استوقفني قبل فترة رسمُ كاريكاتير في الجريدة، تأملته طويلاً. رجلٌ عائد من سفر، في يده علبةٌ كبيرة وكيسٌ مكتوب عليه «باريس»، يفتح باب مكتبٍ كتب على لافتته «المدير». وفي الجهة المقابلة زميلان يقولان إن الدرجة السنوية صار لها طريق معروف.
ابتسمت، ثم ظل الرسم يلاحقني أياماً. لعلّ الرجل اشترى علبته وهو يظنّ أنه يُرضي مسؤوله ويتقرّب إليه، ويحسب أن هذا هو الطريق إلى نجاحه. الرسّام جمع في مساحةٍ صغيرة ما يعجز عنه تقرير إداري طويل.
في مؤسسة ما من هذا العالم، يستقبل مديرٌ من موظفه علبةً مغلّفة. يشكره ويضعها على طاولته ويمضي في يومه، آمناً كما يمضي أي رجلٍ تلقّى هديةً من زميل.
تمرّ أشهر، ويطرق الموظف الباب طالباً إجازةً في موسم يتزاحم عليه الجميع. يرفع المدير رأسه فتحضر العلبة في الغرفة من غير أن يذكرها أحد.
الرفض ثقيل على نفسه، والقبول ثقيل على سمعته. وحده يدفع ثمن علبةٍ لم يشترها.
الإهداء من أرقّ ما ورثناه في هذا البلد. الأمّ تُرسل مع ابنها صحناً إلى الجيران، ومن عاد من سفر وزّع صوغته على من يحب. والعادة تدخل معنا أبواب مكاتبنا، فعلبة الحلاوة تعود مع كل مسافر منّا، تُفتح صباح الدوام على طاولة في الممرّ، يمرّ عليها الداخل والخارج وتسأل من فاتتها عمّن جاء بها.
كنت أشتريها في المطار قبل عودتي وأنا أعرف مصيرها. مكانها حيث تراها العيون كلها، وطريقها بين زملاء يتساوون في درجاتهم، ينال منها المجتهد والمقصّر سواء.
فالحلاوة يأخذ منها الجميع ولا ينتظر صاحبها شيئاً من أحد. والعلبة التي يحملها موظف إلى غرفة مديره وحده تضع المدير في موقف، لأن صاحبها ينتظر منه قراراً.
ولهذا المعنى أصلٌ في سيرتنا، وواقعةٌ تختصر المسألة. المروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كلّف رجلاً بجمع أموال الصدقة من الناس، فلمّا فرغ من عمله عاد بما معه وقسمه أمامه قسمين، فقال هذا مالكم وهذا شيءٌ أُهدي إليّ. فسأله النبي صلى الله عليه وسلم لو أنّه قعد في بيت أبيه ولم يخرج جابياً، أكانت هذه الهدايا تأتيه. وما كان يأتي الرجل لولا كرسيه فهو من الوظيفة وإن سُمّي هدية.
الميزان في الكرسي الذي يجلس عليه الرجل، لا في نيّة من حمل إليه شيئاً، وعلى هذا الأصل قامت القواعد المكتوبة اليوم.
والمعالجة قائمة عندنا منذ سنوات في القطاع المصرفي. كتاب قواعد مصرف البحرين المركزي يُلزم مجلس إدارة البنك باعتماد مدونة سلوك لموظفيه، وعلى هذا الأساس بنت المصارف آلياتها الداخلية في الهدايا. للهدية الرمزية حدٌ ماليٌ معلن تُقبل تحته، وما تجاوزه يُقيد في سجلٍّ يعرفه قسم الالتزام، ثم تُرد إلى صاحبها أو تؤول إلى عمل خيري باسم المصرف. والموظف هناك يعتذر بورقةٍ يوقّعها، فيفهم المهدي ويسلم خاطره. وصاحب المعاملة الذي يحمل شيئاً وهو يخشى أن تتعثر ورقته لو لم يفعل، يجد أمامه قاعدةً معلنة تريحه من هذا الظن كله.
وهذا المبدأ مثبتٌ في نصوصنا الحكومية أيضاً. مدونة قواعد السلوك الوظيفي وأخلاقيات الوظيفة العامة الصادرة عن ديوان الخدمة المدنية تُلزم الموظف بالامتناع عن كل نشاط يُنشئ تضارباً حقيقياً أو ظاهرياً أو محتملاً بين مصلحته الشخصية ومهام وظيفته.
والعبرة في اللفظ الثالث. المدونة لا تنتظر أن يثبت على أحد شيء، فيكفي أن تبدو الصورة أمام الناس على غير وجهها حتى يقع الضرر. فلو أن مسؤولاً نزيهاً قبل هدية على سبيل المجاملة، ثم رقّى صاحبها لجدارةٍ تامة فيه، لبقيت الصورة في أعين من رأى. رجلٌ لم يخطئ في شيء، ودفع من سمعته ثمناً. والمدونة يتسلمها الموظف يوم تعيينه فيوقّع عليها بين أوراق التعيين، ويمضي إلى مكتبه وهي في ملفه، تنتظر يومها.
وما جرى تطبيقه في القطاع المصرفي يصلح أن يُعمَّم على سواه. المدونة الحكومية تقرّر المبدأ، ويبقى الموظف محتاجاً إلى دليلٍ إجرائي يعمل به، يضع الحدّ المالي المعلن ويفتح السجل عند جهة مستقلة عن سلسلة الرؤساء، ويسري في الاتجاهين، على ما يدخل المؤسسة من خارجها وما يتنقّل داخلها بين الموظف ورئيسه.
أعود إلى الرسم، وأتوقف عند الزميلين الواقفين في الممر. رجلان يمسك أحدهما كوب شاي ويشير الآخر بيده، وقد صدر الحكم عندهما قبل أن يُغلق الباب.
الرسّام رسمهما بلا اسم، ولهما في كل مكتبٍ نظير، يعمل ويعود إلى بيته وهو يحسب أن اجتهاده وحده رصيده. والورقة تُكتب لأجل هذين، فالسجل الذي يريح المدير من موقفه يحفظ لهما ثقتهما بأن الدرجة تُنال بالعمل، وتبقى المسافة بين المكتب والباب مسافةَ عملٍ يُبذل.
{ قانونية وكاتبة بحرينية
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك