لطالما شغلني سؤال يبدو بسيطاً: عندما نطفئ المصباح، أين تذهب جسيمات الضوء؟ حاولت طويلاً أن أجد جواباً مقنعاً. هل تختفي فجأة؟ هل تغادر المكان؟ أم تبقى عالقة في الزوايا، تنتظر أن نضيء المصباح من جديد؟
يخبرنا العلم أن المصباح حين ينطفئ يتوقف عن إطلاق فوتونات جديدة، أما ما انطلق منها بالفعل فيواصل طريقه زمناً بالغ القصر، حتى تمتصه الجدران والأثاث والأجسام، فتتحول طاقته إلى حرارة أو صورة أخرى من صور الطاقة. لا يبقى الضوء معلقاً في الغرفة، ولا يذهب إلى مكان مجهول؛ إنه يغيّر صورته ويترك أثره.
ومن الفيزياء تسلل السؤال إلى ذهني بصورة أكثر إنسانية: عندما يُطفأ إنسان كان يملأ المكان حضوراً وعطاءً، أين يذهب ضوؤه؟
في مؤسساتنا أشخاص يشبهون الضوء. يدخلون إلى الأماكن الثقيلة فتخفّ وطأتها، ويرون الطريق حين لا يرى الآخرون سوى المشكلة. يصنعون الفرق بهدوء، ويتركون خلفهم عملاً منظماً، وفكرة ناضجة، وموظفاً أصبح أكثر ثقة، ومكاناً أفضل مما كان عليه.
وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: لماذا يخشى بعض المسؤولين الموظف اللامع؟
ربما لأن حضوره يكشف ما اعتاد الآخرون إخفاءه، ولأن نجاحه يوضح الفرق بين من يصنع الإنجاز ومن يكتفي بالوقوف إلى جواره عند التقاط الصورة. فالمسؤول غير الواثق قد يرى في تميز موظفه منافسة شخصية، لا قيمة مضافة إلى المؤسسة. يقلقه أن يُذكر اسم غير اسمه، أو أن يُنسب النجاح إلى صاحبه الحقيقي، أو أن يكتشف الآخرون أن لدى المؤسسة عقلاً آخر قادراً على التفكير والقيادة.
لذلك، تبدأ عملية خفض الإضاءة بهدوء. تُسحب من الموظف الملفات المؤثرة، وتُقلّص مساحة مشاركته، وتُستبعد آراؤه من الاجتماعات، ثم تظهر أفكاره لاحقاً وقد ارتدت أسماءً أخرى. وقد يُطلب منه أن يعمل بإخلاص، شرط ألا يلمع كثيراً، وأن ينجز، شرط ألا يُرى، وأن يكون مبدعاً بالقدر الذي لا يزعج ترتيب المقاعد.
وهكذا تجيد بعض الإدارات إطفاء النور أكثر مما تجيد الاستفادة منه. تهمّش أصحاب الكفاءة، وتقلل من جهودهم، وتبعدهم عن مواقع التأثير، وكأن الموظف المتميز مصباح يمكن الضغط على زره متى شاء المسؤول، ثم يتوقع بعد ذلك أن يبقى المكان مشرقاً.
والأطرف أن المؤسسة قد تعقد اجتماعاً مطولاً بعنوان «تعزيز الابتكار»، وتسأل الموظفين أنفسهم: لماذا تراجعت المبادرات؟ تبحث عن الأفكار بعدما أرهقت أصحابها، وتطلب الصراحة بعدما جعلتها مخاطرة، وتستغرب صمت الموظفين بعدما أصبح الصمت لديهم وسيلة نجاة. تريد نتائج استثنائية من بيئة تكافئ التشابه، وتطمئن إلى الموظف الذي لا يقترح ولا يعترض ولا يتفوق على أحد.
الخسارة هنا لا تتوقف عند موظف محبط أو كفاءة غادرت موقعها. عندما يرى الآخرون أن الاجتهاد يُقابل بالتهميش، يبدأ كل واحد منهم في حماية نفسه. تتراجع المقترحات، وتتكرر الحلول الآمنة، وتتحول الاجتماعات إلى مساحة لتأييد المسؤول، لا لخدمة المؤسسة. وهكذا لا يخفت ضوء شخص واحد فقط؛ تخفت معه مساحة كاملة من التفكير والمبادرة.
ومع ذلك، يصعب محو أثر الإنسان الذي عمل بإخلاص. قد يغادر مكتبه، لكن طريقته في العمل تبقى فيمن تعلموا منه. وقد يُستبعد من المشهد، فيما تستمر أفكاره في مشروعات تحمل أسماء غيره. وربما يغيب اسمه عن التقارير، إلا أن أثره يظهر كلما واجه المكان فراغاً لم يعرف أحد كيف يملأه.
أما المؤسسات الناضجة، فلا تنتظر رحيل الكفاءات حتى تكتشف قيمتها. تمنح أصحاب الإنجاز حقهم، وتحفظ المعرفة التي صنعوها، وتفتح أمامهم مساحات حقيقية للمشاركة والتطور. تعرف أن الإنصاف ليس مجاملة إدارية، وأن التقدير لا يقتصر على خطاب شكر موسمي؛ فكلاهما ضرورة لحماية الكفاءات واستمرار العطاء.
والمسؤول الواثق لا يخشى ضوء من حوله، ولا يحتاج إلى تعتيم المكان حتى يلفت الأنظار إليه. يعرف أن توهج فريقه امتداد لنجاحه، وأن القيادة لا تُقاس بعدد الأشخاص الذين أبقاهم في الظل، وإنما بعدد الذين منحهم فرصة حقيقية ليظهروا وينضجوا ويصنعوا أثراً.
أظنني اقتربت الآن من جواب السؤال الذي رافقني طويلاً. الضوء الذي يغادر المصباح لا يعود كما كان، لكن طاقته تترك أثرها في المكان. وكذلك الإنسان؛ يمكن تهميشه، ويمكن حجب اسمه عن المشهد، لكن يصعب محو ما تركه في العقول والعمل.
لذلك، لا ينبغي أن يكون سؤال المؤسسة: أين ذهب الضوء؟
السؤال الأجدر أن يُطرح هو: لماذا أطفأناه، ومن خسر أكثر حين فعلنا ذلك؛ الموظف اللامع، أم المؤسسة التي اختارت الظلام؟
مهتمة بالحوكمة وتطوير
الأداء المؤسسي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك