الرأي الثالث
محميد المحميد
malmahmeed7@gmail.com
الفندق ليس غرفا.. بل هوية وطن
«من لا هوية له، لا حضور له».. مقولة تختصر سر بقاء الأمم، فالدول التي اعتزت بقيمها وثقافتها هي التي بقيت في ذاكرة العالم، أما التي اكتفت بتقليد الآخرين فقد ذابت واندثرت.
واليوم، في زمن المنافسة السياحية الشرسة، لم تعد الفنادق مجرد أماكن للمبيت، بل أصبحت واجهة الوطن الأولى، وبوابة الهوية، وأول انطباع يحمله الزائر عن شعب وثقافة.. ولهذا، فإن دور الفنادق والمنشآت السياحية في تعزيز الهوية الوطنية لم يعد ترفاً ثقافياً، بل هو استثمار استراتيجي في القوة الناعمة لمملكة البحرين.
فالسائح لا يأتي إلى البحرين ليجد نسخة مكررة من فندق رآه في أوروبا أو آسيا، بل يأتي ليجد البحرين.. يريد أن يشم رائحة العود البحريني عند دخوله «اللوبي»، ويرى النقشة البحرينية على السجاد، ويتذوق الطعام البحريني التقليدي في الوجبات، ويسمع كلمة «حياك الله» بلهجة أهل البحرين الأصيلة.
إن الدول الذكية هي التي تستثمر كل فرصة لانتشار ثقافتها وتسويقها، والفندق هو الفرصة الذهبية التي لا تتكرر.. فالزائر يقضي في الفندق ساعات أطول مما يقضيه في أي موقع سياحي آخر.. فلماذا لا نحول هذه الساعات إلى رحلة ثقافية متكاملة؟
وهنا تبرز ضرورة التكامل الاستراتيجي بين هيئة البحرين للثقافة والآثار وهيئة البحرين للسياحة والمعارض.. فلا يمكن للسياحة أن تزدهر بلا ثقافة، ولا يمكن للثقافة أن تنتشر بلا سياحة.. والمطلوب هو مشروع وطني مشترك يضع معايير ملزمة للهوية البحرينية في الفنادق، تماماً كما فعلت الدول المتقدمة في هذا المجال.
ولدينا في البحرين كنز ثمين يمكن أن يكون شريكاً محورياً في هذا المشروع، وهو «كلية فاتيل للضيافة» في البحرين، التي تعتبر من أرقى كليات الضيافة في العالم.. لماذا لا يتم التعاون معها لإطلاق دبلوم متخصص في «الضيافة البحرينية الأصيلة»؟ دبلوم يدرس فيه الطالب تاريخ البحرين، وفن الضيافة البحرينية، وتقاليد «السنع البحريني»، من حسن استقبال وكرم واحترام وعناية بالتفاصيل، ومعرفة الأطباق الشعبية وتقاليدها، والقدرة على التعريف بالمواقع الأثرية والتاريخية.
هذا البرنامج سيحقق هدفين في آن واحد: تعزيز الهوية، وفتح فرص التوظيف النوعي للشباب البحريني.. ذلك إن فتح فرص التوظيف للشباب البحريني في قطاع الفنادق، وخاصة في واجهة الاستقبال، هو مطلب وطني ملح.. فكثير من الدول ألزمت الفنادق بجعل موظفي الاستقبال من المواطنين فقط، لأن موظف الاستقبال هو أول وجه للوطن.. وعندما يستقبل السائح شابٌ بحرينيٌ بزيه الوطني وثقافته وابتسامته، فإن هذا يعطي انطباعاً لا يمكن أن يعطيه أي موظف آخر مهما كانت كفاءته.
الشاب البحريني هو القادر على أن يحكي قصة «قلعة البحرين» كأنه يحكي قصة بيته.. ويصف «سوق المنامة» كأنه يصف غرفة جلوسه.. ولنا في تجربة أشقائنا في أبوظبي خير مثال يحتذى به، فقد أطلقت دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي مؤخراً معايير الضيافة الإماراتية، في خطوة استراتيجية رائدة، تجسد رؤية أبوظبي في جعل الهوية الوطنية محوراً رئيسياً لتجربة الزائر.. فلماذا لا نطلق نحن في البحرين «معايير الضيافة البحرينية»؟ معايير تفرض وجود ركن بحريني في كل فندق، وقائمة طعام بحريني أصيل، وموظفا يرتدي الثوب والغترة البحرينية في الضيافة والاستقبال، وتدريبا إلزاميا لكل موظفي الفنادق على الثقافة البحرينية.
إن الفندق الذي بلا هوية، هو مجرد مبنى من أسمنت.. أما الفندق الذي ينبض بهوية البحرين، فهو سفارة متكاملة للوطن.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك