تمثل العلاقات بين مملكة البحرين ودول الاتحاد الأوروبي مجالاً مهماً لتوسيع الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، خصوصاً في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي والحاجة المتزايدة إلى تنويع الأسواق ومصادر الاستثمار والتكنولوجيا. ومع إطلاق المفاوضات بين البحرين والاتحاد الأوروبي بشأن اتفاقية شراكة استراتيجية في يوليو 2026، تبرز فرصة للانتقال بهذه العلاقات إلى مرحلة أوسع تقوم على المصالح الاقتصادية المتبادلة والتنمية المستدامة.
ويشكل التبادل التجاري أحد أهم أسس هذه العلاقة، حيث يعد الاتحاد الأوروبي شريكاً اقتصادياً رئيسياً لمنطقة الخليج، وبلغ إجمالي تجارة السلع بين الاتحاد ودول مجلس التعاون الخليجي نحو 165.7 مليار يورو خلال عام 2025. ومن هنا، يمكن للبحرين الاستفادة بصورة أكبر من الأسواق الأوروبية الواسعة، وفي المقابل توفير منصة للشركات الأوروبية للوصول إلى الفرص المتنامية في البحرين ومنطقة الخليج.
ولا ينبغي أن يقتصر الطموح على زيادة حجم التبادل التجاري، وإنما الانتقال نحو شراكات استثمارية متبادلة. ويمكن أن تشمل هذه الشراكات قطاعات الخدمات المالية والتكنولوجيا والصناعة والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والسياحة والاقتصاد الرقمي، بما يسمح بجذب رأس المال والخبرات الأوروبية إلى البحرين، وفي الوقت ذاته فتح مجالات أوسع للاستثمارات والشركات البحرينية في الأسواق الأوروبية.
ويبرز القطاع المصرفي والمالي كأحد المجالات الواعدة لتعميق هذه الشراكة، نظراً إلى الخبرة الطويلة التي تتمتع بها البحرين كمركز مالي إقليمي. ويمكن تشجيع المزيد من البنوك والمؤسسات المالية الأوروبية على تأسيس أو توسيع حضورها في المملكة، إلى جانب دعم المؤسسات المالية البحرينية الراغبة في التوسع في الأسواق الأوروبية وفق المتطلبات التنظيمية لكل سوق.
وفي الجانب الصناعي، ينبغي العمل على تعزيز حضور علامة »صنع في البحرين – Made in Bahrain«في الأسواق الأوروبية، من خلال دعم الشركات البحرينية في الوصول إلى معايير الجودة والاستدامة والمواصفات المطلوبة في تلك الأسواق. ويمكن التركيز على المنتجات والصناعات التي تمتلك فيها المملكة قدرات تنافسية، مع تشجيع الشركات على رفع القيمة المضافة المحلية وتطوير منتجات قادرة على المنافسة عالمياً.
كما يمكن أن تلعب الشراكات الأوروبية دوراً أكبر في التحول نحو الاقتصاد المستدام، من خلال الاستثمار المشترك في الطاقة النظيفة، وكفاءة استخدام الموارد، والصناعات منخفضة الانبعاثات، والابتكار والتكنولوجيا المتقدمة. وتملك العديد من الدول الأوروبية خبرات واسعة في هذه المجالات يمكن الاستفادة منها عبر مشاريع مشتركة ونقل المعرفة وتطوير الكفاءات البحرينية.
ومن المحاور المهمة كذلك تسهيل حركة الأفراد بين البحرين وأوروبا، لما لذلك من أثر في السياحة والأعمال والاستثمار والتعليم. ويمكن العمل على تطوير إجراءات التأشيرات وتسهيلها، وصولاً على المدى الأبعد إلى بحث إمكانية الإعفاء المتبادل من تأشيرات الزيارات القصيرة وفق الأطر والاشتراطات الأوروبية المعمول بها.
ويمكن كذلك توسيع التعاون في التعليم والبحث العلمي والابتكار من خلال الشراكات بين الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات، وتبادل الخبرات والبرامج التدريبية، بما يساعد على نقل المعرفة إلى المملكة وإعداد الكفاءات الوطنية للقطاعات الاقتصادية المستقبلية.
وفي المحصلة، فإن تطوير الشراكة بين مملكة البحرين والاتحاد الأوروبي يمكن أن يفتح مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي تقوم على التجارة والاستثمار والخدمات المالية والصناعة والتكنولوجيا والاستدامة وسهولة التنقل. ومع المفاوضات الجارية بشأن شراكة استراتيجية أوسع، تمتلك البحرين فرصة لتعزيز حضور منتجات Made in Bahrain في الأسواق الأوروبية، واستقطاب المزيد من الاستثمارات والخبرات، وفتح أسواق جديدة أمام الشركات الوطنية. وتحويل هذه العلاقات إلى شراكة اقتصادية متكاملة من شأنه أن يدعم التنويع والإنتاجية والتنافسية، ويسهم في بناء اقتصاد بحريني أكثر انفتاحاً ومرونة واستدامة.
ماجستير تنفيذي بالإدارة من المملكة المتحدة (EMBA)
عضو بمعهد المهندسين والتكنولوجيا البريطانية العالمية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك