العدد : ١٧٧٢١ - الثلاثاء ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢١ - الثلاثاء ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

مقالات

حينما يجف الحبر..

علي عبدالخالق

الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

حينما‭ ‬يجف‭ ‬الحبر‭ ‬وتظن‭ ‬أن‭ ‬الحكاية‭ ‬قد‭ ‬انتهت،‭ ‬تختلط‭ ‬المشاعر‭ ‬بين‭ ‬رغبة‭ ‬إعادة‭ ‬ملء‭ ‬القلم،‭ ‬وبين‭ ‬تركه‭ ‬فوق‭ ‬طاولة‭ ‬الذكريات‭.. ‬الطاولة‭ ‬التي‭ ‬امتلأت‭ ‬بأكوام‭ ‬من‭ ‬الصحف‭ ‬والأوراق‭ ‬ورزنامة‭ ‬الفعاليات،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لبرامج‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬مكانٌ‭ ‬فوق‭ ‬هذه‭ ‬الطاولة‭.‬

كنا‭ ‬نكتب‭ ‬الخبر‭ ‬كما‭ ‬نريد‭ - ‬في‭ ‬صياغته‭ ‬بالطبع‭ ‬لا‭ ‬بتأليف‭ ‬المعلومة‭ - ‬ونصِّف‭ ‬الحروف‭ ‬كما‭ ‬نشتهي،‭ ‬ونقرر‭ ‬عدد‭ ‬الكلمات‭ ‬كما‭ ‬يحلو‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نعطي‭ ‬الخبر‭ ‬مساحته،‭ ‬فالأهم‭ ‬كان‭ ‬يأخذ‭ ‬حيزاً‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬المهم‭.. ‬نعم،‭ ‬لا‭ ‬أنكر‭ ‬أن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬لعبت‭ ‬دوراً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬تسهيل‭ ‬عملنا‭ ‬كصحفيين،‭ ‬واختصرت‭ ‬علينا‭ ‬الوقت‭ ‬والجهد،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬نسمح‭ ‬لهذه‭ ‬التقنيات‭ ‬أن‭ ‬تحلّ‭ ‬مكان‭ ‬الإبداع‭ ‬والفكر‭. ‬في‭ ‬وقتٍ‭ ‬انتشرت‭ ‬فيه‭ ‬وسائل‭ ‬الكتابات‭ ‬المتعددة،‭ ‬وبرامج‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬الصحفي‭ ‬أن‭ ‬يمرّن‭ ‬يديه‭ ‬على‭ ‬الكتابة‭ ‬بين‭ ‬الفينة‭ ‬والأخرى،‭ ‬ليعرف‭ ‬أن‭ ‬قدراته‭ ‬تفوق‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬البرامج،‭ ‬وحبره‭ ‬يتفوق‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الخوارزميات‭.‬

في‭ ‬زمنٍ‭ ‬اختلط‭ ‬فيه‭ ‬الكاتب‭ ‬الحقيقي،‭ ‬بالكاتب‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬والصحفي‭ ‬الفعلي‭ ‬بالصحفي‭ ‬الوهمي،‭ ‬نعم‭.. ‬لا‭ ‬أنكر‭ ‬استخدامي‭ ‬لهذه‭ ‬البرامج،‭ ‬وطالما‭ ‬أخبر‭ ‬زملائي‭ ‬بذلك،‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬عيبٌ‭ ‬أو‭ ‬حرج،‭ ‬ولكن‭ ‬أن‭ ‬تستخدمه‭ ‬لتجعله‭ ‬يكتب‭ ‬ما‭ ‬أنت‭ ‬تريد،‭ ‬لا‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬يريد،‭ ‬ويساعدك‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬المعلومات‭ ‬والبيانات‭ ‬وتصميم‭ ‬الصور‭ ‬والانفوجراف‭ ‬والترجمة‭ ‬الاحترافية‭ ‬وغيرها‭.. ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬بالاعتماد‭ ‬الأعمى،‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يعلم،‭ ‬يعلم،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬يقرأ‭ ‬يسألك‭: ‬‮«‬استخدمت‭ ‬الجات‭ ‬جي‭ ‬بي‭ ‬تي؟‮»‬‭  ‬اليوم،‭ ‬أكتب‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استخدام‭ ‬أي‭ ‬وسيلة‭ ‬ذكاء‭ ‬اصطناعي،‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬المقال‭ ‬الأخير‭ ‬لي‭ ‬مع‭ ‬صحيفة‭ ‬كانت‭ ‬مدرسةً‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلي،‭ ‬بل‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭..  ‬تعلمت‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مسيرتي‭ ‬المتواضعة‭ ‬فيها،‭ ‬كيف‭ ‬أصنع‭ ‬الخبر،‭ ‬وكيف‭ ‬أقرأ‭ ‬ما‭ ‬وراء‭ ‬الخبر،‭ ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬هي‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬اكتسبتها‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬التدفق‭ ‬الهائل‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭. ‬كما‭ ‬إنني‭ ‬كنت‭ ‬محظوظاً‭ ‬بأن‭ ‬أعيش‭ ‬الحقبتين،‭ ‬صناعة‭ ‬الخبر‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬وما‭ ‬بعده‭..  ‬وأستطيع‭ ‬القول‭ ‬بكل‭ ‬فخر‭: ‬إنني‭ ‬ما‭ ‬زلت‭ ‬أستطيع‭ ‬الكتابةمن‭  ‬دون‭ ‬استخدام‭ ‬أيٍ‭ ‬منها‭.. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعلني‭ ‬مع‭ ‬نخبة‭ ‬من‭ ‬زملائي‭ ‬الصحفيين‭ ‬‮«‬الحقيقيين‮»‬‭ ‬أننا‭ ‬نعتقد‭ ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬أذكى‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التقنيات،‭ ‬بل‭ ‬ونقوم‭ ‬بالتعديل‭ ‬خلفه‭ ‬بعد‭ ‬استخدامه‭.  ‬

وقبل‭ ‬الختام،‭ ‬أود‭ ‬أن‭ ‬أقف‭ ‬عند‭ ‬اللحظة‭ ‬الفارقة‭ ‬في‭ ‬مسيرتي،‭ ‬حين‭ ‬تشرفت‭ ‬بالسلام‭ ‬على‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬حفظه‭ ‬الله،‭ ‬عقب‭ ‬فوزي‭ ‬بجائزة‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬للصحافة‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭.. ‬كانت‭ ‬لحظة‭ ‬أعتز‭ ‬بها‭ ‬كثيرًا،‭ ‬وتكريمًا‭ ‬يظل‭ ‬حلمًا‭ ‬لكل‭ ‬صحافي،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬حين‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬وطنٍ‭ ‬يقدّر‭ ‬الكلمة،‭ ‬ويكرّم‭ ‬الإعلامي،‭ ‬ويمنحه‭ ‬المساحة‭ ‬للعمل‭ ‬والعطاء‭.. ‬فالحمد‭ ‬لله‭ ‬على‭ ‬نعمة‭ ‬البحرين،‭ ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬منحني‭ ‬إياه‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬وتجارب‭ ‬وذكريات‭ ‬ستبقى‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬مسيرتي‭.‬

وإنني،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أبدأ‭ ‬الحكاية‭ ‬الجديدة،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬أقف‭ ‬عند‭ ‬من‭ ‬علّمني‭ ‬كيف‭ ‬أخوض‭ ‬معترك‭ ‬هذه‭ ‬التجربة،‭ ‬ومن‭ ‬كان‭ ‬لهم‭ ‬الفضل‭ - ‬بعد‭ ‬الله‭ - ‬في‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬ما‭ ‬أنا‭ ‬عليه‭ ‬اليوم‭.. ‬فأقبّل‭ ‬رؤوسهم،‭ ‬ملهمي‭ ‬الأول‭ ‬الأستاذ‭ ‬أنور‭ ‬عبدالرحمن،‭ ‬والداعم‭ ‬الدائم‭ ‬الأستاذ‭ ‬عبدالمجيد‭ ‬حاجي،‭ ‬تقديرًا‭ ‬وامتنانًا‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬قدماه‭ ‬لي‭ ‬من‭ ‬دعم‭ ‬ومساندة،‭ ‬ولكل‭ ‬ما‭ ‬تعلمته‭ ‬منهما‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬السنوات‭.. ‬وإلى‭ ‬جميع‭ ‬الإخوة‭ ‬الزملاء‭ ‬والزميلات،‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬وذكرياتها‭.. ‬

إلى‭ ‬لقاءٍ‭ ‬قريب‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا