شهدت المملكة انتقالًا من حضور فردي لمخرجين وممثلين سعوديين إلى تأسيس منظومة أكثر اتساعًا للإنتاج والعرض والمهرجانات
التحول في الترفيه شمل المهن والخدمات التي تعمل خلف الحدث
الإنسان السعودي أصبح حاضرًا بوصفه جمهورًا ومنتجًا وموظفًا ومبدعًا في آن واحد
دخلت المدن والمواقع التاريخية السعودية في منظومة الفعاليات الثقافية والسياحية

خلال السنوات الأخيرة، شهد قطاعا الثقافة والترفيه في السعودية توسعًا انعكس على طبيعة الفعاليات، وحجم الإنتاج المحلي، وحضور الفنانين السعوديين، إضافة إلى موقع المملكة على خريطة الفعاليات الفنية والترفيهية الدولية.
ولم يعد الحضور العالمي في المملكة مقتصرًا على حفلات موسيقية متفرقة، بل امتد إلى فعاليات رياضية وترفيهية وموسيقية ومسرحية، إلى جانب المهرجانات السينمائية والمعارض الفنية والفعاليات الثقافية. وكان موسم الرياض أحد أبرز المشاريع التي عكست هذا التحول، من خلال استضافة نجوم وفرق عالمية، وتقديم برامج متنوعة في مواقع متعددة داخل العاصمة.
ويرتبط اسم تركي آل الشيخ بصورة مباشرة بهذا المسار، بحكم رئاسته الهيئة العامة للترفيه، ودوره في الإشراف على قطاع شهد توسعًا في عدد الفعاليات وتنوعها. ومع المواسم والفعاليات الكبرى، تطور السوق المحيط بالترفيه ليشمل تنظيم الأحداث والإنتاج والتسويق والتقنية والضيافة والخدمات المرتبطة بها.
وبالتوازي مع استقطاب التجارب العالمية، توسعت مساحة الفنان السعودي داخل هذه المنظومة. فالأسماء التي شكلت تاريخ الأغنية السعودية، مثل محمد عبده، عبدالمجيد عبدالله، راشد الماجد، رابح صقر، عبادي الجوهر وأصيل أبو بكر، واصلت حضورها في الحفلات والمهرجانات، فيما ظهر جيل أحدث من الفنانين في مشهد أصبحت فيه الحفلات والإنتاج الموسيقي أكثر اتساعًا.
ولا يقتصر التغير على زيادة عدد الحفلات، فالسوق الجديدة أوجدت طلبًا على قطاعات مرتبطة بالموسيقى والفعاليات، من الإنتاج وإدارة المسارح إلى الصوت والإضاءة والتسويق وصناعة المحتوى. وهذا يعني أن التحول في الترفيه شمل أيضًا المهن والخدمات التي تعمل خلف الحدث.
وفي السينما، شهدت المملكة انتقالًا من حضور فردي لمخرجين وممثلين سعوديين إلى تأسيس منظومة أكثر اتساعًا للإنتاج والعرض والمهرجانات. وتُعد هيفاء المنصور من أبرز الأسماء السعودية التي سبقت مرحلة ازدهار الصناعة المحلية، فيما برز في السنوات الأخيرة ممثلون ومخرجون ومنتجون سعوديون في أعمال محلية وإقليمية، من بينهم خالد صقر وبراء عالم وإبراهيم الحساوي.
وفي هذا السياق، أصبح مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي في جدة منصة رئيسية للسينما السعودية والعربية والدولية، مستضيفًا صناع أفلام ونجومًا ومنتجين من دول مختلفة، إلى جانب عرض أفلام سعودية ودعم المواهب المحلية.
أما المشهد التشكيلي، فله تاريخ سابق على التحولات الحالية. فقد أسهم فنانون مثل الفنانة الراحلة صفية بن زقر، والفنان الراحل عبدالحليم رضوي، والفنانين الراحلين محمد السليم وعبدالجبار اليحيا في تأسيس حضور الفن التشكيلي السعودي، فيما يمثل فنانون معاصرون، بينهم أحمد ماطر، منال الضويان، امتدادًا لتجربة انتقلت من المحلية إلى المشاركة في معارض وفعاليات فنية دولية.
وفي المقابل، دخلت المدن والمواقع التاريخية السعودية في منظومة الفعاليات الثقافية والسياحية. وأصبحت العلا والدرعية وجدة التاريخية تستضيف برامج فنية وثقافية وموسيقية، مستفيدة من المواقع التاريخية والطبيعية في تقديم تجربة تجمع بين المكان والفعاليات.
هذا التوسع يتوافق أهداف رؤية السعودية 2030 في تطوير قطاعات الثقافة والترفيه والسياحة وجودة الحياة، وفتح مجالات اقتصادية ومهنية جديدة. كما أدى نمو هذه القطاعات إلى زيادة الحاجة إلى كوادر سعودية في مجالات لم تكن جزءًا واسعًا من سوق العمل سابقًا، مثل إدارة الفعاليات والإنتاج الفني وصناعة المحتوى والتقنيات المرتبطة بالعروض.
وبذلك تغير موقع الجمهور السعودي أيضًا. فالمواطن لم يعد مستهلكًا للمنتج الفني العالمي عبر السفر أو المنصات فقط، بل أصبح يحضر هذا المنتج داخل مدنه، ويعمل في القطاعات التي تنتجه وتنظمه، فيما يشارك الفنانون السعوديون في الفعاليات نفسها إلى جانب الأسماء الدولية.
وفي الجانب الآخر، أصبحت المملكة سوقًا لصناعة الفعاليات، وموقعًا للإنتاج والاستضافة، ومنصة لعرض الإنتاج الثقافي السعودي. وهذا التحول يفسر اتساع الحضور الدولي في الفعاليات السعودية بالتوازي مع زيادة حضور الفنانين والمبدعين السعوديين خارج المملكة.
ومن هنا، فإن قصة الترفيه والثقافة في السعودية لا تتعلق بعدد النجوم الذين قدموا إلى الرياض أو جدة، بل بتغير طبيعة العلاقة بين السعودية والصناعة الفنية نفسها: من جمهور يستقبل المنتج، إلى سوق تستضيفه، وقطاع يشارك في إنتاجه، ومواهب محلية تبحث عن موقع لها داخله.
وفي هذا التحول، يبقى تركي آل الشيخ أحد أبرز الأسماء المرتبطة بقطاع الترفيه خلال السنوات الأخيرة، فيما تتوزع الصورة الأوسع بين مؤسسات حكومية وخاصة، وفنانين ومبدعين، وشركات إنتاج وتنظيم، وجمهور سعودي أصبح جزءًا من صناعة المشهد، لا مجرد متلقٍ له.
وهذه هي الصورة التي يمكن قراءتها خلف الفعاليات والأضواء: قطاع ترفيه يتوسع، سينما تتشكل، فنانون سعوديون يزداد حضورهم، ومدن تتحول إلى منصات ثقافية؛ وفي قلب ذلك كله، إنسان سعودي أصبح حاضرًا بوصفه جمهورًا ومنتجًا وموظفًا ومبدعًا في آن واحد.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك