العدد : ١٧٧١٩ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ربيع الآخر أو ربيع الثاني ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٩ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ربيع الآخر أو ربيع الثاني ١٤٤٨هـ

الرأي الثالث

محميد المحميد

malmahmeed7@gmail.com

الفندق ليس غرفا.. بل هوية وطن

‮«‬من‭ ‬لا‭ ‬هوية‭ ‬له،‭ ‬لا‭ ‬حضور‭ ‬له‮»‬‭.. ‬مقولة‭ ‬تختصر‭ ‬سر‭ ‬بقاء‭ ‬الأمم،‭ ‬فالدول‭ ‬التي‭ ‬اعتزت‭ ‬بقيمها‭ ‬وثقافتها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬بقيت‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬العالم،‭ ‬أما‭ ‬التي‭ ‬اكتفت‭ ‬بتقليد‭ ‬الآخرين‭ ‬فقد‭ ‬ذابت‭ ‬واندثرت‭.‬

واليوم،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬المنافسة‭ ‬السياحية‭ ‬الشرسة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الفنادق‭ ‬مجرد‭ ‬أماكن‭ ‬للمبيت،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬واجهة‭ ‬الوطن‭ ‬الأولى،‭ ‬وبوابة‭ ‬الهوية،‭ ‬وأول‭ ‬انطباع‭ ‬يحمله‭ ‬الزائر‭ ‬عن‭ ‬شعب‭ ‬وثقافة‭.. ‬ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬دور‭ ‬الفنادق‭ ‬والمنشآت‭ ‬السياحية‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ترفاً‭ ‬ثقافياً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬استثمار‭ ‬استراتيجي‭ ‬في‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة‭ ‬لمملكة‭ ‬البحرين‭. ‬

فالسائح‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬ليجد‭ ‬نسخة‭ ‬مكررة‭ ‬من‭ ‬فندق‭ ‬رآه‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬أو‭ ‬آسيا،‭ ‬بل‭ ‬يأتي‭ ‬ليجد‭ ‬البحرين‭.. ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يشم‭ ‬رائحة‭ ‬العود‭ ‬البحريني‭ ‬عند‭ ‬دخوله‭ ‬‮«‬اللوبي‮»‬،‭ ‬ويرى‭ ‬النقشة‭ ‬البحرينية‭ ‬على‭ ‬السجاد،‭ ‬ويتذوق‭ ‬الطعام‭ ‬البحريني‭ ‬التقليدي‭ ‬في‭ ‬الوجبات،‭ ‬ويسمع‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬حياك‭ ‬الله‮»‬‭ ‬بلهجة‭ ‬أهل‭ ‬البحرين‭ ‬الأصيلة‭. ‬

إن‭ ‬الدول‭ ‬الذكية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تستثمر‭ ‬كل‭ ‬فرصة‭ ‬لانتشار‭ ‬ثقافتها‭ ‬وتسويقها،‭ ‬والفندق‭ ‬هو‭ ‬الفرصة‭ ‬الذهبية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتكرر‭.. ‬فالزائر‭ ‬يقضي‭ ‬في‭ ‬الفندق‭ ‬ساعات‭ ‬أطول‭ ‬مما‭ ‬يقضيه‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬موقع‭ ‬سياحي‭ ‬آخر‭.. ‬فلماذا‭ ‬لا‭ ‬نحول‭ ‬هذه‭ ‬الساعات‭ ‬إلى‭ ‬رحلة‭ ‬ثقافية‭ ‬متكاملة؟‭ ‬

وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬ضرورة‭ ‬التكامل‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬بين‭ ‬هيئة‭ ‬البحرين‭ ‬للثقافة‭ ‬والآثار‭ ‬وهيئة‭ ‬البحرين‭ ‬للسياحة‭ ‬والمعارض‭.. ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬للسياحة‭ ‬أن‭ ‬تزدهر‭ ‬بلا‭ ‬ثقافة،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬للثقافة‭ ‬أن‭ ‬تنتشر‭ ‬بلا‭ ‬سياحة‭.. ‬والمطلوب‭ ‬هو‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭ ‬مشترك‭ ‬يضع‭ ‬معايير‭ ‬ملزمة‭ ‬للهوية‭ ‬البحرينية‭ ‬في‭ ‬الفنادق،‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬فعلت‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭. ‬

ولدينا‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬كنز‭ ‬ثمين‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬شريكاً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشروع،‭ ‬وهو‭ ‬‮«‬كلية‭ ‬فاتيل‭ ‬للضيافة‮»‬‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬أرقى‭ ‬كليات‭ ‬الضيافة‭ ‬في‭ ‬العالم‭.. ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬التعاون‭ ‬معها‭ ‬لإطلاق‭ ‬دبلوم‭ ‬متخصص‭ ‬في‭ ‬‮«‬الضيافة‭ ‬البحرينية‭ ‬الأصيلة»؟‭ ‬دبلوم‭ ‬يدرس‭ ‬فيه‭ ‬الطالب‭ ‬تاريخ‭ ‬البحرين،‭ ‬وفن‭ ‬الضيافة‭ ‬البحرينية،‭ ‬وتقاليد‭ ‬‮«‬السنع‭ ‬البحريني‮»‬،‭ ‬من‭ ‬حسن‭ ‬استقبال‭ ‬وكرم‭ ‬واحترام‭ ‬وعناية‭ ‬بالتفاصيل،‭ ‬ومعرفة‭ ‬الأطباق‭ ‬الشعبية‭ ‬وتقاليدها،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التعريف‭ ‬بالمواقع‭ ‬الأثرية‭ ‬والتاريخية‭. ‬

هذا‭ ‬البرنامج‭ ‬سيحقق‭ ‬هدفين‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭: ‬تعزيز‭ ‬الهوية،‭ ‬وفتح‭ ‬فرص‭ ‬التوظيف‭ ‬النوعي‭ ‬للشباب‭ ‬البحريني‭.. ‬ذلك‭ ‬إن‭ ‬فتح‭ ‬فرص‭ ‬التوظيف‭ ‬للشباب‭ ‬البحريني‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الفنادق،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬واجهة‭ ‬الاستقبال،‭ ‬هو‭ ‬مطلب‭ ‬وطني‭ ‬ملح‭.. ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬ألزمت‭ ‬الفنادق‭ ‬بجعل‭ ‬موظفي‭ ‬الاستقبال‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬فقط،‭ ‬لأن‭ ‬موظف‭ ‬الاستقبال‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬وجه‭ ‬للوطن‭.. ‬وعندما‭ ‬يستقبل‭ ‬السائح‭ ‬شابٌ‭ ‬بحرينيٌ‭ ‬بزيه‭ ‬الوطني‭ ‬وثقافته‭ ‬وابتسامته،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬يعطي‭ ‬انطباعاً‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعطيه‭ ‬أي‭ ‬موظف‭ ‬آخر‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬كفاءته‭. ‬

الشاب‭ ‬البحريني‭ ‬هو‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يحكي‭ ‬قصة‭ ‬‮«‬قلعة‭ ‬البحرين‮»‬‭ ‬كأنه‭ ‬يحكي‭ ‬قصة‭ ‬بيته‭.. ‬ويصف‭ ‬‮«‬سوق‭ ‬المنامة‮»‬‭ ‬كأنه‭ ‬يصف‭ ‬غرفة‭ ‬جلوسه‭.. ‬ولنا‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬أشقائنا‭ ‬في‭ ‬أبوظبي‭ ‬خير‭ ‬مثال‭ ‬يحتذى‭ ‬به،‭ ‬فقد‭ ‬أطلقت‭ ‬دائرة‭ ‬الثقافة‭ ‬والسياحة‭ ‬في‭ ‬أبوظبي‭ ‬مؤخراً‭ ‬معايير‭ ‬الضيافة‭ ‬الإماراتية،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬استراتيجية‭ ‬رائدة،‭ ‬تجسد‭ ‬رؤية‭ ‬أبوظبي‭ ‬في‭ ‬جعل‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬محوراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬لتجربة‭ ‬الزائر‭.. ‬فلماذا‭ ‬لا‭ ‬نطلق‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬‮«‬معايير‭ ‬الضيافة‭ ‬البحرينية»؟‭ ‬معايير‭ ‬تفرض‭ ‬وجود‭ ‬ركن‭ ‬بحريني‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬فندق،‭ ‬وقائمة‭ ‬طعام‭ ‬بحريني‭ ‬أصيل،‭ ‬وموظفا‭ ‬يرتدي‭ ‬الثوب‭ ‬والغترة‭ ‬البحرينية‭ ‬في‭ ‬الضيافة‭ ‬والاستقبال،‭ ‬وتدريبا‭ ‬إلزاميا‭ ‬لكل‭ ‬موظفي‭ ‬الفنادق‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬البحرينية‭.‬

إن‭ ‬الفندق‭ ‬الذي‭ ‬بلا‭ ‬هوية،‭ ‬هو‭ ‬مجرد‭ ‬مبنى‭ ‬من‭ ‬أسمنت‭.. ‬أما‭ ‬الفندق‭ ‬الذي‭ ‬ينبض‭ ‬بهوية‭ ‬البحرين،‭ ‬فهو‭ ‬سفارة‭ ‬متكاملة‭ ‬للوطن‭. ‬

إقرأ أيضا لـ"محميد المحميد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا