تواجه واشنطن، ممثلةً في الإدارة الجمهورية بقيادة الرئيس ترامب والنخبة السياسية بما فيها الكونجرس والمؤسسات الدفاعية والأمنية، لحظة فارقة في رؤيتها للشرق الأوسط وأسلوب تعاملها معه؛ ليس فقط لأن الأوضاع في الشرق الأوسط أصبحت بالغة التعقيد والخطورة والتأثير في سمعة أمريكا ودورها الدولي، بل لأن ما يحدث في المنطقة أصبح متشابكاً بشكل بالغ الحساسية بالسياسة الداخلية في الولايات المتحدة.
وجرت العادة ألا تؤثر السياسة الخارجية في الحوار السياسي الأمريكي في الداخل، حيث يهتم المواطن الأمريكي بالقضايا المحلية والأوضاع الاقتصادية وربما بالدول المجاورة مثل المكسيك وكندا، لكن أزمة الشرق الأوسط الحالية بدوائرها المتعددة تشابكت مع الداخل الأمريكي بشكل عميق، فأصبحت قضايا الإقليم جزءاً من الحوار السياسي في الدوائر السياسية والمؤسسات الأمنية الأمريكية، كما تحولت إلي عنصر شبه أساسي في الانتخابات التمهيدية للحزبين الرئيسيين، وهو ما سيستمر تأثيرها في الانتخابات النصفية للكونجرس في نوفمبر القادم.
وهنا تجد إدارة الرئيس ترامب نفسها في موقف صعب من تأثير الحوارات الداخلية واحتمالية خسارة الجمهوريين في الانتخابات النصفية لمجلسي النواب والشيوخ، فقد تدهورت شعبية الإدارة بسبب الحرب وعدم وضوح استراتيجيتها تجاه منطقة الشرق الأوسط، وربما كانت اللغة العنيفة التي استخدمها الرئيس ترامب مؤخراً في حديثه عن المنطقة وعن إيران وسلطنة عُمان تمثل نوعاً من الإحباط العميق الذي تشعر به الدائرة المحيطة بالرئيس في البيت الأبيض ويحس به الرئيس الأمريكي نفسه.
لكن على الناحية الأخرى يمثل ترحيب ترامب باتفاقية مكة بين الدول الثلاث السعودية وباكستان وتركيا مؤشراً على أن هناك تحولاً في الرؤية الأمريكية بخصوص التعامل مع المنطقة ومستقبلها.
وأمام كل هذه الأزمات المتلاحقة في الشرق الأوسط، من استمرار الحرب مع إيران وتزايد دور المليشيات الموالية لطهران في اليمن والعراق ولبنان إلي تصاعد استنكار الرأي العام الأمريكي والعالمي لما يحدث في غزة والضفة الغربية مع تنامي وتيرة عنف المستوطنين الإسرائيليين ضد السكان العزل في الضفة الغربية؛ كل هذه الأحداث تدفع الإدارة والمؤسسات الأمريكية للبحث عن أفكار جديدة للتحرك كي تحتفظ بدورٍ ما لها في المنطقة، خاصة بعد أن تعددت الدعوات من الداخل الأمريكي بالانسحاب من المنطقة ومطالبة دول المنطقة ببناء نظام دفاعي إقليمي ضد التهديدات الخارجية.
كما أن الإدارة نفسها ومؤسساتها قلقة من عدم استقرار الأوضاع الداخلية والإقليمية في الشرق الأوسط، خصوصاً في الدول الحليفة تقليدياً لها، التي لو شهدت تغييرًا في اتجاهاتها السياسية سيُعد ذلك خسارة استراتيجية كبيرة للولايات المتحدة ونفوذها التقليدي.
وهنا تجد الإدارة الجمهورية، والتي جاءت تحت شعار «أمريكا أولاً ولا لحروب خارج أمريكا»، هي نفسها في وضع بالغ الحرج أمام الناخبين في الانتخابات المرتقبة، بل ربما تحدث انشقاقات كبيرة في القيادات السياسية التي أيدت الرئيس ترامب في الإعلام وفي الكونجرس.
كذلك تجد واشنطن نفسها أمام موقف لا يمكن تحمله فترة طويلة في الحرب، حيث لا يمكن أن تنسحب من الصراع مع إيران بشكل لا يحفظ للإدارة ولأمريكا سمعتها وكرامتها، فلجأت إلى تشديد الحصار الاقتصادي على النظام الإيراني ومطالبة كل من روسيا والصين وقف كل أشكال الدعم الموجه إلي طهران.
من ناحية أخري، فإن الحرب ليس لها أفق، ولا توجد مؤشرات على حل سياسي قريب في ضوء المواقف المتشددة لكلا الطرفين الأمريكي والإيراني، وجاءت تصريحات الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بأن الإدارة دخلت الحرب للتخلص من سلاح نووي غير موجود ولفتح مضيق كان أصلاً مفتوحاً لتمثل المأزق الحقيقي لسياسة الولايات المتحدة الحالية في الشرق الأوسط.
وتسعي إدارة ترامب حاليًا إلى احتواء الصراع مع إيران بالحصار البحري واستمرار الضغط الاقتصادي والسياسي والعمل على عزل إيران عن الصين وروسيا بتقديم تنازلات محدودة للدولتين الكبيرتين سواء في تايوان بالنسبة إلى الصين أو في أوكرانيا بالنسبة إلى روسيا.
كما تعمل على فصل الصراعات في المنطقة عن الصراع العربي الإسرائيلي أو الفلسطيني الإسرائيلي ومحاولة إحراز بعض التقدم في خطة الرئيس ترامب بالنسبة إلى غزة وتحجيم التحرك العدواني لإسرائيل في الضفة الغربية وأيضاً في لبنان، وتشجع وتدعم وجود إطار إقليمي دفاعي للتحرك ضد أي تغلغل خارجي من المنطقة ولكن صورة هذا النظام الإقليمي لم تكتمل بعد في الرؤية الأمريكية، وتعد تصريحات الرئيس ترامب المؤيدة لاتفاق مكة الثلاثي مؤشراً فقط على أن الولايات المتحدة تساند جدياً بناء هذا النظام الإقليمي الدفاعي.
وفي ضوء هذه التحولات يقع على عاتق الدول العربية الرئيسية وضع إطار للأمن الإقليمي مبني على مفهوم الدفاع العربي المشترك وأن تأخذ في الاعتبار أن مشاركة الدول الإسلامية الأخرى مثل باكستان وتركيا يجب أن يكون لها دور مساند للأمن العربي الإقليمي، كما يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن الولايات المتحدة تحاول أن تستبقي ما لها من دور فعال في المنطقة وتحاول أن تكون بعيدة عن الصراعات التي قد تخسرها كما حدث لها في هذه الحرب الأخيرة.
{ كاتب ودبلوماسي سابق

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك