العدد : ١٧٧٠٨ - الأربعاء ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٨ - الأربعاء ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

مقالات

«قدها».. من الضوء الأول الذي صنع الرجال إلى القوة الناعمة التي تصنع الأجيال

{ بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الأحد ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

من‭ ‬ضيق‭ ‬الفهم‭ ‬أن‭ ‬تُحبس‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬فوهة‭ ‬سلاح،‭ ‬وأن‭ ‬تُختزل‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة‭ ‬في‭ ‬أغنيةٍ‭ ‬تُسمع،‭ ‬أو‭ ‬صورةٍ‭ ‬تُنشر،‭ ‬أو‭ ‬فيلمٍ‭ ‬يُعرض؛‭ ‬فالقوة‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬أداتها،‭ ‬وأبقى‭ ‬من‭ ‬لحظتها،‭ ‬وأمضى‭ ‬أثرًا‭ ‬حين‭ ‬تنتقل‭ ‬من‭ ‬القول‭ ‬إلى‭ ‬الفعل،‭ ‬ومن‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬يُلقَّن‭ ‬إلى‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬تُعاش؛‭ ‬فتغدو‭ ‬في‭ ‬النفس‭ ‬خُلُقًا،‭ ‬وفي‭ ‬السلوك‭ ‬نهجًا،‭ ‬وفي‭ ‬الذاكرة‭ ‬أثرًا‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬الباب،‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬‮«‬قدها‭ ‬جونيور‮»‬‭ ‬معسكرًا‭ ‬صيفيًّا‭ ‬ينقضي‭ ‬بانقضاء‭ ‬أيامه،‭ ‬ولا‭ ‬برنامجًا‭ ‬عابرًا‭ ‬تُطوى‭ ‬صفحته‭ ‬بانتهاء‭ ‬فعالياته؛‭ ‬بل‭ ‬غرسًا‭ ‬في‭ ‬النفوس‭ ‬قبل‭ ‬تدريب‭ ‬الأجساد،‭ ‬وبناءً‭ ‬للشخصية‭ ‬قبل‭ ‬ميدان‭ ‬التحدي،‭ ‬وصناعةً‭ ‬للمعنى‭ ‬قبل‭ ‬صناعة‭ ‬المهارة؛‭ ‬يتعلم‭ ‬فيه‭ ‬الناشئ‭ ‬أن‭ ‬الانضباط‭ ‬تقويم،‭ ‬وأن‭ ‬الصبر‭ ‬اقتدار،‭ ‬وأن‭ ‬الوطن‭ ‬ليس‭ ‬اسمًا‭ ‬يُردَّد،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حبٌّ‭ ‬يُغرس،‭ ‬وفضلٌ‭ ‬يُعرف،‭ ‬وعهدٌ‭ ‬يُحفظ‭.‬

ولكي‭ ‬نبلغ‭ ‬من‭ ‬‮«‬قدها‭ ‬جونيور‮»‬‭ ‬جوهر‭ ‬معناه،‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬أصلٍ‭ ‬أرسخ،‭ ‬وضوءٍ‭ ‬أسبق؛‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الضوء‭ ‬الأول‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أشرق‭ ‬برؤية‭ ‬سيدي‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬المعظم‭ ‬القائد‭ ‬الأعلى‭ ‬للقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬يوم‭ ‬غرس‭ ‬جلالته‭ ‬بذرة‭ ‬قوة‭ ‬دفاع‭ ‬البحرين،‭ ‬وأرسى‭ ‬دعائمها،‭ ‬ورسم‭ ‬لها‭ ‬نهجها‭ ‬ومرامها؛‭ ‬فلم‭ ‬تكن‭ ‬منذ‭ ‬البدء‭ ‬سلاحًا‭ ‬يُقتنى‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬مدرسةً‭ ‬تُبنى،‭ ‬ورجالًا‭ ‬تُصاغ،‭ ‬وأمانةً‭ ‬تُصان‭.‬

وفي‭ ‬مقدمة‭ ‬الشواهد‭ ‬على‭ ‬أثر‭ ‬هذه‭ ‬المدرسة‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬نائب‭ ‬القائد‭ ‬الأعلى‭ ‬للقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬حفظه‭ ‬الله؛‭ ‬فما‭ ‬كانت‭ ‬صلة‭ ‬سموه‭ ‬بقوة‭ ‬دفاع‭ ‬البحرين‭ ‬لقبًا‭ ‬يُسجّل،‭ ‬بل‭ ‬خدمةً‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬الميدان‭ ‬ومسيرةً‭ ‬صقلتها‭ ‬المسؤولية‭. ‬فمن‭ ‬خدمةٍ‭ ‬في‭ ‬وحدة‭ ‬الدروع،‭ ‬إلى‭ ‬منصب‭ ‬وكيل‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع،‭ ‬إلى‭ ‬قيادة‭ ‬قوة‭ ‬دفاع‭ ‬البحرين،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬نائب‭ ‬القائد‭ ‬الأعلى،‭ ‬حتى‭ ‬بلغ‭ ‬سموه‭ ‬رتبة‭ ‬المشير؛‭ ‬تتبدّل‭ ‬المواقع‭ ‬ولا‭ ‬يتبدّل‭ ‬الولاء،‭ ‬وتتسع‭ ‬المسؤوليات‭ ‬ولا‭ ‬يفتر‭ ‬العطاء‭. ‬فحمل‭ ‬سموه‭ ‬من‭ ‬الميدان‭ ‬انضباطه،‭ ‬ومن‭ ‬الجندية‭ ‬صرامتها،‭ ‬ومن‭ ‬القيادة‭ ‬بصيرتها؛‭ ‬ليبرهن‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬عرف‭ ‬صون‭ ‬الثغر‭ ‬أحسن‭ ‬صون‭ ‬الوطن،‭ ‬ومن‭ ‬عرف‭ ‬ثقل‭ ‬الواجب‭ ‬في‭ ‬الميدان‭ ‬عرف‭ ‬قدره‭ ‬في‭ ‬الديوان‭.‬

وكان‭ ‬من‭ ‬تمام‭ ‬رؤية‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم،‭ ‬وحسن‭ ‬الاختيار،‭ ‬وسداد‭ ‬القرار،‭ ‬أن‭ ‬عهد‭ ‬بقيادة‭ ‬هذا‭ ‬الصرح‭ ‬إلى‭ ‬معالي‭ ‬المشير‭ ‬الركن‭ ‬الشيخ‭ ‬خليفة‭ ‬بن‭ ‬أحمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬القائد‭ ‬العام‭ ‬لقوة‭ ‬دفاع‭ ‬البحرين؛‭ ‬رجل‭ ‬صحب‭ ‬البدايات،‭ ‬وثبّت‭ ‬الدعائم،‭ ‬وصقل‭ ‬الرجال،‭ ‬ورفع‭ ‬الجاهزية،‭ ‬حتى‭ ‬اقترن‭ ‬اسمه‭ ‬بثبات‭ ‬المؤسسة‭ ‬وهيبة‭ ‬ميدانها؛‭ ‬فغدت‭ ‬قوة‭ ‬دفاع‭ ‬البحرين‭ ‬حصنًا‭ ‬إذا‭ ‬ادلهم‭ ‬الخطب،‭ ‬ودرعًا‭ ‬إذا‭ ‬دنا‭ ‬الخطر،‭ ‬وسيفًا‭ ‬إذا‭ ‬وجب‭ ‬الحزم‭.‬

وليس‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬قوة‭ ‬دفاع‭ ‬البحرين‭ ‬‮«‬مصنع‭ ‬رجال‮»‬‭ ‬ثناءً‭ ‬يُقال،‭ ‬بل‭ ‬حقيقة‭ ‬تشهد‭ ‬لها‭ ‬مسارات‭ ‬رجال‭ ‬الدولة؛‭ ‬فمنها‭ ‬خرج‭ ‬‮«‬راشد‭ ‬البحرين‮»‬‭ ‬معالي‭ ‬الفريق‭ ‬أول‭ ‬الشيخ‭ ‬راشد‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية،‭ ‬عرف‭ ‬الميدان‭ ‬قبل‭ ‬الديوان،‭ ‬وتدرّج‭ ‬حتى‭ ‬رئاسة‭ ‬هيئة‭ ‬الأركان،‭ ‬ثم‭ ‬حمل‭ ‬إلى‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬انضباط‭ ‬المؤسسة‭ ‬وحزمها‭ ‬وحكمتها‭. ‬ومنها‭ ‬خرج‭ ‬سعادة‭ ‬الدكتور‭ ‬عبداللطيف‭ ‬بن‭ ‬راشد‭ ‬الزياني‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية؛‭ ‬بدأ‭ ‬ضابطًا،‭ ‬وعمل‭ ‬في‭ ‬التخطيط‭ ‬والعمليات،‭ ‬ثم‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭ ‬ميادين‭ ‬الأمن‭ ‬والعمل‭ ‬الخليجي‭ ‬والدبلوماسية‭. ‬وهؤلاء‭ ‬أمثلة‭ ‬لا‭ ‬حصر؛‭ ‬فمصنع‭ ‬الرجال‭ ‬يصوغ‭ ‬معدنًا‭ ‬إذا‭ ‬صلح‭ ‬حمل‭ ‬كل‭ ‬أمانة،‭ ‬وإذا‭ ‬تبدّل‭ ‬الموقع‭ ‬بقي‭ ‬الأصل،‭ ‬وإذا‭ ‬اتسع‭ ‬الميدان‭ ‬بقي‭ ‬الوطن‭ ‬هو‭ ‬الغاية‭.‬

وأقول‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬مقام‭ ‬المتأمل‭ ‬من‭ ‬بعيد،‭ ‬بل‭ ‬ممن‭ ‬نال‭ ‬شرف‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬طرفًا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المدرسة‭. ‬فقد‭ ‬نلت،‭ ‬قبل‭ ‬زيارتي‭ ‬لمعسكر‭ ‬‮«‬قدها‭ ‬جونيور‮»‬،‭ ‬شرف‭ ‬الانضمام‭ ‬إلى‭ ‬القوة‭ ‬الاحتياطية‭ ‬لقوة‭ ‬دفاع‭ ‬البحرين‭ ‬والانخراط‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬دوراتها‭ ‬التدريبية‭. ‬دخلتها‭ ‬وأنا‭ ‬أعرف‭ ‬قوة‭ ‬دفاع‭ ‬البحرين‭ ‬مؤسسةً‭ ‬أعتز‭ ‬بها،‭ ‬وخرجت‭ ‬منها‭ ‬وأنا‭ ‬أفهم‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬سر‭ ‬رجالها؛‭ ‬كيف‭ ‬يتحول‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬أمانة،‭ ‬والانضباط‭ ‬إلى‭ ‬طبع،‭ ‬والعمل‭ ‬الجماعي‭ ‬إلى‭ ‬مسؤولية،‭ ‬والواجب‭ ‬إلى‭ ‬عهد‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬التراخي‭ ‬ولا‭ ‬التواني‭. ‬كانت‭ ‬أسابيع‭ ‬قليلة‭ ‬في‭ ‬حساب‭ ‬الزمن،‭ ‬لكنها‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬حساب‭ ‬الأثر‭.‬

ولهذا،‭ ‬حين‭ ‬دخلت‭ ‬‮«‬قدها‭ ‬جونيور‮»‬،‭ ‬لم‭ ‬أدخله‭ ‬بعين‭ ‬الزائر‭ ‬وحده؛‭ ‬رأيت‭ ‬في‭ ‬وجوه‭ ‬الناشئة‭ ‬بذورًا‭ ‬تُغرس،‭ ‬وفي‭ ‬خطواتهم‭ ‬طباعًا‭ ‬تُهذّب،‭ ‬وفي‭ ‬تحدياتهم‭ ‬نفوسًا‭ ‬تُمرَّن‭ ‬قبل‭ ‬الأجساد‭. ‬ورأيت‭ ‬في‭ ‬المتحف‭ ‬العسكري‭ ‬المصاحب‭ ‬للمعسكر،‭ ‬وفي‭ ‬تعريفهم‭ ‬بتاريخ‭ ‬القوة‭ ‬وملحمة‭ ‬الصمود‭ ‬الوطني،‭ ‬ما‭ ‬يربط‭ ‬الحاضر‭ ‬بالماضي‭ ‬ويوقظ‭ ‬الامتنان‭ ‬في‭ ‬النفوس؛‭ ‬فمن‭ ‬عرف‭ ‬من‭ ‬حمى‭ ‬وطنه‭ ‬عرف‭ ‬لمن‭ ‬يمتن،‭ ‬ومن‭ ‬عرف‭ ‬الفضل‭ ‬حفظه،‭ ‬ومن‭ ‬حفظه‭ ‬صان‭ ‬العهد‭.‬

وهنا‭ ‬تتجلّى‭ ‬عبقرية‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة؛‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬فيلمًا‭ ‬أو‭ ‬أغنيةً‭ ‬أو‭ ‬صورةً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬ابن‭ ‬الوطن‭ ‬يحب‭ ‬قيم‭ ‬وطنه‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تأمره‭ ‬بالحب،‭ ‬وأن‭ ‬يعيش‭ ‬هويته‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تحدّثه‭ ‬عنها‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬نفهم‭ ‬ما‭ ‬صنعه‭ ‬سمو‭ ‬الفريق‭ ‬الركن‭ ‬الشيخ‭ ‬ناصر‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬عبر‭ ‬سنواتٍ‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬المتصل؛‭ ‬فمن‭ ‬سباقات‭ ‬الرجل‭ ‬الحديدي‭ ‬بما‭ ‬حملته‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬التحمّل‭ ‬والجلَد‭ ‬ومغالبة‭ ‬النفس،‭ ‬إلى‭ ‬المبادرات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬والبحري،‭ ‬ظل‭ ‬المعنى‭ ‬واحدًا‭: ‬أن‭ ‬يُربّى‭ ‬الشباب‭ ‬على‭ ‬الصبر،‭ ‬وأن‭ ‬تُشحذ‭ ‬فيهم‭ ‬الإرادة،‭ ‬وأن‭ ‬يُرد‭ ‬الحاضر‭ ‬إلى‭ ‬جذره،‭ ‬والجيل‭ ‬إلى‭ ‬تاريخه‭. ‬فلم‭ ‬تكن‭ ‬الرياضة‭ ‬سباقًا‭ ‬إلى‭ ‬منصة‭ ‬فحسب،‭ ‬ولا‭ ‬الموروث‭ ‬استدعاءً‭ ‬لصورة‭ ‬قديمة،‭ ‬بل‭ ‬كلاهما‭ ‬سبيلٌ‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬الشخصية‭ ‬وربط‭ ‬الناشئ‭ ‬بأرضه‭ ‬وتاريخه‭.‬

وفي‭ ‬مسارٍ‭ ‬موازٍ،‭ ‬مضى‭ ‬سمو‭ ‬الشيخ‭ ‬خالد‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬القوة‭ ‬والتحدي،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬صورها‭ ‬بطولة‭ ‬‮«‬أقوى‭ ‬رجل‭ ‬بحريني‮»‬؛‭ ‬فلم‭ ‬تكن‭ ‬استعراضًا‭ ‬للعضلات،‭ ‬بل‭ ‬ميدانًا‭ ‬يُعلى‭ ‬فيه‭ ‬شأن‭ ‬العزيمة،‭ ‬ويُحتفى‭ ‬فيه‭ ‬بالجلَد،‭ ‬وتُقدَّم‭ ‬فيه‭ ‬القوة‭ ‬مقرونةً‭ ‬بالانضباط‭ ‬والمثابرة؛‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬للتحدي‭ ‬معنى‭ ‬يتجاوز‭ ‬غلبة‭ ‬المنافس‭ ‬إلى‭ ‬غلبة‭ ‬النفس‭ ‬وقهر‭ ‬الفتور‭ ‬واحتمال‭ ‬المشقة‭.‬

ثم‭ ‬جاء‭ ‬‮«‬قدها‭ ‬جونيور‮»‬‭ ‬ليجمع‭ ‬هذه‭ ‬الروافد‭ ‬في‭ ‬مجرى‭ ‬واحد؛‭ ‬برؤية‭ ‬سمو‭ ‬الشيخ‭ ‬ناصر‭ ‬بن‭ ‬حمد،‭ ‬ومتابعة‭ ‬سمو‭ ‬الشيخ‭ ‬خالد‭ ‬بن‭ ‬حمد،‭ ‬فاجتمع‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬الجندية‭ ‬الانضباط،‭ ‬ومن‭ ‬الرياضة‭ ‬التحدي،‭ ‬ومن‭ ‬الموروث‭ ‬الهوية،‭ ‬ومن‭ ‬التربية‭ ‬بناء‭ ‬الشخصية؛‭ ‬فلا‭ ‬يسمع‭ ‬الناشئ‭ ‬عن‭ ‬القوة‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬يمارسها،‭ ‬ولا‭ ‬يقرأ‭ ‬عن‭ ‬الصبر‭ ‬بل‭ ‬يختبره،‭ ‬ولا‭ ‬يُلقّن‭ ‬حب‭ ‬الوطن‭ ‬تلقينًا‭ ‬بل‭ ‬يدخل‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬أبواب‭ ‬الفخر‭ ‬والقدوة‭ ‬والتجربة‭.‬

وفي‭ ‬المسار‭ ‬نفسه‭ ‬يبرز‭ ‬سمو‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬وزير‭ ‬ديوان‭ ‬سمو‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء؛‭ ‬جمع‭ ‬بين‭ ‬التفوق‭ ‬الأكاديمي‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬والتفوق‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬الكلية‭ ‬البحرية‭ ‬الملكية‭ ‬البريطانية،‭ ‬ثم‭ ‬الخدمة‭ ‬ضابطًا‭ ‬بحريًا‭ ‬في‭ ‬قوة‭ ‬دفاع‭ ‬البحرين،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يحمل‭ ‬مسؤولية‭ ‬قيادة‭ ‬نادي‭ ‬راشد‭ ‬للفروسية‭ ‬وسباق‭ ‬الخيل‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬التكوين‭ ‬الذي‭ ‬جمع‭ ‬العلم‭ ‬بالانضباط،‭ ‬والمعرفة‭ ‬بالميدان،‭ ‬مضى‭ ‬سموه‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬النادي‭ ‬لا‭ ‬بوصفه‭ ‬مضمارًا‭ ‬للسباق‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬صرحًا‭ ‬من‭ ‬صروح‭ ‬الهوية‭ ‬وميدانًا‭ ‬من‭ ‬ميادين‭ ‬الموروث‭ ‬الوطني؛‭ ‬فامتد‭ ‬التطوير‭ ‬من‭ ‬المنشأة‭ ‬إلى‭ ‬التجربة،‭ ‬ومن‭ ‬السباق‭ ‬إلى‭ ‬الجمهور،‭ ‬ومن‭ ‬أهل‭ ‬الاختصاص‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭. ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬الحضور‭ ‬يغلب‭ ‬عليه‭ ‬الملاك‭ ‬وهواة‭ ‬الخيل‭ ‬والمتابعون‭ ‬لها،‭ ‬اتسعت‭ ‬الدائرة‭ ‬لتستقبل‭ ‬العائلات‭ ‬والجماهير‭ ‬والناشئة،‭ ‬حتى‭ ‬غدا‭ ‬النادي‭ ‬في‭ ‬مواسمه‭ ‬موعدًا‭ ‬أسبوعيًا‭ ‬للجمهور،‭ ‬ومقصدًا‭ ‬يجمع‭ ‬الرياضة‭ ‬بالترفيه،‭ ‬والمنافسة‭ ‬بالأصالة،‭ ‬والمشهد‭ ‬الحديث‭ ‬بإرث‭ ‬الفروسية‭ ‬العريق‭. ‬وهكذا‭ ‬يغدو‭ ‬تطوير‭ ‬نادي‭ ‬راشد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬تطوير‭ ‬مرفق؛‭ ‬إنه‭ ‬توسيع‭ ‬لدائرة‭ ‬الموروث،‭ ‬وتجديد‭ ‬لصلته‭ ‬بالناس،‭ ‬وتحويل‭ ‬للفروسية‭ ‬من‭ ‬رياضة‭ ‬يعرفها‭ ‬الخاصة‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬يعيشها‭ ‬المجتمع؛‭ ‬فتغدو‭ ‬الخيل‭ ‬موروثًا‭ ‬يُعاش‭ ‬لا‭ ‬صورةً‭ ‬تُعرض،‭ ‬وأصالةً‭ ‬تُورث‭ ‬لا‭ ‬ذكرى‭ ‬تُستعاد،‭ ‬وهويةً‭ ‬تُحب‭ ‬لا‭ ‬درسًا‭ ‬يُلقّن‭.‬

ومن‭ ‬تجربتي‭ ‬أقول‭: ‬ليت‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬مدرسة‭ ‬قوة‭ ‬دفاع‭ ‬البحرين،‭ ‬بما‭ ‬تقوم‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬انضباطٍ‭ ‬في‭ ‬السلوك،‭ ‬وصرامةٍ‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬الواجب،‭ ‬واحترامٍ‭ ‬للوقت،‭ ‬وعملٍ‭ ‬بروح‭ ‬الفريق،‭ ‬وثباتٍ‭ ‬عند‭ ‬الشدائد،‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يتولى‭ ‬مسؤوليةً‭ ‬وطنية،‭ ‬في‭ ‬مؤسسة‭ ‬عامة‭ ‬أو‭ ‬خاصة؛‭ ‬لا‭ ‬ليغدو‭ ‬المدني‭ ‬عسكريًا،‭ ‬بل‭ ‬ليأخذ‭ ‬من‭ ‬روح‭ ‬الجندية‭ ‬ما‭ ‬يعينه‭ ‬على‭ ‬حمل‭ ‬الأمانة‭: ‬فيعلم‭ ‬أن‭ ‬الوقت‭ ‬عهد،‭ ‬وأن‭ ‬الموقع‭ ‬ثغر،‭ ‬وأن‭ ‬القيادة‭ ‬مسؤولية،‭ ‬وأن‭ ‬المهمة‭ ‬إذا‭ ‬أُسندت‭ ‬وجب‭ ‬إنجازها‭. ‬وليت‭ ‬‮«‬قدها‭ ‬جونيور‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬موسمًا‭ ‬يُقام‭ ‬ثم‭ ‬يُطوى،‭ ‬بل‭ ‬مشروعًا‭ ‬يمتد‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬العام،‭ ‬تتجدد‭ ‬دوراته‭ ‬وتتسع‭ ‬ميادينه؛‭ ‬فلا‭ ‬يكون‭ ‬ومضةً‭ ‬في‭ ‬صيف،‭ ‬بل‭ ‬غرسًا‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬جيل،‭ ‬ومدرسةً‭ ‬وطنيةً‭ ‬يُبنى‭ ‬عليها‭ ‬لا‭ ‬ذكرى‭ ‬تُستعاد‭.‬

لقد‭ ‬أشرق‭ ‬‮«‬الضوء‭ ‬الأول‮»‬‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬ولكن‭ ‬الضوء‭ ‬الحق‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬حيث‭ ‬وُلد؛‭ ‬يمتد‭. ‬امتد‭ ‬في‭ ‬رجال‭ ‬حملوا‭ ‬السلاح‭ ‬فحموا‭ ‬الوطن،‭ ‬وفي‭ ‬رجال‭ ‬حملوا‭ ‬المسؤولية‭ ‬فصانوا‭ ‬الدولة،‭ ‬وها‭ ‬هو‭ ‬يمتد‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬ناشئة‭ ‬‮«‬قدها‭ ‬جونيور‮»‬‭ ‬ليحملوا‭ ‬الوطن‭ ‬في‭ ‬قلوبهم‭. ‬وبين‭ ‬الضوءين‭ ‬معنى‭ ‬واحد‭: ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬لا‭ ‬تحمي‭ ‬حاضرها‭ ‬بالسلاح‭ ‬وحده،‭ ‬ولا‭ ‬تصون‭ ‬مستقبلها‭ ‬بالشعار‭ ‬وحده؛‭ ‬بل‭ ‬برجالٍ‭ ‬تصنعهم‭ ‬المواقف،‭ ‬وأجيالٍ‭ ‬تصوغها‭ ‬القيم،‭ ‬ووطنٍ‭ ‬إذا‭ ‬أحسن‭ ‬صناعة‭ ‬رجاله‭ ‬ضمن‭ ‬لحاضره‭ ‬من‭ ‬يحميه،‭ ‬ولمستقبله‭ ‬من‭ ‬يبنيه‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا