أول بحرينية تحصل على الرخصة الأوروبية للطيران التجاري من أكاديمية «بست فلاي» التابعة للوكالة الأوروبية
لسلامة الطيران في دولة المجر.. هادية طلال قاسم لأخبار الخليج:

تقول الأديبة الأمريكية كاثرين كاي هاتون: «لا يوجد مكان أجمل من النظرة الأولى للمدينة من أعلى.. تلك اللحظة التي يعيشها الجميع.. ولكن بالطريقة الخاصة للطيار.!
فماذا حين يكون قائد الطائرة امرأة؟!
لقد أصبحت المرأة اليوم تحلق في السماء بكل كفاءة وثقة، لتؤكد أن الطموح ليس له سقف أو حدود، وعلى أن الإصرار هو سبيل تحقيق الأحلام، لذلك تظل قائدة الطائرة نموذجا للتمكن والقوة، فهي تجمع بين العلم والمهارة والشجاعة وتحمل المسؤولية والدقة العالية والتركيز الشديد.
هادية طلال قاسم، أول بحرينية تحصل على الرخصة الأوروبية للطيران التجاري من أكاديمية «بست فلاي» في دولة المجر التابعة للوكالة الأوروبية لسلامة الطيران، وجدت في الطيران شغفها فقررت احترافه حين اكتشفت أن كل طيار يعلو عن الأرض ويلتحف السماء لن يجد نفسه فيما بعد إلا مع تلك المهنة، حتى أنه لن يتصور نفسه سوى وراء مقود الطائرة.
نعم تأخر تحقيق حلم أن تصبح نجم سماء الليل الذي يقود سفينته بكل دقة نحو وجهتها، ولكنه حين رأى النور أدركت أن كل لحظة انتظار كانت تستحق، وبالفعل بلغت هدفها بعد رحلة طويلة من الجد والجهد لتصبح اليوم مؤهلة للخوض في هذه المهنة التي كانت في وقت ما حكرا على الرجال، لتؤكد أن المرأة قادرة على صنع التغيير وتجاوز كل القيود والحواجز بكل عزيمة وثقة.
حول هذه التجربة الملهمة كان الحوار التالي:
*حدثينا عن نشأتك؟
- لقد كنت طفلة مفرطة النشاط ومشاغبة وأمارس هوايات عديدة منها السباحة وركوب الدراجة وغيرها، إلى جانب شغفي الشديد بالتعلم والمعرفة، الأمر الذي جعلني متفوقة في دراستي دوما، وكنت أرى نفسي شخصية قيادية في المستقبل، وقد قررت دراسة دبلوم إدارة موارد بشرية في إحدى الأكاديميات الخاصة، ومن بعد ذلك حصلت على شهادة دبلوم أخرى في تربية الأطفال حول نظام مونتيسوري القائم على التعلم الذاتي واكتشاف الطفل لمهاراته، وأثناء الدراسة عملت موظفة لدى شركة طيران البحرين، إلى أن حدثت نقطة تحول في حياتي.
*وما نقطة التحول؟
- في عام 2012 كنت قد التقيت جلالة الملك المعظم في معرض البحرين الدولي للطيران وهو حدث عالمي مهم، وكان ذلك أثناء عملي في شركة طيران البحرين، وهنا تولدت بداخلي رغبة في أن أصبح أول قائدة بحرينية للطائرة حيث استلهمت الفكرة خلال لقائي بجلالته، وبالفعل بدأت في البحث حول هذه الفكرة ودراستها بصورة عميقة، واستغرق مني ذلك سنوات، إلى أن تم تحديد الجهة التي سوف أدرس بها هذا التخصص من بين عدة خيارات، ويمكن القول بأن هذا الأمر ظل مجرد حلم مؤجل، وحدث أنني تركت شركة طيران البحرين والتحقت بشركة اتصالات، بعدها انتقلت إلى العمل في إحدى المدارس الخاصة.
*ثم ماذا؟
- بعد أن وصلت إلى منصب في الحقل التعليمي حقق لي حلم القيادة الذي كان يراودني منذ الطفولة، قررت الحصول على شهادة البكالوريوس في تخصص إدارة الأعمال، وتفرغت تماما لبلوغ هذا الهدف، وقد تزامن ذلك مع اندلاع جائحة كورونا، وأثناء الدراسة التحقت بوزارة التربية والتعليم للعمل في وظيفة إدارية، وقبل التخرج مباشرة قمت بالبحث عن مجال متميز لاستكمال مشوار الدراسات العليا لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه، وحين استشرت زوجي نصحني بدراسة تخصص أشبع من خلاله شغفي بمجال الطيران، وقد كان.
*كيف جاء الاختيار؟
- بالفعل استمعت إلى نصيحة زوجي وكأنه فتح أمامي نافذة لرؤية هذا الحلم يتحقق أمام عيني على أرض الواقع، وبعد أن كبرت ابنتي وأصبحت تعتمد على نفسها، بحثت عن أفضل الأكاديميات في أوروبا لدراسة الطيران، فالتحقت بأكاديمية «بست فلاي» بدولة المجر التابعة للوكالة الأوروبية لسلامة الطيران، وحصلت على رخصة الطيران التجاري منها كأول بحرينية تحقق هذا الإنجاز.
*مراحل التأهل لقيادة الطائرة؟
- التأهل لقيادة الطائرة تطلب الحصول على خمس رخص، الأولى رخصة الطيار الخاصة والتي امتدت فترة دراستها من أكتوبر 2024 إلى أبريل 2025، وشملت تسع مواد نظرية أكاديمية وحكومية و45 ساعة من التدريب، والرخصة الثانية هي رخصة طيار النقل الجوي من الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران «اوسترو كونترول» وهي تعد الركيزة الأساسية للرخص اللاحقة وشملت دراستها 13 مادة موزعة على ست جلسات، ورغم أن مدة السماح لتقديم الامتحانات تصل إلي 18 شهرا إلا أنني أنهيتها في عشرة أشهر، والرخصة الثالثة ( إن في إف آر وسيبير ) وهي تأهيل الطيران بالأجهزة والعدادات على طائرة بمحرك واحد بالإضافة إلي الطيران الليلي وقد استغرقت خمسين ساعة من الدراسة العملية، أما الرخصة الرابعة فهي رخصة »إم إي بي« وهي تتضمن التأهيل للطيران على طيارة متعددة المحركات، وبالنسبة إلى الرخصة الخامسة فهي مدمجة وتشمل الطيران التجاري والتأهيل للطيران بالأجهزة والعدادات للطائرات متعددة المحركات.
*أهم التحديات؟
- لا شك أن هذا المجال ظل حكرا على الرجال سنوات طوال، ومن ثم يمكن القول بأنني واجهت تحديا لكوني امرأة عربية، وذلك بسبب الاعتقاد بأن العرب بشكل عام أقل كفاءة، ولكني واجهت هذه المشكلة بكل قوة وثقة وأثبت للجميع بأنه لا فرق بيني وبين أي امرأة من جنسية أخرى سواء على الصعيد النظري أو العملي، بل يمكن القول بأنني أبهرت الجميع بأدائي حتى أنني اجتزت الدراسة النظرية في فترة قياسية استغرقت سنة وثمانية أشهر رغم أنها فعليا تحتاج إلى عامين كحد أدنى، وكم أنا فخورة بأن تجربتي أثبتت أن الطموح ليس له عمر طالما هناك إرادة وإصرار، وأن الخالق إذا أخر أي شيء يكون وراء ذلك سبب ما، وهذا ما أدركته بالفعل حيث أراد لي الله سبحانه وتعالي تهيئتي وتأهلي لاتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب وعن نضج كبير.
*من وراء نجاحك؟
- حين يتحلى المرء بالشغف يكتشف أنه ليس هناك مستحيل في الحياة، لأن شغفه يصبح المصدر الأول الذي يدعمه ومن ثم لا ينتظر أي مساعدة من المحيطين به، وأود الإشارة هنا إلى أنني تلقيت كل الدعم والتشجيع من زوجي ووالدي الأمر الذي أسهم في تحقيق ما وصلت إليه اليوم.
*موقف لا ينسى؟
- أثناء التدريب العملي سألني أحد المدربين عن كيفية مواجهة موقف طارئ وكيفية التصرف حياله، وبالطبع كان ذلك بمثابة اختبار، وقد جاءت إجابتي بصورة أبهرته كشفت له عن سرعة البديهة والتصرف والبراعة في الأداء، الأمر الذي دفعه إلى التأكيد لي على أنني أصبحت بالفعل جاهزة للخوض في هذا المجال وبكل اقتدار.
*أصعب تجربة؟
- أصعب تجربة مرت بي كانت أثناء التدريب العملي حين تعرض محرك الطائرة التي كنت أقودها إلي عطل، وكان بصحبتي ضابط السلامة، ولقد أدهشته ببراعة التصرف وبالثقة التي كنت أتحلي بها في ذلك الموقف الصعب، حيث هبطت بالطائرة بكل هدوء وكفاءة ، وأذكر أنه قال لي إنه قد مر بنفس التجربة مع متدربين من الرجال ولكنني تفوقت عليهم بثقتي في نفسي وبالثبات الانفعالي، كذلك كانت عملية التقديم للامتحانات في أكثر من دولة مثل فيينا والنمسا وإسبانيا وإيطاليا من الأمور الصعبة للغاية والتي تحملت خلالها الكثير من العناء، ولكن وبسبب الإصرار على التغلب على أي مصاعب قد تحول بيني وبين بلوغ هدفي تمكنت ولله الحمد من هزيمة كل المشاكل التي مرت بي وعبرتها بسلام.
*تعريفك للفشل؟
- يمكن القول إنني شخصية مغامرة، وأعمل دائما على تحليل المخاطر وتذليل العقبات عبر البحث عن جذور المشاكل ومحاولة ملء أي نقص وإيجاد الحلول والبدائل، لذلك أنظر إلى الفشل دائما على أنه بداية جديدة وليس نهاية، أما سلاحي في الحياة فهو شغفي الذي أنتصر به على كل التحديات.
*حلمك القادم؟
- أنا دائما ألاحق أحلامي مهما كان حجمها، ولا أسمح لها بأن تتبدد، لذلك أشعر بالرضا تجاه ما حققته اليوم ولله الحمد، ولدي قناعة بأن الخالق وحده هو من يطبطب علينا وقت الشدائد، وهو ما حدث معي فعليا خلال أداء الامتحان النهائي حين دعيت ربي بألا يفجعني فاستجاب لي، ونجحت بفضله، الأمر الذي جعلني أنهمر في البكاء من شدة الفرح والامتنان لكرمه معي سبحانه وتعالى.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك