لم يعد ميناء الساعة مجرد سطح تُثبت عليه العقارب والمؤشرات لقراءة الوقت، بل أصبح في عالم الساعات الراقية مساحة إبداعية تكشف عن شخصية الساعة ومستوى الحرفية التي تقف خلفها. ففي الوقت الذي تؤدي فيه الحركة الميكانيكية وظيفتها في قياس الزمن، يمنح الميناء صانع الساعة مجالاً للتعبير من خلال المواد والألوان والزخارف، وصولاً إلى المشاهد المصغرة والتعقيدات التي تختصر قصة كاملة في بضع سنتيمترات.
ويتكون الميناء الذي يطلق عليه أيضا وجه الساعة أو قرص الساعة ، في صورته التقليدية من قاعدة معدنية رقيقة، تُجهز لاستقبال طبقات اللون والزخارف والعناصر الوظيفية. وتُثبت عليها الأرقام أو المؤشرات، بينما تتوزع فيها، بحسب تصميم الساعة، فتحات مخصصة لعرض التاريخ أو الثواني أو غيرها من الوظائف. وقد تكون هذه العناصر مطبوعة أو محفورة أو مصنوعة من معادن ثمينة، فيما تتحرك العقارب فوقها وفق إيقاع الحركة الميكانيكية.
وفي صناعة الساعات الراقية يتم الاستعانة بفنانين وحرفيين متخصصين لتنفيذ الميناء بحسب التصميم المتفق عليه ليتحول إلى عمل فني فريد. وتتنوع المواد والتفاصيل التي تدخل في صناعة الميناء وفق الرؤية الفنية للساعة. فالصدف، ولا سيما صدف أم اللؤلؤ، يمنحه انعكاسات قزحية متغيرة مع الضوء، بينما تضفي الأحجار الطبيعية مثل اللازورد واليشب والعقيق والرخام عروقاً وتدرجات تجعل كل ميناء متفرداً. أما بالنسبة لألوان المينا ،فإنها تمنح القرص بعداً لونياً عميقاً، إذ تتيح بناء درجات لونية مميزة، وتدخل في تنفيذها تقنيات متعددة، مثل ألوان المينا المحروقة إلى المينا الشفافة والمزخرفة. كما يمكن أن تستخدم لرسم مناظر ومشاهد مصغرة، أو أن توضع فوق زخارف محفورة لتكشف عن تفاصيلها من خلال طبقة شفافة.
ومن جانب آخر فإن النقوش والزخارف المحفورة تضيف إلى الميناء بعداً ملمسياً لا يعتمد على اللون وحده. ويأتي الغيوشيه في مقدمة هذه الأساليب، إذ تقوم التقنية على حفر خطوط دقيقة ومتكررة في سطح المعدن لتكوين أنماط هندسية متناسقة، تتغير انعكاساتها مع حركة المعصم. وقد تترك هذه الزخارف ظاهرة، أو تغطى بالمينا الشفافة، فيلتقي العمق الهندسي مع الثراء اللوني.
ويستكشف مصممو الساعات الراقية موضوعات متنوعة لتحويل الميناء إلى مساحة لسرد الحكايات والتعبير الفني.فمنهم من يستلهم من عالم السيرك وشخصياته وحركاته المرحة، ومنهم من يتجه إلى الباليه، فتظهر راقصات رشيقات ضمن تكوينات تجمع بين المينا والأحجار والنقوش الدقيقة. وتستحضر تصاميم أخرى خريطة العالم أو الدول ، أو النجوم والأبراج، فيما تستلهم إبداعات أخرى الحيوانات والرموز المرتبطة بالتقويم الصيني، فتقدمها بأساليب فنية مختلفة. كما تحولت بعض الموانئ إلى لوحات مصغرة تصور حدائق أو مناظر طبيعية أو قصصاً شاعرية، وقد تتداخل هذه العناصر مع مؤشرات الساعات والدقائق أو مؤشرات مراحل القمر وغيرها من التعقيدات، بحيث يصبح التصميم الفني جزءاً من طريقة عرض وظائف الساعة نفسها.
وتتجلى الحرفية في الميناء حين تتكامل المواد والزخارف والعناصر الوظيفية ضمن تكوين واحد. فقد تجتمع الأحجار الطبيعية مع المينا والنقوش وتفاصيل الذهب، مع الحفاظ على وضوح قراءة الوقت ودقة توزيع كل عنصر. وتصبح الأرقام والمؤشرات والعقارب جزءاً من الهوية البصرية للساعة، فتأتي مطبوعة أو محفورة أو بارزة، أو مصنوعة من الذهب والأحجار الكريمة، فيما تُزوّد العقارب والمؤشرات في بعض التصاميم بمواد مضيئة تتيح قراءة الوقت في الإضاءة المنخفضة، من دون الإخلال بتوازن الميناء.
وهكذا، يروي الميناء قصة تتجاوز مجرد عرض الوقت، إذ يحوّل مرور الزمن إلى تجربة بصرية وفنية تنبض بالجمال في أدق عناصرها، ويصبح كل تفصيل فيه جزءاً من حكاية تختصر فلسفة الساعة وهويتها.
إلى أي مدى يؤثر تصميم الميناء في اختيارك للساعة؟شاركونا بآرائكم ونتطلع إلى مقترحاتكم للمواضيع القادمة والاجابة على تساؤلاتكم على البريد الالكتروني:
seemajewelsbh@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك