العدد : ١٧٦٩٥ - الخميس ٠٣ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٥ - الخميس ٠٣ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

إدارة ترامب أمام لحظة فارقة في الشرق الأوسط

بقلم: د. حمدي صالح

الأربعاء ٠٢ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

تواجه‭ ‬واشنطن،‭ ‬ممثلةً‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬الجمهورية‭ ‬بقيادة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬والنخبة‭ ‬السياسية‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الكونجرس‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الدفاعية‭ ‬والأمنية،‭ ‬لحظة‭ ‬فارقة‭ ‬في‭ ‬رؤيتها‭ ‬للشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وأسلوب‭ ‬تعاملها‭ ‬معه؛‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لأن‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أصبحت‭ ‬بالغة‭ ‬التعقيد‭ ‬والخطورة‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬سمعة‭ ‬أمريكا‭ ‬ودورها‭ ‬الدولي،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬أصبح‭ ‬متشابكاً‭ ‬بشكل‭ ‬بالغ‭ ‬الحساسية‭ ‬بالسياسة‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

وجرت‭ ‬العادة‭ ‬ألا‭ ‬تؤثر‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬في‭ ‬الحوار‭ ‬السياسي‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬الداخل،‭ ‬حيث‭ ‬يهتم‭ ‬المواطن‭ ‬الأمريكي‭ ‬بالقضايا‭ ‬المحلية‭ ‬والأوضاع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وربما‭ ‬بالدول‭ ‬المجاورة‭ ‬مثل‭ ‬المكسيك‭ ‬وكندا،‭ ‬لكن‭ ‬أزمة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الحالية‭ ‬بدوائرها‭ ‬المتعددة‭ ‬تشابكت‭ ‬مع‭ ‬الداخل‭ ‬الأمريكي‭ ‬بشكل‭ ‬عميق،‭ ‬فأصبحت‭ ‬قضايا‭ ‬الإقليم‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الحوار‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬الدوائر‭ ‬السياسية‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الأمنية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬كما‭ ‬تحولت‭ ‬إلي‭ ‬عنصر‭ ‬شبه‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬التمهيدية‭ ‬للحزبين‭ ‬الرئيسيين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سيستمر‭ ‬تأثيرها‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬النصفية‭ ‬للكونجرس‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬القادم‭.‬

وهنا‭ ‬تجد‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬صعب‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬الحوارات‭ ‬الداخلية‭ ‬واحتمالية‭ ‬خسارة‭ ‬الجمهوريين‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬النصفية‭ ‬لمجلسي‭ ‬النواب‭ ‬والشيوخ،‭ ‬فقد‭ ‬تدهورت‭ ‬شعبية‭ ‬الإدارة‭ ‬بسبب‭ ‬الحرب‭ ‬وعدم‭ ‬وضوح‭ ‬استراتيجيتها‭ ‬تجاه‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وربما‭ ‬كانت‭ ‬اللغة‭ ‬العنيفة‭ ‬التي‭ ‬استخدمها‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬مؤخراً‭ ‬في‭ ‬حديثه‭ ‬عن‭ ‬المنطقة‭ ‬وعن‭ ‬إيران‭ ‬وسلطنة‭ ‬عُمان‭ ‬تمثل‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬الإحباط‭ ‬العميق‭ ‬الذي‭ ‬تشعر‭ ‬به‭ ‬الدائرة‭ ‬المحيطة‭ ‬بالرئيس‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬ويحس‭ ‬به‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬نفسه‭.‬

‭ ‬لكن‭ ‬على‭ ‬الناحية‭ ‬الأخرى‭ ‬يمثل‭ ‬ترحيب‭ ‬ترامب‭ ‬باتفاقية‭ ‬مكة‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الثلاث‭ ‬السعودية‭ ‬وباكستان‭ ‬وتركيا‭ ‬مؤشراً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬تحولاً‭ ‬في‭ ‬الرؤية‭ ‬الأمريكية‭ ‬بخصوص‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المنطقة‭ ‬ومستقبلها‭.‬

وأمام‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭ ‬المتلاحقة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬من‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬وتزايد‭ ‬دور‭ ‬المليشيات‭ ‬الموالية‭ ‬لطهران‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬والعراق‭ ‬ولبنان‭ ‬إلي‭ ‬تصاعد‭ ‬استنكار‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الأمريكي‭ ‬والعالمي‭ ‬لما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬والضفة‭ ‬الغربية‭ ‬مع‭ ‬تنامي‭ ‬وتيرة‭ ‬عنف‭ ‬المستوطنين‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬ضد‭ ‬السكان‭ ‬العزل‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية؛‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث‭ ‬تدفع‭ ‬الإدارة‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الأمريكية‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬أفكار‭ ‬جديدة‭ ‬للتحرك‭ ‬كي‭ ‬تحتفظ‭ ‬بدورٍ‭ ‬ما‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تعددت‭ ‬الدعوات‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬الأمريكي‭ ‬بالانسحاب‭ ‬من‭ ‬المنطقة‭ ‬ومطالبة‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬ببناء‭ ‬نظام‭ ‬دفاعي‭ ‬إقليمي‭ ‬ضد‭ ‬التهديدات‭ ‬الخارجية‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬الإدارة‭ ‬نفسها‭ ‬ومؤسساتها‭ ‬قلقة‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬استقرار‭ ‬الأوضاع‭ ‬الداخلية‭ ‬والإقليمية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الحليفة‭ ‬تقليدياً‭ ‬لها،‭ ‬التي‭ ‬لو‭ ‬شهدت‭ ‬تغييرًا‭ ‬في‭ ‬اتجاهاتها‭ ‬السياسية‭ ‬سيُعد‭ ‬ذلك‭ ‬خسارة‭ ‬استراتيجية‭ ‬كبيرة‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ونفوذها‭ ‬التقليدي‭.‬

وهنا‭ ‬تجد‭ ‬الإدارة‭ ‬الجمهورية،‭ ‬والتي‭ ‬جاءت‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬أمريكا‭ ‬أولاً‭ ‬ولا‭ ‬لحروب‭ ‬خارج‭ ‬أمريكا‮»‬،‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬بالغ‭ ‬الحرج‭ ‬أمام‭ ‬الناخبين‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬المرتقبة،‭ ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬تحدث‭ ‬انشقاقات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬القيادات‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬أيدت‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬وفي‭ ‬الكونجرس‭.‬

كذلك‭ ‬تجد‭ ‬واشنطن‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬موقف‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تحمله‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنسحب‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬بشكل‭ ‬لا‭ ‬يحفظ‭ ‬للإدارة‭ ‬ولأمريكا‭ ‬سمعتها‭ ‬وكرامتها،‭ ‬فلجأت‭ ‬إلى‭ ‬تشديد‭ ‬الحصار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬ومطالبة‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬روسيا‭ ‬والصين‭ ‬وقف‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬الدعم‭ ‬الموجه‭ ‬إلي‭ ‬طهران‭.‬

من‭ ‬ناحية‭ ‬أخري،‭ ‬فإن‭ ‬الحرب‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬أفق،‭ ‬ولا‭ ‬توجد‭ ‬مؤشرات‭ ‬على‭ ‬حل‭ ‬سياسي‭ ‬قريب‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬المواقف‭ ‬المتشددة‭ ‬لكلا‭ ‬الطرفين‭ ‬الأمريكي‭ ‬والإيراني،‭ ‬وجاءت‭ ‬تصريحات‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الأسبق‭ ‬باراك‭ ‬أوباما‭ ‬بأن‭ ‬الإدارة‭ ‬دخلت‭ ‬الحرب‭ ‬للتخلص‭ ‬من‭ ‬سلاح‭ ‬نووي‭ ‬غير‭ ‬موجود‭ ‬ولفتح‭ ‬مضيق‭ ‬كان‭ ‬أصلاً‭ ‬مفتوحاً‭ ‬لتمثل‭ ‬المأزق‭ ‬الحقيقي‭ ‬لسياسة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الحالية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

وتسعي‭ ‬إدارة‭ ‬ترامب‭ ‬حاليًا‭ ‬إلى‭ ‬احتواء‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬بالحصار‭ ‬البحري‭ ‬واستمرار‭ ‬الضغط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسياسي‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬عزل‭ ‬إيران‭ ‬عن‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا‭ ‬بتقديم‭ ‬تنازلات‭ ‬محدودة‭ ‬للدولتين‭ ‬الكبيرتين‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬تايوان‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬روسيا‭.‬

كما‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬فصل‭ ‬الصراعات‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬عن‭ ‬الصراع‭ ‬العربي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬أو‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬ومحاولة‭ ‬إحراز‭ ‬بعض‭ ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬خطة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬غزة‭ ‬وتحجيم‭ ‬التحرك‭ ‬العدواني‭ ‬لإسرائيل‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وأيضاً‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬وتشجع‭ ‬وتدعم‭ ‬وجود‭ ‬إطار‭ ‬إقليمي‭ ‬دفاعي‭ ‬للتحرك‭ ‬ضد‭ ‬أي‭ ‬تغلغل‭ ‬خارجي‭ ‬من‭ ‬المنطقة‭ ‬ولكن‭ ‬صورة‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬لم‭ ‬تكتمل‭ ‬بعد‭ ‬في‭ ‬الرؤية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وتعد‭ ‬تصريحات‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬المؤيدة‭ ‬لاتفاق‭ ‬مكة‭ ‬الثلاثي‭ ‬مؤشراً‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تساند‭ ‬جدياً‭ ‬بناء‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬الدفاعي‭.‬

وفي‭ ‬ضوء‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬يقع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬الرئيسية‭ ‬وضع‭ ‬إطار‭ ‬للأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬مبني‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬الدفاع‭ ‬العربي‭ ‬المشترك‭ ‬وأن‭ ‬تأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬أن‭ ‬مشاركة‭ ‬الدول‭ ‬الإسلامية‭ ‬الأخرى‭ ‬مثل‭ ‬باكستان‭ ‬وتركيا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬دور‭ ‬مساند‭ ‬للأمن‭ ‬العربي‭ ‬الإقليمي،‭ ‬كما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يؤخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تستبقي‭ ‬ما‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬فعال‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وتحاول‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬الصراعات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تخسرها‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬الأخيرة‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬ودبلوماسي‭ ‬سابق

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا