في عالم الاقتصاد والمال، لا يُصنع القائد بين عشية وضحاها. هو نتاج رؤية وانضباط وقدرة على اتخاذ قرارات صعبة في الأزمات، والأهم: بناء جيل يخلفه بسلاسة. القادة الكبار لا يتركون فراغاً؛ يزرعون بذور الاستمرارية قبل أن يترجلوا.
خذ جيمي دايمون، الرئيس التنفيذي لـ«جيه بي مورغان تشيس»، مثالاً حياً. منذ توليه المنصب عام 2006 حوّل البنك إلى أكبر وأكثر البنوك ربحية في الولايات المتحدة، ومرّ به بأزمات عالمية بحكمة وثبات. دايمون معروف بصراحته وقراءته الدقيقة للأسواق وإصراره على بناء القيادات من داخل المؤسسة وقد عايشت هذه التجربة شخصيا من خلال عملي ببنك جي بي مورغان لأكثر من 30 عاما. حتى مع خطط الخلافة التي تتضح أكثر، يبقى التركيز على الإعداد المبكر والشفافية. القيادة الحقيقية لا تعني البقاء إلى الأبد، بل ضمان أن المؤسسة أقوى بعده.
المثال الأبرز على التحول السلس ظهر في «آبل» في الأول من سبتمبر 2026. بعد نحو 15 عاماً، ترجل تيم كوك عن منصب الرئيس التنفيذي ليصبح رئيساً لمجلس الإدارة، وخلفه جون تيرنوس الذي قاد هندسة الأجهزة لسنوات. وصف كوك الانتقال بأنه »سلس تماماً«، نتيجة تخطيط طويل الأمد. لم يكن تيرنوس غريباً عن الثقافة أو الاستراتيجية؛ كان جزءاً أصيلاً من الفريق، تماماً كما كان كوك خليفة ستيف جوبز. النتيجة: استمرارية في القيم وثقة في الأسواق وفرصة للجيل الجديد ليضيف بصمته من دون اهتزازات.
هذه النماذج تطرح سؤالاً جوهرياً: هل تعليمنا وتربيتنا ونظامنا يصنعون مثل هؤلاء القادة؟ التعليم التقليدي يركز غالباً على الحفظ، بينما القائد يحتاج الى تفكير نقدي وحل مشكلات معقدة وذكاء عاطفي وروح المبادرة. التربية التي تغرس المسؤولية والاستقلالية منذ الصغر تبني أساساً أقوى. والجامعات التي تربط النظرية بالواقع وتشجع ريادة الأعمال والقيادة الجماعية هي الأقدر على تخريج جيل ينافس عالمياً.
كيف نستفيد من الدول التي صنعت جيلاً شاباً قادراً؟ انظر إلى سنغافورة. تعتمد نظاماً مؤسسياً متكاملاً يربط التخطيط المبكر بالتناوب الوظيفي والتطوير المستمر. برامج مثل الخدمة الإدارية وبرنامج قيادة الخدمة العامة التي تعدّ قادة على مستوى الحكومة بأكملها عبر تناوب منظم في السياسات والعمليات. Civil Service College يقدم برامج قيادية متدرجة تركز على الحوكمة والتحول. وعلى مستوى الشباب: Our Singapore Leadership Programme يربط الشباب بقادة القطاعين العام والخاص حول الاقتصاد والابتكار والاستدامة، وYouth Corps Leaders يطور مهارات القيادة المجتمعية عبر مشاريع حقيقية، إضافة إلى برامج رقمية ومهنية متخصصة. سنغافورة لا تنتظر الفرص؛ تهيئ البيئة التي تجعل التعلم مدى الحياة والابتكار مساراً طبيعياً، وتخرج القائد الذي يخدم المصلحة الوطنية.
في البحرين، تبرز مبادرات وطنية تشكل حلقة متصلة في صناعة القيادات وتستحق الإشادة والاستمرارية. برنامج سمو ولي العهد للمنح الدراسية العالمية، الذي أُطلق عام 1999 بمبادرة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، يتيح للمتفوقين الدراسة في أرقى الجامعات العالمية مع دعم شامل وتدريب مكثف، ليعدّ صناع قرار يعودون بخبرات دولية يخدمون بها البحرين. برنامج رئيس مجلس الوزراء لتنمية الكوادر الحكومية، ينتدب موظفين لمكتب رئيس الوزراء مدة عام للتدريب العملي على صنع السياسات والقيادة، فيعدّ أجيالاً مؤهلة للمناصب القيادية ويدفع العمل الحكومي نحو التميز. أما مدينة الشباب 2030، التي أُطلقت منذ أعوام بمبادرة سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، فتحولت إلى منصة وطنية مستدامة تحتضن برامج في الفنون والقيادة وريادة الأعمال والإعلام والعلوم والرياضة، واستهدفت عشرات الآلاف ومكنت الشباب ليكونوا الخيار الأول في سوق العمل. المركز الصيفي «قدها» يضيف طبقة ناجحة تستثمر أوقات الفراغ في تنمية المهارات.
لنجعل هذه المبادرات منظومة متواصلة: نربط برامج الناشئة (مدينة الشباب و«قدها») ببرامج الشباب والبعثات ثم بالقيادات المتوسطة والعليا، ونتابع الخريجين ونقيس أثرهم، ونعزز الشراكات مع القطاع الخاص والجامعات، وندرج مشاريع مجتمعية وريادة أعمال حقيقية، ونضمن استدامة التمويل والتوثيق. هكذا تتحول البرامج إلى سلسلة تصنع قادة بحرينيين مبتكرين قادرين على تحفيز الآخرين وتحقيق الأهداف الوطنية.
القائد الناجح ليس من يصدر الأوامر فقط؛ هو قدوة في العمل والأخلاق، يطور قدرات موظفيه ولا يخشى منافستهم، يبني فرقاً قادرة على القرار، ويخلق بيئة آمنة للتجربة، ويوازن بين النتائج والإنسان. مثل هؤلاء يبنون ثقافة تستمر أجيالاً.
صناعة القادة الاقتصاديين والمصرفيين مسؤولية مشتركة: الأسرة تغرس القيم، والتعليم يزود الأدوات، والمؤسسات تمنح الفرصة والثقة. عندما يصبح التخطيط للخلافة عادة لا استثناء، وتطوير الشباب استثماراً استراتيجياً، نضمن أن الجيل القادم لن يملأ المقاعد فحسب، بل سيرفع السقف أعلى. القادة الكبار لا يغادرون؛ يتركون إرثاً يُبنى عليه.
خبير مصرفي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك