حينما يجف الحبر وتظن أن الحكاية قد انتهت، تختلط المشاعر بين رغبة إعادة ملء القلم، وبين تركه فوق طاولة الذكريات.. الطاولة التي امتلأت بأكوام من الصحف والأوراق ورزنامة الفعاليات، حيث لم يكن لبرامج الذكاء الاصطناعي مكانٌ فوق هذه الطاولة.
كنا نكتب الخبر كما نريد - في صياغته بالطبع لا بتأليف المعلومة - ونصِّف الحروف كما نشتهي، ونقرر عدد الكلمات كما يحلو لنا أن نعطي الخبر مساحته، فالأهم كان يأخذ حيزاً أكثر من المهم.. نعم، لا أنكر أن التكنولوجيا لعبت دوراً كبيراً في تسهيل عملنا كصحفيين، واختصرت علينا الوقت والجهد، ولكن في الوقت ذاته، يجب ألا نسمح لهذه التقنيات أن تحلّ مكان الإبداع والفكر. في وقتٍ انتشرت فيه وسائل الكتابات المتعددة، وبرامج الذكاء الاصطناعي، يجب على الصحفي أن يمرّن يديه على الكتابة بين الفينة والأخرى، ليعرف أن قدراته تفوق كل هذه البرامج، وحبره يتفوق على جميع الخوارزميات.
في زمنٍ اختلط فيه الكاتب الحقيقي، بالكاتب الاصطناعي، والصحفي الفعلي بالصحفي الوهمي، نعم.. لا أنكر استخدامي لهذه البرامج، وطالما أخبر زملائي بذلك، وليس في ذلك عيبٌ أو حرج، ولكن أن تستخدمه لتجعله يكتب ما أنت تريد، لا ما هو يريد، ويساعدك في تحليل المعلومات والبيانات وتصميم الصور والانفوجراف والترجمة الاحترافية وغيرها.. ولكن ليس بالاعتماد الأعمى، الذي يجعل حتى من لا يعلم، يعلم، وبعد أن يقرأ يسألك: «استخدمت الجات جي بي تي؟» اليوم، أكتب هذا المقال من دون استخدام أي وسيلة ذكاء اصطناعي، وقد يكون المقال الأخير لي مع صحيفة كانت مدرسةً بالنسبة إلي، بل وأكثر من ذلك.. تعلمت من خلال مسيرتي المتواضعة فيها، كيف أصنع الخبر، وكيف أقرأ ما وراء الخبر، والأهم من كل ذلك هي المبادئ التي اكتسبتها في ظل هذا التدفق الهائل من المعلومات. كما إنني كنت محظوظاً بأن أعيش الحقبتين، صناعة الخبر ما قبل الذكاء الاصطناعي، وما بعده.. وأستطيع القول بكل فخر: إنني ما زلت أستطيع الكتابةمن دون استخدام أيٍ منها.. وهو ما يجعلني مع نخبة من زملائي الصحفيين «الحقيقيين» أننا نعتقد ما زلنا أذكى من هذه التقنيات، بل ونقوم بالتعديل خلفه بعد استخدامه.
وقبل الختام، أود أن أقف عند اللحظة الفارقة في مسيرتي، حين تشرفت بالسلام على صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، عقب فوزي بجائزة رئيس مجلس الوزراء للصحافة العام الماضي.. كانت لحظة أعتز بها كثيرًا، وتكريمًا يظل حلمًا لكل صحافي، لا سيما حين يأتي في وطنٍ يقدّر الكلمة، ويكرّم الإعلامي، ويمنحه المساحة للعمل والعطاء.. فالحمد لله على نعمة البحرين، وعلى كل ما منحني إياه هذا الوطن من فرص وتجارب وذكريات ستبقى حاضرة في مسيرتي.
وإنني، قبل أن أبدأ الحكاية الجديدة، ينبغي أن أقف عند من علّمني كيف أخوض معترك هذه التجربة، ومن كان لهم الفضل - بعد الله - في أن أكون ما أنا عليه اليوم.. فأقبّل رؤوسهم، ملهمي الأول الأستاذ أنور عبدالرحمن، والداعم الدائم الأستاذ عبدالمجيد حاجي، تقديرًا وامتنانًا لكل ما قدماه لي من دعم ومساندة، ولكل ما تعلمته منهما خلال هذه السنوات.. وإلى جميع الإخوة الزملاء والزميلات، الذين كانوا جزءًا من هذه الرحلة وذكرياتها..
إلى لقاءٍ قريب.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك