في فيلم "البيضة والحجر" قد تبدو عبارة “ويلٌ للعالم إذا انحرف المتعلمون”، مجرد عبارة قيلت في فيلم، لكنّي أراها بالنسبة لي تختصر سؤالاً أكبر بكثير، سؤالاً عن المعرفة حين تنفصل عن الضمير، وعن العقل حين يتحول من وسيلة لفهم الإنسان إلى وسيلة للسيطرة عليه.
“مستطاع” أستاذ فلسفة يفقد عمله، ويجد نفسه في غرفة متواضعة فوق سطح بناية في حي شعبي. هناك يكتشف أن المكان ارتبط في أذهان سكانه برجل كان يمارس الدجل والعلاج الروحي. كان يستطيع أن يسخر من الناس، وأن يعتبر نفسه أكثر وعياً منهم.
لكنه فعل شيئاً أكثر خطورة.
قرأهم.
لم يحتج إلى الجن ولا إلى الطلاسم. كان يمتلك ما هو أكثر تأثيراً: معرفة بالنفس البشرية.
عرف أن الإنسان حين يخاف يصبح مستعداً لتصديق من يمنحه تفسيراً، وأنه حين يعجز عن احتمال “لا أعرف”، يبحث عمن يقول له: “أنا أعرف”.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فالناس لا يصدقون الوهم دائماً لأنهم جهلة. أحياناً يصدقونه لأنهم خائفون. وأحياناً لأن الحقيقة نفسها تكون أقسى مما يحتملون.
الحقيقة تقول: لا نعرف ماذا سيحدث غداً.
أما الوهم فيقول: أنا أعرف.
وبين الجملتين يمكن أن تضيع حياة كاملة.
كان مستطاع يكتشف شيئاً فشيئاً أن الناس لا يبحثون فقط عن علاج أو معرفة المستقبل، وإنما عن شخص يحمل عنهم جزءاً من قلقهم. وهنا يتحول الذكاء إلى اختبار أخلاقي.
فالمعرفة في حد ذاتها لا تجعل الإنسان أفضل.
قد تمنحه القدرة على الفهم، لكنها لا تخبره بالضرورة ماذا يفعل بما فهمه.
أن تعرف نقطة ضعف إنسان ثم تختار ألا تستغلها، ربما يكون ذلك أحد أصدق أشكال القوة. أما أن تستخدمها لتصبح أقوى منه، فالمشكلة عندها ليست في الذكاء، بل في الاتجاه الذي أخذته بهذا الذكاء.
وهذا ما يجعل مستطاع أكثر تعقيداً من مجرد دجال. نراه في البداية يحاول النجاة، فنفهمه. ثم يكتشف قدرته، فنعجب بذكائه. ثم يتمادى، فنبدأ في الخوف منه.
فالإنسان لا يسقط دائماً لأنه شرير منذ البداية.
أحياناً يبدأ الأمر بجملة صغيرة:
“أنا مضطر”.
ثم تصبح:
“أنا أستطيع”.
ثم:
“لماذا لا أفعل، ما دام الآخرون يصدقون؟”
وهكذا يتغير الإنسان من دون أن يعرف اللحظة التي تغير فيها.
وربما لهذا لا يدين الفيلم الوهم وحده، بل يضعنا أمام ضعفنا نحن.
ذلك الجزء في داخل كل واحد منا الذي يريد أن يعرف المستقبل، وأن يضمن الحب، وأن يجد تفسيراً سريعاً لكل ما يحدث.
نحن لا نحتاج دائماً إلى دجال كي نخدع أنفسنا.
أحياناً نقوم بالمهمة وحدنا.
نصدق ما نريد تصديقه، ونبحث عن الأدلة التي تطمئننا، ونتجاهل ما يؤلمنا، ثم نسمي ذلك يقيناً.
وربما كان أخطر أنواع الوهم هو الذي نصنعه بأيدينا.
فهل المشكلة فيمن يخدع، أم في حاجتنا إلى من يخدعنا؟

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك