العدد : ١٧٦٩٥ - الخميس ٠٣ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٥ - الخميس ٠٣ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

هل يكفي أن نعرف ماذا يحتاج سوق العمل؟

بقلم: أميرة معيوف

الخميس ٠٣ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

بين‭ ‬احتياجات‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬وما‭ ‬يناسب‭ ‬الإنسان،‭ ‬مساحة‭ ‬تستحق‭ ‬مزيدًا‭ ‬من‭ ‬الاهتمام‭ ‬ولهذا‭ ‬حين‭ ‬نتحدث‭ ‬اليوم‭ ‬كثيرًا‭ ‬عن‭ ‬وظائف‭ ‬المستقبل،‭ ‬والتخصصات‭ ‬المطلوبة،‭ ‬والمهارات‭ ‬التي‭ ‬يحتاجها‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬والقطاعات‭ ‬التي‭ ‬يُتوقع‭ ‬أن‭ ‬تنمو‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬القادمة‭. ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الاهتمام‭ ‬مهم‭ ‬وضروري‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬المتسارعة‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭. ‬

لكن‭ ‬وسط‭ ‬هذا‭ ‬الاهتمام،‭ ‬هناك‭ ‬سؤال‭ ‬آخر‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭: ‬ماذا‭ ‬يناسب‭ ‬الإنسان‭ ‬أصلًا؟‭ ‬

فمعرفة‭ ‬التخصصات‭ ‬الأكثر‭ ‬طلباً‭ ‬والقطاعات‭ ‬الأكثر‭ ‬نمواً‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المسارات‭ ‬هي‭ ‬الأنسب‭ ‬للجميع‭. ‬

هناك‭ ‬ميول‭ ‬مهنية،‭ ‬وقدرات،‭ ‬ونقاط‭ ‬قوة،‭ ‬وبيئات‭ ‬عمل‭ ‬يختلف‭ ‬توافقها‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬هناك‭ ‬فرص‭ ‬ومهن‭ ‬تتغير‭ ‬وتحولات‭ ‬متسارعة‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬ما‭ ‬يحتاجه‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭. ‬

التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬الإنسان‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬معرفة‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬السوق‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الإنسان،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الجسر‭ ‬بينهما‭. ‬

هذه‭ ‬المساحة‭ ‬أصبحت‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا‭ ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬25‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية،‭ ‬ثم‭ ‬التخصص‭ ‬والممارسة‭ ‬في‭ ‬الكوتشنج‭ ‬والتطوير‭ ‬المهني،‭ ‬والعمل‭ ‬مع‭ ‬مئات‭ ‬الحالات‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬مهنية‭ ‬مختلفة‭. ‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬أصبح‭ ‬السؤال‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلي‭ ‬أكبر‭ ‬من‭: ‬كيف‭ ‬نساعد‭ ‬شخصًا‭ ‬على‭ ‬اختيار‭ ‬تخصص‭ ‬أو‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬وظيفة؟‭ ‬

بل‭ ‬أصبح‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬هو‭: ‬كيف‭ ‬نبني‭ ‬لدى‭ ‬الإنسان‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬ميوله،‭ ‬واستكشاف‭ ‬خياراته،‭ ‬وقراءة‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬واتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬مهنية‭ ‬أكثر‭ ‬وعيًا‭ ‬عبر‭ ‬مراحل‭ ‬حياته‭ ‬المهنية؟‭ ‬

من‭ ‬قرار‭ ‬مهني‭ ‬إلى‭ ‬رحلة‭ ‬مهنية‭ ‬متكاملة‭: ‬هنا‭ ‬تحديدًا‭ ‬أرى‭ ‬القيمة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تضيفها‭ ‬ممارسات‭ ‬الكوتشنج‭ ‬والإرشاد‭ ‬المهني‭. ‬

فمعرفة‭ ‬الميول‭ ‬المهنية‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬بنتيجة‭ ‬اختبار‭ ‬للميول،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬منها‭ ‬رحلة‭ ‬أعمق‭: ‬ماذا‭ ‬تعني‭ ‬هذه‭ ‬الميول؟‭ ‬ما‭ ‬القيم‭ ‬المهنية‭ ‬والقدرات‭ ‬ونقاط‭ ‬القوة‭ ‬التي‭ ‬يمتلكها‭ ‬الفرد؟‭ ‬ما‭ ‬التخصصات‭ ‬والمسارات‭ ‬وبيئات‭ ‬العمل‭ ‬التي‭ ‬تستحق‭ ‬الاستكشاف؟‭ ‬وكيف‭ ‬تتقاطع‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬مع‭ ‬واقع‭ ‬سوق‭ ‬العمل؟‭ ‬والأمر‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بالطالب‭ ‬وحده‭. ‬

فالرحلة‭ ‬قد‭ ‬تبدأ‭ ‬مع‭ ‬طالب‭ ‬أمام‭ ‬قرار‭ ‬اختيار‭ ‬تخصصه،‭ ‬وتمتد‭ ‬إلى‭ ‬طالب‭ ‬جامعي‭ ‬يستكشف‭ ‬الأدوار‭ ‬المهنية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتخصصه،‭ ‬ثم‭ ‬خريج‭ ‬يستعد‭ ‬لدخول‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬وباحث‭ ‬عن‭ ‬عمل‭ ‬يحاول‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الفرصة‭ ‬المناسبة،‭ ‬وموظف‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬التطور‭ ‬أو‭ ‬الانتقال‭ ‬الوظيفي،‭ ‬وصاحب‭ ‬خبرة‭ ‬يعيد‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬موقعه‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬تغيرت‭ ‬فيه‭ ‬الوظائف‭ ‬والمهارات‭. ‬

تختلف‭ ‬المراحل‭ ‬والأسئلة،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬بنائه‭ ‬يظل‭ ‬واحدًا‭: ‬قدرة‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬رحلته‭ ‬المهنية،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬مساعدته‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬مهني‭ ‬واحد‭. ‬

وهنا‭ ‬تختلف‭ ‬أيضًا‭ ‬ممارسات‭ ‬الكوتشنج‭ ‬المهني‭ ‬عن‭ ‬مجرد‭ ‬تقديم‭ ‬النصيحة‭ ‬أو‭ ‬المعلومة؛‭ ‬فهي‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬جدارات‭ ‬الكوتشنج،‭ ‬والنظريات‭ ‬والأدوات‭ ‬العلمية‭ ‬للتطوير‭ ‬المهني،‭ ‬وفهم‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬لمساعدة‭ ‬الفرد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭ ‬ويستكشف‭ ‬ويقرر،‭ ‬ثم‭ ‬يحول‭ ‬قراره‭ ‬إلى‭ ‬خطوات‭ ‬قابلة‭ ‬للتطبيق‭. ‬

من‭ ‬تقديم‭ ‬الخدمة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬القدرة‭: ‬هنا‭ ‬يبرز‭ ‬سؤال‭ ‬أراه‭ ‬جديرًا‭ ‬بالنقاش‭: ‬

ماذا‭ ‬لو‭ ‬أصبحت‭ ‬ممارسات‭ ‬الكوتشنج‭ ‬المهني‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬التأهيل‭ ‬والتطوير‭ ‬المستمر‭ ‬للمرشدين‭ ‬المهنيين‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬والجامعات‭ ‬ومراكز‭ ‬التوظيف؟‭ ‬

ليس‭ ‬بهدف‭ ‬تغيير‭ ‬أدوارهم‭ ‬أو‭ ‬مسمياتهم،‭ ‬بل‭ ‬لإثرائها‭ ‬وتوسيع‭ ‬أثرها‭. ‬فالمرشد‭ ‬المهني‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬التخصصات‭ ‬والوظائف‭. ‬يحتاج‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬مهارات‭ ‬تساعده‭ ‬على‭ ‬الاستماع‭ ‬وإثارة‭ ‬الوعي‭ ‬وطرح‭ ‬الأسئلة،‭ ‬وإلى‭ ‬نظريات‭ ‬وأدوات‭ ‬علمية‭ ‬تساعده‭ ‬على‭ ‬استكشاف‭ ‬الميول‭ ‬والقيم‭ ‬والقدرات‭ ‬والخيارات،‭ ‬وإلى‭ ‬معرفة‭ ‬بسوق‭ ‬العمل‭ ‬تساعده‭ ‬على‭ ‬ربط‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬بالواقع‭. ‬

وعندها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نضيف‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬‮«‬ماذا‭ ‬قدمنا‭ ‬للفرد؟‮»‬‭ ‬سؤالًا‭ ‬آخر‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭: ‬

‮«‬ما‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬فعله‭ ‬بنفسه‭ ‬بعد‭ ‬ذلك؟‮»‬‭ ‬فالفرق‭ ‬كبير‭ ‬بين‭ ‬أن‭ ‬يحصل‭ ‬الطالب‭ ‬على‭ ‬نتيجة‭ ‬تخبره‭ ‬بميوله،‭ ‬وبين‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬هذه‭ ‬المعرفة‭ ‬لاستكشاف‭ ‬مستقبله‭. ‬

والفرق‭ ‬كبير‭ ‬أيضًا‭ ‬بين‭ ‬أن‭ ‬نطوّر‭ ‬للباحث‭ ‬عن‭ ‬عمل‭ ‬سيرته‭ ‬الذاتية،‭ ‬وبين‭ ‬أن‭ ‬نُمكّنه‭ ‬من‭ ‬فهم‭ ‬متطلبات‭ ‬الفرصة‭ ‬التالية‭ ‬والتعامل‭ ‬معها‭ ‬بنفسه‭. ‬

وبين‭ ‬أن‭ ‬نخبر‭ ‬الإنسان‭ ‬بما‭ ‬يحتاجه‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬وأن‭ ‬يمتلك‭ ‬هو‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬هذا‭ ‬السوق‭ ‬كلما‭ ‬تغير‭. ‬وهنا‭ ‬ننتقل‭ ‬من‭ ‬نقل‭ ‬المعرفة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬القدرة،‭ ‬ومن‭ ‬تقديم‭ ‬الخدمة‭ ‬إلى‭ ‬التمكين‭. ‬

سؤال‭ ‬للمستقبل‭: ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزال‭ ‬تحديات‭ ‬التعليم‭ ‬أو‭ ‬البطالة‭ ‬أو‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬الكوتشنج‭ ‬والإرشاد‭ ‬المهني؛‭ ‬فهي‭ ‬قضايا‭ ‬متعددة‭ ‬الأبعاد‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬عوامل‭ ‬اقتصادية‭ ‬وتعليمية‭ ‬وتشريعية‭ ‬واجتماعية‭. ‬

لكن‭ ‬هناك‭ ‬سؤالًا‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬نطرحه‭: ‬ماذا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتغير‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬القرارات‭ ‬التعليمية،‭ ‬وجاهزية‭ ‬الخريجين،‭ ‬وقدرة‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬عمل‭ ‬والموظفين‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬مساراتهم،‭ ‬إذا‭ ‬أصبحت‭ ‬ممارسات‭ ‬الكوتشنج‭ ‬والإرشاد‭ ‬المهني‭ ‬جزءًا‭ ‬أكثر‭ ‬عمقًا‭ ‬من‭ ‬رحلة‭ ‬التعليم‭ ‬والتوظيف؟‭ ‬

ربما‭ ‬نحتاج‭ ‬مستقبلًا‭ ‬إلى‭ ‬ألا‭ ‬نقيس‭ ‬أثر‭ ‬ما‭ ‬نقدمه‭ ‬فقط‭ ‬بعدد‭ ‬البرامج‭ ‬التي‭ ‬أُنجزت‭ ‬أو‭ ‬المعلومات‭ ‬والأدوات‭ ‬التي‭ ‬قُدمت،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬بما‭ ‬أصبح‭ ‬الإنسان‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬به‭ ‬بعدها‭. ‬

فنحن‭ ‬بحاجة‭ ‬بالتأكيد‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬الوظائف‭ ‬والمهارات‭ ‬التي‭ ‬سيحتاجها‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬مستقبلًا‭. ‬

لكن‭ ‬مستقبل‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬لا‭ ‬تصنعه‭ ‬الوظائف‭ ‬وحدها؛‭ ‬يصنعه‭ ‬أيضًا‭ ‬إنسان‭ ‬يعرف‭ ‬ما‭ ‬يناسبه،‭ ‬ويفهم‭ ‬السوق،‭ ‬ويمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬الجسر‭ ‬بين‭ ‬الاثنين‭. ‬

 

{ مستشارة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا