العدد : ١٧٦٩٥ - الخميس ٠٣ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٥ - الخميس ٠٣ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

السلوك الوظيفي وسِجِل الهدايا

بقلم: نبيلة رجب

الخميس ٠٣ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

استوقفني‭ ‬قبل‭ ‬فترة‭ ‬رسمُ‭ ‬كاريكاتير‭ ‬في‭ ‬الجريدة،‭ ‬تأملته‭ ‬طويلاً‭. ‬رجلٌ‭ ‬عائد‭ ‬من‭ ‬سفر،‭ ‬في‭ ‬يده‭ ‬علبةٌ‭ ‬كبيرة‭ ‬وكيسٌ‭ ‬مكتوب‭ ‬عليه‭ ‬‮«‬باريس‮»‬،‭ ‬يفتح‭ ‬باب‭ ‬مكتبٍ‭ ‬كتب‭ ‬على‭ ‬لافتته‭ ‬‮«‬المدير‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬الجهة‭ ‬المقابلة‭ ‬زميلان‭ ‬يقولان‭ ‬إن‭ ‬الدرجة‭ ‬السنوية‭ ‬صار‭ ‬لها‭ ‬طريق‭ ‬معروف‭.‬

ابتسمت،‭ ‬ثم‭ ‬ظل‭ ‬الرسم‭ ‬يلاحقني‭ ‬أياماً‭. ‬لعلّ‭ ‬الرجل‭ ‬اشترى‭ ‬علبته‭ ‬وهو‭ ‬يظنّ‭ ‬أنه‭ ‬يُرضي‭ ‬مسؤوله‭ ‬ويتقرّب‭ ‬إليه،‭ ‬ويحسب‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬نجاحه‭. ‬الرسّام‭ ‬جمع‭ ‬في‭ ‬مساحةٍ‭ ‬صغيرة‭ ‬ما‭ ‬يعجز‭ ‬عنه‭ ‬تقرير‭ ‬إداري‭ ‬طويل‭.‬

في‭ ‬مؤسسة‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العالم،‭ ‬يستقبل‭ ‬مديرٌ‭ ‬من‭ ‬موظفه‭ ‬علبةً‭ ‬مغلّفة‭. ‬يشكره‭ ‬ويضعها‭ ‬على‭ ‬طاولته‭ ‬ويمضي‭ ‬في‭ ‬يومه،‭ ‬آمناً‭ ‬كما‭ ‬يمضي‭ ‬أي‭ ‬رجلٍ‭ ‬تلقّى‭ ‬هديةً‭ ‬من‭ ‬زميل‭.‬

تمرّ‭ ‬أشهر،‭ ‬ويطرق‭ ‬الموظف‭ ‬الباب‭ ‬طالباً‭ ‬إجازةً‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬يتزاحم‭ ‬عليه‭ ‬الجميع‭. ‬يرفع‭ ‬المدير‭ ‬رأسه‭ ‬فتحضر‭ ‬العلبة‭ ‬في‭ ‬الغرفة‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يذكرها‭ ‬أحد‭.‬

الرفض‭ ‬ثقيل‭ ‬على‭ ‬نفسه،‭ ‬والقبول‭ ‬ثقيل‭ ‬على‭ ‬سمعته‭. ‬وحده‭ ‬يدفع‭ ‬ثمن‭ ‬علبةٍ‭ ‬لم‭ ‬يشترها‭.‬

الإهداء‭ ‬من‭ ‬أرقّ‭ ‬ما‭ ‬ورثناه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭. ‬الأمّ‭ ‬تُرسل‭ ‬مع‭ ‬ابنها‭ ‬صحناً‭ ‬إلى‭ ‬الجيران،‭ ‬ومن‭ ‬عاد‭ ‬من‭ ‬سفر‭ ‬وزّع‭ ‬صوغته‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يحب‭. ‬والعادة‭ ‬تدخل‭ ‬معنا‭ ‬أبواب‭ ‬مكاتبنا،‭ ‬فعلبة‭ ‬الحلاوة‭ ‬تعود‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬مسافر‭ ‬منّا،‭ ‬تُفتح‭ ‬صباح‭ ‬الدوام‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬في‭ ‬الممرّ،‭ ‬يمرّ‭ ‬عليها‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج‭ ‬وتسأل‭ ‬من‭ ‬فاتتها‭ ‬عمّن‭ ‬جاء‭ ‬بها‭.‬

كنت‭ ‬أشتريها‭ ‬في‭ ‬المطار‭ ‬قبل‭ ‬عودتي‭ ‬وأنا‭ ‬أعرف‭ ‬مصيرها‭. ‬مكانها‭ ‬حيث‭ ‬تراها‭ ‬العيون‭ ‬كلها،‭ ‬وطريقها‭ ‬بين‭ ‬زملاء‭ ‬يتساوون‭ ‬في‭ ‬درجاتهم،‭ ‬ينال‭ ‬منها‭ ‬المجتهد‭ ‬والمقصّر‭ ‬سواء‭.‬

فالحلاوة‭ ‬يأخذ‭ ‬منها‭ ‬الجميع‭ ‬ولا‭ ‬ينتظر‭ ‬صاحبها‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬أحد‭. ‬والعلبة‭ ‬التي‭ ‬يحملها‭ ‬موظف‭ ‬إلى‭ ‬غرفة‭ ‬مديره‭ ‬وحده‭ ‬تضع‭ ‬المدير‭ ‬في‭ ‬موقف،‭ ‬لأن‭ ‬صاحبها‭ ‬ينتظر‭ ‬منه‭ ‬قراراً‭.‬

ولهذا‭ ‬المعنى‭ ‬أصلٌ‭ ‬في‭ ‬سيرتنا،‭ ‬وواقعةٌ‭ ‬تختصر‭ ‬المسألة‭. ‬المروي‭ ‬أن‭ ‬النبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬كلّف‭ ‬رجلاً‭ ‬بجمع‭ ‬أموال‭ ‬الصدقة‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬فلمّا‭ ‬فرغ‭ ‬من‭ ‬عمله‭ ‬عاد‭ ‬بما‭ ‬معه‭ ‬وقسمه‭ ‬أمامه‭ ‬قسمين،‭ ‬فقال‭ ‬هذا‭ ‬مالكم‭ ‬وهذا‭ ‬شيءٌ‭ ‬أُهدي‭ ‬إليّ‭. ‬فسأله‭ ‬النبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬لو‭ ‬أنّه‭ ‬قعد‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬أبيه‭ ‬ولم‭ ‬يخرج‭ ‬جابياً،‭ ‬أكانت‭ ‬هذه‭ ‬الهدايا‭ ‬تأتيه‭. ‬وما‭ ‬كان‭ ‬يأتي‭ ‬الرجل‭ ‬لولا‭ ‬كرسيه‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬الوظيفة‭ ‬وإن‭ ‬سُمّي‭ ‬هدية‭.‬

الميزان‭ ‬في‭ ‬الكرسي‭ ‬الذي‭ ‬يجلس‭ ‬عليه‭ ‬الرجل،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬نيّة‭ ‬من‭ ‬حمل‭ ‬إليه‭ ‬شيئاً،‭ ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬الأصل‭ ‬قامت‭ ‬القواعد‭ ‬المكتوبة‭ ‬اليوم‭.‬

والمعالجة‭ ‬قائمة‭ ‬عندنا‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي‭. ‬كتاب‭ ‬قواعد‭ ‬مصرف‭ ‬البحرين‭ ‬المركزي‭ ‬يُلزم‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬البنك‭ ‬باعتماد‭ ‬مدونة‭ ‬سلوك‭ ‬لموظفيه،‭ ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭ ‬بنت‭ ‬المصارف‭ ‬آلياتها‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬الهدايا‭. ‬للهدية‭ ‬الرمزية‭ ‬حدٌ‭ ‬ماليٌ‭ ‬معلن‭ ‬تُقبل‭ ‬تحته،‭ ‬وما‭ ‬تجاوزه‭ ‬يُقيد‭ ‬في‭ ‬سجلٍّ‭ ‬يعرفه‭ ‬قسم‭ ‬الالتزام،‭ ‬ثم‭ ‬تُرد‭ ‬إلى‭ ‬صاحبها‭ ‬أو‭ ‬تؤول‭ ‬إلى‭ ‬عمل‭ ‬خيري‭ ‬باسم‭ ‬المصرف‭. ‬والموظف‭ ‬هناك‭ ‬يعتذر‭ ‬بورقةٍ‭ ‬يوقّعها،‭ ‬فيفهم‭ ‬المهدي‭ ‬ويسلم‭ ‬خاطره‭. ‬وصاحب‭ ‬المعاملة‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬شيئاً‭ ‬وهو‭ ‬يخشى‭ ‬أن‭ ‬تتعثر‭ ‬ورقته‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يفعل،‭ ‬يجد‭ ‬أمامه‭ ‬قاعدةً‭ ‬معلنة‭ ‬تريحه‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الظن‭ ‬كله‭.‬

وهذا‭ ‬المبدأ‭ ‬مثبتٌ‭ ‬في‭ ‬نصوصنا‭ ‬الحكومية‭ ‬أيضاً‭. ‬مدونة‭ ‬قواعد‭ ‬السلوك‭ ‬الوظيفي‭ ‬وأخلاقيات‭ ‬الوظيفة‭ ‬العامة‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬ديوان‭ ‬الخدمة‭ ‬المدنية‭ ‬تُلزم‭ ‬الموظف‭ ‬بالامتناع‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬نشاط‭ ‬يُنشئ‭ ‬تضارباً‭ ‬حقيقياً‭ ‬أو‭ ‬ظاهرياً‭ ‬أو‭ ‬محتملاً‭ ‬بين‭ ‬مصلحته‭ ‬الشخصية‭ ‬ومهام‭ ‬وظيفته‭.‬

والعبرة‭ ‬في‭ ‬اللفظ‭ ‬الثالث‭. ‬المدونة‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭ ‬أن‭ ‬يثبت‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬شيء،‭ ‬فيكفي‭ ‬أن‭ ‬تبدو‭ ‬الصورة‭ ‬أمام‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬غير‭ ‬وجهها‭ ‬حتى‭ ‬يقع‭ ‬الضرر‭. ‬فلو‭ ‬أن‭ ‬مسؤولاً‭ ‬نزيهاً‭ ‬قبل‭ ‬هدية‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المجاملة،‭ ‬ثم‭ ‬رقّى‭ ‬صاحبها‭ ‬لجدارةٍ‭ ‬تامة‭ ‬فيه،‭ ‬لبقيت‭ ‬الصورة‭ ‬في‭ ‬أعين‭ ‬من‭ ‬رأى‭. ‬رجلٌ‭ ‬لم‭ ‬يخطئ‭ ‬في‭ ‬شيء،‭ ‬ودفع‭ ‬من‭ ‬سمعته‭ ‬ثمناً‭. ‬والمدونة‭ ‬يتسلمها‭ ‬الموظف‭ ‬يوم‭ ‬تعيينه‭ ‬فيوقّع‭ ‬عليها‭ ‬بين‭ ‬أوراق‭ ‬التعيين،‭ ‬ويمضي‭ ‬إلى‭ ‬مكتبه‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬ملفه،‭ ‬تنتظر‭ ‬يومها‭.‬

وما‭ ‬جرى‭ ‬تطبيقه‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي‭ ‬يصلح‭ ‬أن‭ ‬يُعمَّم‭ ‬على‭ ‬سواه‭. ‬المدونة‭ ‬الحكومية‭ ‬تقرّر‭ ‬المبدأ،‭ ‬ويبقى‭ ‬الموظف‭ ‬محتاجاً‭ ‬إلى‭ ‬دليلٍ‭ ‬إجرائي‭ ‬يعمل‭ ‬به،‭ ‬يضع‭ ‬الحدّ‭ ‬المالي‭ ‬المعلن‭ ‬ويفتح‭ ‬السجل‭ ‬عند‭ ‬جهة‭ ‬مستقلة‭ ‬عن‭ ‬سلسلة‭ ‬الرؤساء،‭ ‬ويسري‭ ‬في‭ ‬الاتجاهين،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يدخل‭ ‬المؤسسة‭ ‬من‭ ‬خارجها‭ ‬وما‭ ‬يتنقّل‭ ‬داخلها‭ ‬بين‭ ‬الموظف‭ ‬ورئيسه‭.‬

أعود‭ ‬إلى‭ ‬الرسم،‭ ‬وأتوقف‭ ‬عند‭ ‬الزميلين‭ ‬الواقفين‭ ‬في‭ ‬الممر‭. ‬رجلان‭ ‬يمسك‭ ‬أحدهما‭ ‬كوب‭ ‬شاي‭ ‬ويشير‭ ‬الآخر‭ ‬بيده،‭ ‬وقد‭ ‬صدر‭ ‬الحكم‭ ‬عندهما‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُغلق‭ ‬الباب‭.‬

الرسّام‭ ‬رسمهما‭ ‬بلا‭ ‬اسم،‭ ‬ولهما‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكتبٍ‭ ‬نظير،‭ ‬يعمل‭ ‬ويعود‭ ‬إلى‭ ‬بيته‭ ‬وهو‭ ‬يحسب‭ ‬أن‭ ‬اجتهاده‭ ‬وحده‭ ‬رصيده‭. ‬والورقة‭ ‬تُكتب‭ ‬لأجل‭ ‬هذين،‭ ‬فالسجل‭ ‬الذي‭ ‬يريح‭ ‬المدير‭ ‬من‭ ‬موقفه‭ ‬يحفظ‭ ‬لهما‭ ‬ثقتهما‭ ‬بأن‭ ‬الدرجة‭ ‬تُنال‭ ‬بالعمل،‭ ‬وتبقى‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬المكتب‭ ‬والباب‭ ‬مسافةَ‭ ‬عملٍ‭ ‬يُبذل‭.‬

 

{ قانونية‭ ‬وكاتبة‭ ‬بحرينية‭ ‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا