العدد : ١٧٧١٠ - الجمعة ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٠ - الجمعة ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

مقالات

ممنوع اللمعان

بقلم: عبير محمد دهام

الخميس ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

لطالما‭ ‬شغلني‭ ‬سؤال‭ ‬يبدو‭ ‬بسيطاً‭: ‬عندما‭ ‬نطفئ‭ ‬المصباح،‭ ‬أين‭ ‬تذهب‭ ‬جسيمات‭ ‬الضوء؟‭ ‬حاولت‭ ‬طويلاً‭ ‬أن‭ ‬أجد‭ ‬جواباً‭ ‬مقنعاً‭. ‬هل‭ ‬تختفي‭ ‬فجأة؟‭ ‬هل‭ ‬تغادر‭ ‬المكان؟‭ ‬أم‭ ‬تبقى‭ ‬عالقة‭ ‬في‭ ‬الزوايا،‭ ‬تنتظر‭ ‬أن‭ ‬نضيء‭ ‬المصباح‭ ‬من‭ ‬جديد؟

يخبرنا‭ ‬العلم‭ ‬أن‭ ‬المصباح‭ ‬حين‭ ‬ينطفئ‭ ‬يتوقف‭ ‬عن‭ ‬إطلاق‭ ‬فوتونات‭ ‬جديدة،‭ ‬أما‭ ‬ما‭ ‬انطلق‭ ‬منها‭ ‬بالفعل‭ ‬فيواصل‭ ‬طريقه‭ ‬زمناً‭ ‬بالغ‭ ‬القصر،‭ ‬حتى‭ ‬تمتصه‭ ‬الجدران‭ ‬والأثاث‭ ‬والأجسام،‭ ‬فتتحول‭ ‬طاقته‭ ‬إلى‭ ‬حرارة‭ ‬أو‭ ‬صورة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬الطاقة‭. ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬الضوء‭ ‬معلقاً‭ ‬في‭ ‬الغرفة،‭ ‬ولا‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬مجهول؛‭ ‬إنه‭ ‬يغيّر‭ ‬صورته‭ ‬ويترك‭ ‬أثره‭.‬

ومن‭ ‬الفيزياء‭ ‬تسلل‭ ‬السؤال‭ ‬إلى‭ ‬ذهني‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬إنسانية‭: ‬عندما‭ ‬يُطفأ‭ ‬إنسان‭ ‬كان‭ ‬يملأ‭ ‬المكان‭ ‬حضوراً‭ ‬وعطاءً،‭ ‬أين‭ ‬يذهب‭ ‬ضوؤه؟

في‭ ‬مؤسساتنا‭ ‬أشخاص‭ ‬يشبهون‭ ‬الضوء‭. ‬يدخلون‭ ‬إلى‭ ‬الأماكن‭ ‬الثقيلة‭ ‬فتخفّ‭ ‬وطأتها،‭ ‬ويرون‭ ‬الطريق‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬الآخرون‭ ‬سوى‭ ‬المشكلة‭. ‬يصنعون‭ ‬الفرق‭ ‬بهدوء،‭ ‬ويتركون‭ ‬خلفهم‭ ‬عملاً‭ ‬منظماً،‭ ‬وفكرة‭ ‬ناضجة،‭ ‬وموظفاً‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬ثقة،‭ ‬ومكاناً‭ ‬أفضل‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭.‬

وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬سؤال‭ ‬يستحق‭ ‬التأمل‭: ‬لماذا‭ ‬يخشى‭ ‬بعض‭ ‬المسؤولين‭ ‬الموظف‭ ‬اللامع؟

ربما‭ ‬لأن‭ ‬حضوره‭ ‬يكشف‭ ‬ما‭ ‬اعتاد‭ ‬الآخرون‭ ‬إخفاءه،‭ ‬ولأن‭ ‬نجاحه‭ ‬يوضح‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يصنع‭ ‬الإنجاز‭ ‬ومن‭ ‬يكتفي‭ ‬بالوقوف‭ ‬إلى‭ ‬جواره‭ ‬عند‭ ‬التقاط‭ ‬الصورة‭. ‬فالمسؤول‭ ‬غير‭ ‬الواثق‭ ‬قد‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬تميز‭ ‬موظفه‭ ‬منافسة‭ ‬شخصية،‭ ‬لا‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسة‭. ‬يقلقه‭ ‬أن‭ ‬يُذكر‭ ‬اسم‭ ‬غير‭ ‬اسمه،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يُنسب‭ ‬النجاح‭ ‬إلى‭ ‬صاحبه‭ ‬الحقيقي،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يكتشف‭ ‬الآخرون‭ ‬أن‭ ‬لدى‭ ‬المؤسسة‭ ‬عقلاً‭ ‬آخر‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬والقيادة‭.‬

لذلك،‭ ‬تبدأ‭ ‬عملية‭ ‬خفض‭ ‬الإضاءة‭ ‬بهدوء‭. ‬تُسحب‭ ‬من‭ ‬الموظف‭ ‬الملفات‭ ‬المؤثرة،‭ ‬وتُقلّص‭ ‬مساحة‭ ‬مشاركته،‭ ‬وتُستبعد‭ ‬آراؤه‭ ‬من‭ ‬الاجتماعات،‭ ‬ثم‭ ‬تظهر‭ ‬أفكاره‭ ‬لاحقاً‭ ‬وقد‭ ‬ارتدت‭ ‬أسماءً‭ ‬أخرى‭. ‬وقد‭ ‬يُطلب‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬بإخلاص،‭ ‬شرط‭ ‬ألا‭ ‬يلمع‭ ‬كثيراً،‭ ‬وأن‭ ‬ينجز،‭ ‬شرط‭ ‬ألا‭ ‬يُرى،‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬مبدعاً‭ ‬بالقدر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزعج‭ ‬ترتيب‭ ‬المقاعد‭.‬

وهكذا‭ ‬تجيد‭ ‬بعض‭ ‬الإدارات‭ ‬إطفاء‭ ‬النور‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تجيد‭ ‬الاستفادة‭ ‬منه‭. ‬تهمّش‭ ‬أصحاب‭ ‬الكفاءة،‭ ‬وتقلل‭ ‬من‭ ‬جهودهم،‭ ‬وتبعدهم‭ ‬عن‭ ‬مواقع‭ ‬التأثير،‭ ‬وكأن‭ ‬الموظف‭ ‬المتميز‭ ‬مصباح‭ ‬يمكن‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬زره‭ ‬متى‭ ‬شاء‭ ‬المسؤول،‭ ‬ثم‭ ‬يتوقع‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬المكان‭ ‬مشرقاً‭.‬

والأطرف‭ ‬أن‭ ‬المؤسسة‭ ‬قد‭ ‬تعقد‭ ‬اجتماعاً‭ ‬مطولاً‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬تعزيز‭ ‬الابتكار‮»‬،‭ ‬وتسأل‭ ‬الموظفين‭ ‬أنفسهم‭: ‬لماذا‭ ‬تراجعت‭ ‬المبادرات؟‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬الأفكار‭ ‬بعدما‭ ‬أرهقت‭ ‬أصحابها،‭ ‬وتطلب‭ ‬الصراحة‭ ‬بعدما‭ ‬جعلتها‭ ‬مخاطرة،‭ ‬وتستغرب‭ ‬صمت‭ ‬الموظفين‭ ‬بعدما‭ ‬أصبح‭ ‬الصمت‭ ‬لديهم‭ ‬وسيلة‭ ‬نجاة‭. ‬تريد‭ ‬نتائج‭ ‬استثنائية‭ ‬من‭ ‬بيئة‭ ‬تكافئ‭ ‬التشابه،‭ ‬وتطمئن‭ ‬إلى‭ ‬الموظف‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يقترح‭ ‬ولا‭ ‬يعترض‭ ‬ولا‭ ‬يتفوق‭ ‬على‭ ‬أحد‭.‬

الخسارة‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬موظف‭ ‬محبط‭ ‬أو‭ ‬كفاءة‭ ‬غادرت‭ ‬موقعها‭. ‬عندما‭ ‬يرى‭ ‬الآخرون‭ ‬أن‭ ‬الاجتهاد‭ ‬يُقابل‭ ‬بالتهميش،‭ ‬يبدأ‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬نفسه‭. ‬تتراجع‭ ‬المقترحات،‭ ‬وتتكرر‭ ‬الحلول‭ ‬الآمنة،‭ ‬وتتحول‭ ‬الاجتماعات‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬لتأييد‭ ‬المسؤول،‭ ‬لا‭ ‬لخدمة‭ ‬المؤسسة‭. ‬وهكذا‭ ‬لا‭ ‬يخفت‭ ‬ضوء‭ ‬شخص‭ ‬واحد‭ ‬فقط؛‭ ‬تخفت‭ ‬معه‭ ‬مساحة‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬والمبادرة‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يصعب‭ ‬محو‭ ‬أثر‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬عمل‭ ‬بإخلاص‭. ‬قد‭ ‬يغادر‭ ‬مكتبه،‭ ‬لكن‭ ‬طريقته‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬تبقى‭ ‬فيمن‭ ‬تعلموا‭ ‬منه‭. ‬وقد‭ ‬يُستبعد‭ ‬من‭ ‬المشهد،‭ ‬فيما‭ ‬تستمر‭ ‬أفكاره‭ ‬في‭ ‬مشروعات‭ ‬تحمل‭ ‬أسماء‭ ‬غيره‭. ‬وربما‭ ‬يغيب‭ ‬اسمه‭ ‬عن‭ ‬التقارير،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أثره‭ ‬يظهر‭ ‬كلما‭ ‬واجه‭ ‬المكان‭ ‬فراغاً‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬أحد‭ ‬كيف‭ ‬يملأه‭.‬

أما‭ ‬المؤسسات‭ ‬الناضجة،‭ ‬فلا‭ ‬تنتظر‭ ‬رحيل‭ ‬الكفاءات‭ ‬حتى‭ ‬تكتشف‭ ‬قيمتها‭. ‬تمنح‭ ‬أصحاب‭ ‬الإنجاز‭ ‬حقهم،‭ ‬وتحفظ‭ ‬المعرفة‭ ‬التي‭ ‬صنعوها،‭ ‬وتفتح‭ ‬أمامهم‭ ‬مساحات‭ ‬حقيقية‭ ‬للمشاركة‭ ‬والتطور‭. ‬تعرف‭ ‬أن‭ ‬الإنصاف‭ ‬ليس‭ ‬مجاملة‭ ‬إدارية،‭ ‬وأن‭ ‬التقدير‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬خطاب‭ ‬شكر‭ ‬موسمي؛‭ ‬فكلاهما‭ ‬ضرورة‭ ‬لحماية‭ ‬الكفاءات‭ ‬واستمرار‭ ‬العطاء‭.‬

والمسؤول‭ ‬الواثق‭ ‬لا‭ ‬يخشى‭ ‬ضوء‭ ‬من‭ ‬حوله،‭ ‬ولا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تعتيم‭ ‬المكان‭ ‬حتى‭ ‬يلفت‭ ‬الأنظار‭ ‬إليه‭. ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬توهج‭ ‬فريقه‭ ‬امتداد‭ ‬لنجاحه،‭ ‬وأن‭ ‬القيادة‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بعدد‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬أبقاهم‭ ‬في‭ ‬الظل،‭ ‬وإنما‭ ‬بعدد‭ ‬الذين‭ ‬منحهم‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬ليظهروا‭ ‬وينضجوا‭ ‬ويصنعوا‭ ‬أثراً‭.‬

أظنني‭ ‬اقتربت‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬جواب‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬رافقني‭ ‬طويلاً‭. ‬الضوء‭ ‬الذي‭ ‬يغادر‭ ‬المصباح‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬كما‭ ‬كان،‭ ‬لكن‭ ‬طاقته‭ ‬تترك‭ ‬أثرها‭ ‬في‭ ‬المكان‭. ‬وكذلك‭ ‬الإنسان؛‭ ‬يمكن‭ ‬تهميشه،‭ ‬ويمكن‭ ‬حجب‭ ‬اسمه‭ ‬عن‭ ‬المشهد،‭ ‬لكن‭ ‬يصعب‭ ‬محو‭ ‬ما‭ ‬تركه‭ ‬في‭ ‬العقول‭ ‬والعمل‭.‬

لذلك،‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬سؤال‭ ‬المؤسسة‭: ‬أين‭ ‬ذهب‭ ‬الضوء؟

السؤال‭ ‬الأجدر‭ ‬أن‭ ‬يُطرح‭ ‬هو‭: ‬لماذا‭ ‬أطفأناه،‭ ‬ومن‭ ‬خسر‭ ‬أكثر‭ ‬حين‭ ‬فعلنا‭ ‬ذلك؛‭ ‬الموظف‭ ‬اللامع،‭ ‬أم‭ ‬المؤسسة‭ ‬التي‭ ‬اختارت‭ ‬الظلام؟

 

مهتمة‭ ‬بالحوكمة‭ ‬وتطوير

‭ ‬الأداء‭ ‬المؤسسي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا