهان؛‭ ‬وإنما‭ ‬تُبنى‭ ‬بحسن‭ ‬الموازنة‭ ‬ودقة‭ ‬الاختيار‭. ‬فالدولة‭ ‬الرشيدة‭ ‬تأخذ‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬ما‭ ‬يقوّيها،‭ ‬وتزرع‭ ‬في‭ ‬أرضها‭ ‬ما‭ ‬يكفيها،‭ ‬وتُحسن‭ ‬التحالف‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬ذوبان،‭ ‬وتُجيد‭ ‬التعاون‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬ارتهان،‭ ‬فلا‭ ‬تجعل‭ ‬الانفتاح‭ ‬تبعية،‭ ‬ولا‭ ‬تجعل‭ ‬الاستقلال‭ ‬عزلة،‭ ‬حتى‭ ‬يبقى‭ ‬القرار‭ ‬وطنيًّا،‭ ‬والمسار‭ ‬سياديًّا،‭ ‬والاختيار‭ ‬لها‭ ‬لا‭ ‬عليها‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬يجيء‭ ‬الامتحان‭ ‬الجديد؛‭ ‬فليس‭ ‬الحصيف‭ ‬من‭ ‬يختار‭ ‬بين‭ ‬شرقٍ‭ ‬وغربٍ‭ ‬اختيارَ‭ ‬التابع،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬يجعل‭ ‬مصلحة‭ ‬وطنه‭ ‬أصلَ‭ ‬الاختيار؛‭ ‬لأن‭ ‬الشراكة‭ ‬التي‭ ‬تزيد‭ ‬القدرة‭ ‬مكسب،‭ ‬أما‭ ‬التي‭ ‬تنتقص‭ ‬حرية‭ ‬القرار‭ ‬فقيدٌ‭ ‬وإن‭ ‬صيغ‭ ‬من‭ ‬ذهب،‭ ‬وارتهانٌ‭ ‬وإن‭ ‬تسمّى‭ ‬استثمارا‭.‬

أما‭ ‬طريقُ‭ ‬الخروج،‭ ‬فلا‭ ‬يبدأ‭ ‬بالقفز‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬السلم،‭ ‬بل‭ ‬بصعود‭ ‬درجاته؛‭ ‬نُنشئ‭ ‬العقول‭ ‬قبل‭ ‬المصانع،‭ ‬ونبني‭ ‬قدرةً‭ ‬في‭ ‬تصميم‭ ‬الرقائق،‭ ‬ونوسّع‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير،‭ ‬ونوطّن‭ ‬الاختبار‭ ‬والتغليف‭ ‬والصناعات‭ ‬المساندة،‭ ‬ثم‭ ‬نمضي‭ ‬إلى‭ ‬التصنيع‭ ‬حيث‭ ‬تتوافر‭ ‬الخبرة‭ ‬والطلب‭. ‬فليس‭ ‬المطلوب‭ ‬أن‭ ‬نصنع‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬دفعةً‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬نملك‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬حلقة‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬قدرتنا،‭ ‬ويقلّل‭ ‬تبعيتنا،‭ ‬ويوسّع‭ ‬خيارنا؛‭ ‬حتى‭ ‬تصبح‭ ‬الشراكة‭ ‬جسرًا‭ ‬إلى‭ ‬الاقتدار،‭ ‬لا‭ ‬بابًا‭ ‬إلى‭ ‬الانتظار‭.‬

ولعمري،‭ ‬إن‭ ‬السيادة‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بعدد‭ ‬الرقائق‭ ‬التي‭ ‬تُشترى،‭ ‬وإنما‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬التقنية‭ ‬أداةً‭ ‬في‭ ‬يدك،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬نفسك‭ ‬رهينةً‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬التقنية‭. ‬فمن‭ ‬امتلك‭ ‬الآلة‭ ‬ولم‭ ‬يمتلك‭ ‬قرارها،‭ ‬ملك‭ ‬ظاهر‭ ‬القوة‭ ‬وفاته‭ ‬جوهر‭ ‬الاقتدار؛‭ ‬ومَن‭ ‬ملك‭ ‬قراره‭ ‬ملك‭ ‬اختياره،‭ ‬ومَن‭ ‬ملك‭ ‬اختياره‭ ‬ملك‭ ‬مساره،‭ ‬ومَن‭ ‬ملك‭ ‬مساره‭ ‬دخل‭ ‬المستقبل‭ ‬شريكًا‭ ‬في‭ ‬صناعته،‭ ‬لا‭ ‬تابعًا‭ ‬ولا‭ ‬رهين‭ ‬انتظار‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا