تمتلك البحرين ميزة لا تملكها كثير من المدن، وهي قدرتها على الجمع بين التاريخ والحياة الحديثة في مساحة صغيرة. وتبقى المنامة والمحرق مثالاً واضحاً على ذلك؛ فالأحياء القديمة والمباني التراثية والأسواق تحمل ذاكرة أجيال، ويمكن أن تتحول هذه الذاكرة إلى فرصة اقتصادية وسياحية مستدامة.
وقد أثبتت فعاليات مثل «هوا المنامة» و«المنامة ريترو» و«ليالي المحرق» أن الناس تستمتع بالمكان القديم عندما يقدم بصورة جديدة وجذابة. هذه الفعاليات نجحت في إعادة المواطنين والزوار إلى مناطق تحمل الكثير من الذكريات، وأثبتت أن التراث يمكن أن يكون جزءاً من الحياة الاقتصادية المعاصرة.
ومن هنا، لا أعتقد أن الحل هو إلغاء الفعاليات الموسمية، بل على العكس، أرى أهمية استمرار إقامتها سنوياً خلال فصل الشتاء، لما يتميز به الطقس في البحرين من اعتدال، ولما يتيحه ذلك من فرصة لتعزيز حركة السياحة واستقطاب المواطنين والمقيمين والزوار من دول الخليج.
لكن الأهم هو ألا تنتهي الحياة في هذه المناطق بانتهاء الموسم.
فالفعاليات الشتوية يمكن أن تكون بوابة للاستثمار المستدام طوال العام. عندما يأتي الزائر إلى المنامة أو المحرق ويكتشف شارعاً تاريخياً أو مبنى قديماً جميلاً، من الأفضل أن يجد في المكان نشاطاً دائماً يستطيع العودة إليه في أي وقت.
وهنا تأتي أهمية تحويل بعض المباني القديمة، وفق التصنيفات والتنظيمات المناسبة، إلى عناوين ثقافية وتجارية دائمة؛ مثل المقاهي والمطاعم الصغيرة، والمكاتب الإبداعية، والمعارض، والمكتبات، والمتاحف البسيطة التي تحكي تاريخ المنطقة، ومحلات الحرف والمنتجات التراثية، وغيرها من الأنشطة التي تتناسب مع طبيعة المبنى وموقعه.
وهذا النموذج يمكن أن يمنح العائلات المالكة للعقارات القديمة مصدراً مستداماً للدخل. فبدلاً من بقاء مبنى موروث مغلقاً أو محدود الاستفادة، يمكن إعادة تأهيله والمحافظة على طابعه، ثم تحويله إلى أصل اقتصادي منتج يعود بالنفع على الأسرة لسنوات طويلة.
وهنا نصل إلى مفهوم مهم: الاستثمار في المناطق التاريخية يجب ألا يكون موسماً، بل يجب أن يصبح عقيدة استثمارية.
الموسم الشتوي يخلق الزخم ويجذب الناس، لكن الاستثمار الدائم هو الذي يحافظ على هذا الزخم ويمنحه الاستمرارية. فالفعالية قد تستمر أياماً أو أسابيع، أما المقهى أو المتحف أو المكتب أو المتجر فيمكن أن يعمل طوال العام.
ومن الجميل أيضاً أن تتحول هذه المناطق إلى وجهات متنوعة؛ فليس الهدف أن تكون تجارية فقط، وإنما أن تجمع بين الثقافة والتراث والسياحة والتجارة. يمكن للزائر أن يتناول القهوة في مبنى قديم، ثم يزور متحفاً صغيراً، ويمر على متجر للحرف، ويشاهد معرضاً فنياً، ويقرأ قصة المكان، ثم يعود في الشتاء التالي ليجد فعالية جديدة وحياة متجددة.
وهكذا تصبح الفعاليات السنوية جزءاً من منظومة أكبر، وليست الغاية النهائية.
إن المنامة والمحرق تستحقان هذا النوع من الاستثمار، لأنهما لا تملكان المباني القديمة فقط، بل تملكان قصة وهوية وذاكرة. وإذا أحسنا استثمار هذه العناصر، فإننا لا نحافظ على التراث فحسب، بل نحوله إلى مصدر دخل وفرص عمل ونشاط اقتصادي للأجيال القادمة.
وفي النهاية، فإن أجمل ما يمكن أن نفعله بالتراث هو ألا نجعله مجرد صورة من الماضي، بل أن نعطيه حياة جديدة في الحاضر ومستقبلاً في الغد.
فالمدينة القديمة ليست مدينة انتهى زمنها، بل يمكن أن تكون مدينة بدأت فرصتها من جديد.
الرئيس التنفيذي لمجموعة الفاتح

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك