بين احتياجات سوق العمل وما يناسب الإنسان، مساحة تستحق مزيدًا من الاهتمام ولهذا حين نتحدث اليوم كثيرًا عن وظائف المستقبل، والتخصصات المطلوبة، والمهارات التي يحتاجها سوق العمل، والقطاعات التي يُتوقع أن تنمو خلال السنوات القادمة. فإن هذا الاهتمام مهم وضروري في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق العمل.
لكن وسط هذا الاهتمام، هناك سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا يناسب الإنسان أصلًا؟
فمعرفة التخصصات الأكثر طلباً والقطاعات الأكثر نمواً لا تعني بالضرورة أن هذه المسارات هي الأنسب للجميع.
هناك ميول مهنية، وقدرات، ونقاط قوة، وبيئات عمل يختلف توافقها من شخص إلى آخر. وفي المقابل، هناك فرص ومهن تتغير وتحولات متسارعة تعيد تشكيل ما يحتاجه سوق العمل.
التحدي الحقيقي اليوم ليس في معرفة الإنسان بمعزل عن معرفة سوق العمل، ولا في معرفة السوق بمعزل عن الإنسان، بل في بناء الجسر بينهما.
هذه المساحة أصبحت بالنسبة إلى أكثر وضوحًا بعد أكثر من 25 سنة من العمل في إدارة الموارد البشرية، ثم التخصص والممارسة في الكوتشنج والتطوير المهني، والعمل مع مئات الحالات في مراحل مهنية مختلفة.
ومن هنا أصبح السؤال بالنسبة إلي أكبر من: كيف نساعد شخصًا على اختيار تخصص أو الحصول على وظيفة؟
بل أصبح السؤال الأهم هو: كيف نبني لدى الإنسان القدرة على فهم ميوله، واستكشاف خياراته، وقراءة سوق العمل، واتخاذ قرارات مهنية أكثر وعيًا عبر مراحل حياته المهنية؟
من قرار مهني إلى رحلة مهنية متكاملة: هنا تحديدًا أرى القيمة التي يمكن أن تضيفها ممارسات الكوتشنج والإرشاد المهني.
فمعرفة الميول المهنية لا ينبغي أن تنتهي بنتيجة اختبار للميول، بل يمكن أن تبدأ منها رحلة أعمق: ماذا تعني هذه الميول؟ ما القيم المهنية والقدرات ونقاط القوة التي يمتلكها الفرد؟ ما التخصصات والمسارات وبيئات العمل التي تستحق الاستكشاف؟ وكيف تتقاطع كل هذه العناصر مع واقع سوق العمل؟ والأمر لا يتعلق بالطالب وحده.
فالرحلة قد تبدأ مع طالب أمام قرار اختيار تخصصه، وتمتد إلى طالب جامعي يستكشف الأدوار المهنية المرتبطة بتخصصه، ثم خريج يستعد لدخول سوق العمل، وباحث عن عمل يحاول الوصول إلى الفرصة المناسبة، وموظف يفكر في التطور أو الانتقال الوظيفي، وصاحب خبرة يعيد النظر في موقعه في سوق تغيرت فيه الوظائف والمهارات.
تختلف المراحل والأسئلة، لكن ما نحتاج إلى بنائه يظل واحدًا: قدرة الإنسان على إدارة رحلته المهنية، وليس فقط مساعدته على اتخاذ قرار مهني واحد.
وهنا تختلف أيضًا ممارسات الكوتشنج المهني عن مجرد تقديم النصيحة أو المعلومة؛ فهي تجمع بين جدارات الكوتشنج، والنظريات والأدوات العلمية للتطوير المهني، وفهم سوق العمل، لمساعدة الفرد على أن يفهم ويستكشف ويقرر، ثم يحول قراره إلى خطوات قابلة للتطبيق.
من تقديم الخدمة إلى بناء القدرة: هنا يبرز سؤال أراه جديرًا بالنقاش:
ماذا لو أصبحت ممارسات الكوتشنج المهني جزءًا من التأهيل والتطوير المستمر للمرشدين المهنيين في المدارس والجامعات ومراكز التوظيف؟
ليس بهدف تغيير أدوارهم أو مسمياتهم، بل لإثرائها وتوسيع أثرها. فالمرشد المهني لا يحتاج فقط إلى معرفة التخصصات والوظائف. يحتاج أيضًا إلى مهارات تساعده على الاستماع وإثارة الوعي وطرح الأسئلة، وإلى نظريات وأدوات علمية تساعده على استكشاف الميول والقيم والقدرات والخيارات، وإلى معرفة بسوق العمل تساعده على ربط كل ذلك بالواقع.
وعندها يمكن أن نضيف إلى سؤال «ماذا قدمنا للفرد؟» سؤالًا آخر ربما يكون أكثر أهمية:
«ما الذي أصبح قادرًا على فعله بنفسه بعد ذلك؟» فالفرق كبير بين أن يحصل الطالب على نتيجة تخبره بميوله، وبين أن يصبح قادرًا على استخدام هذه المعرفة لاستكشاف مستقبله.
والفرق كبير أيضًا بين أن نطوّر للباحث عن عمل سيرته الذاتية، وبين أن نُمكّنه من فهم متطلبات الفرصة التالية والتعامل معها بنفسه.
وبين أن نخبر الإنسان بما يحتاجه سوق العمل، وأن يمتلك هو القدرة على قراءة هذا السوق كلما تغير. وهنا ننتقل من نقل المعرفة إلى بناء القدرة، ومن تقديم الخدمة إلى التمكين.
سؤال للمستقبل: لا يمكن اختزال تحديات التعليم أو البطالة أو سوق العمل في الكوتشنج والإرشاد المهني؛ فهي قضايا متعددة الأبعاد تتداخل فيها عوامل اقتصادية وتعليمية وتشريعية واجتماعية.
لكن هناك سؤالًا يستحق أن نطرحه: ماذا يمكن أن يتغير في جودة القرارات التعليمية، وجاهزية الخريجين، وقدرة الباحثين عن عمل والموظفين على إدارة مساراتهم، إذا أصبحت ممارسات الكوتشنج والإرشاد المهني جزءًا أكثر عمقًا من رحلة التعليم والتوظيف؟
ربما نحتاج مستقبلًا إلى ألا نقيس أثر ما نقدمه فقط بعدد البرامج التي أُنجزت أو المعلومات والأدوات التي قُدمت، بل أيضًا بما أصبح الإنسان قادرًا على القيام به بعدها.
فنحن بحاجة بالتأكيد إلى معرفة الوظائف والمهارات التي سيحتاجها سوق العمل مستقبلًا.
لكن مستقبل سوق العمل لا تصنعه الوظائف وحدها؛ يصنعه أيضًا إنسان يعرف ما يناسبه، ويفهم السوق، ويمتلك القدرة على بناء الجسر بين الاثنين.
{ مستشارة في إدارة الموارد البشرية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك