العدد : ١٧٦٩٤ - الأربعاء ٠٢ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٤ - الأربعاء ٠٢ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٠ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

كيف تحولت «صناديق الاقتراع» إلى بوابات للنفوذ الإقليمي في العراق؟

بقلم: د. جاسم بونوفل

الأربعاء ٠٢ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

تطرح‭ ‬المسألة‭ ‬العراقية‭ ‬تساؤلا‭ ‬جوهريا‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬جدية‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬ربوع‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭. ‬ففي‭ ‬أعقاب‭ ‬غزو‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬واحتلال‭ ‬البلاد،‭ ‬أرست‭ ‬سلطة‭ ‬الائتلاف‭ ‬المؤقتة‭ ‬برئاسة‭ ‬الحاكم‭ ‬المدني‭ ‬الأمريكي‭ ‬بول‭ ‬بريمر‭ ‬قواعد‭ ‬دستور‭ ‬ونظام‭ ‬سياسي‭ ‬قام‭ ‬في‭ ‬ظاهره‭ ‬على‭ ‬الأسس‭ ‬والآليات‭ ‬الديمقراطية‭ ‬للحكم‭. ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬هذه‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الناشئة،‭ ‬صعدت‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬نخب‭ ‬سياسية‭ ‬واجهت‭ ‬اتهامات‭ ‬واسعة‭ ‬بالفساد‭ ‬المالي،‭ ‬وهدر‭ ‬المال‭ ‬العام،‭ ‬وتغليب‭ ‬الولاءات‭ ‬العقائدية‭ ‬والسياسية‭ ‬الإقليمية‭ ‬لجهات‭ ‬كإيران‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬المصلحة‭ ‬الوطنية‭ ‬العليا‭ ‬للبلاد‭. ‬فهل‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬الديمقراطية‭ ‬التي‭ ‬بشر‭ ‬بها‭ ‬بريمر؟‭ ‬ولمن‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬تجسيد‭ ‬حي‭ ‬وعملي‭ ‬لمخرجات‭ ‬هذه‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الهشة،‭ ‬فإن‭ ‬المشهد‭ ‬الحالي‭ ‬لزيارة‭ ‬رئيس‭ ‬البرلمان‭ ‬الإيراني‭ ‬محمد‭ ‬باقر‭ ‬قاليباف‭ ‬إلى‭ ‬بغداد‭ ‬يقدم‭ ‬الجواب‭ ‬الأبرز‭ ‬حول‭ ‬هوية‭ ‬المستفيد‭ ‬الحقيقي‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الذي‭ ‬تركه‭ ‬الاحتلال‭ ‬الأمريكي‭ ‬خلفه‭. ‬

إن‭ ‬بذور‭ ‬الفشل‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬وليدة‭ ‬الصدفة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬عيباً‭ ‬هيكلياً‭ ‬في‭ ‬التصميم‭ ‬الأمريكي‭ ‬نفسه‭. ‬لقد‭ ‬أسس‭ ‬بول‭ ‬بريمر‭ ‬نظاماً‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬المحاصصة‭ ‬الطائفية‭ ‬والعرقية؛‭ ‬وبدلاً‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬دولة‭ ‬المواطنة‭ ‬والمؤسسات،‭ ‬أدت‭ ‬هذه‭ ‬البنية‭ ‬إلى‭ ‬تفتيت‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬الجامعة‭ ‬لصالح‭ ‬هويات‭ ‬فرعية‭ ‬مأزومة‭.‬

‭ ‬وتحولت‭ ‬الديمقراطية‭ ‬البريمرية‭ ‬من‭ ‬وسيلة‭ ‬لتداول‭ ‬السلطة‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬آلية‭ ‬‮«‬لتقاسم‭ ‬المغانم‮»‬‭ ‬بين‭ ‬كتل‭ ‬وأحزاب‭ ‬وجدت‭ ‬في‭ ‬‮«‬عقدة‭ ‬الولاء‮»‬‭ ‬للخارج‭ ‬مظلة‭ ‬لحماية‭ ‬نفوذها‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭. ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬المشوهة‭ ‬سمحت‭ ‬لإيران‭ ‬بالنفاذ‭ ‬عبر‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع‭ ‬وبناء‭ ‬شبكة‭ ‬نفوذ‭ ‬معقدة‭ ‬داخل‭ ‬مفاصل‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭. ‬

وتأتي‭ ‬زيارة‭ ‬رئيس‭ ‬البرلمان‭ ‬الإيراني‭ ‬قاليباف‭ ‬لبغداد،‭ ‬لتضع‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬الديمقراطي‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬المصداقية‭ ‬والسيادة‭ ‬في‭ ‬توقيت‭ ‬بالغ‭ ‬الحساسية‭. ‬إذ‭ ‬تواجه‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬برئاسة‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬علي‭ ‬الزيدي‭ ‬ضغوطاً‭ ‬واسعة‭ ‬لحصر‭ ‬السلاح‭ ‬بيد‭ ‬الدولة،‭ ‬والالتزام‭ ‬بمهلة‭ ‬30‭ ‬سبتمبر‭ ‬لنزع‭ ‬سلاح‭ ‬الفصائل‭ ‬والمليشيات‭ ‬المسلحة‭.‬

‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬الحرجة،‭ ‬يحمل‭ ‬قاليباف‭ ‬صفتين‭ ‬متداخلتين‭: ‬رئيس‭ ‬السلطة‭ ‬التشريعية‭ ‬في‭ ‬بلاده،‭ ‬ورئيس‭ ‬الفريق‭ ‬الإيراني‭ ‬المفاوض‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة؛‭ ‬مما‭ ‬يكشف‭ ‬أن‭ ‬طهران‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬بغداد‭ ‬كأحد‭ ‬أوراقها‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬في‭ ‬ترتيبات‭ ‬ما‭ ‬تسميه‭ ‬‮«‬النظام‭ ‬الإقليمي‭ ‬الجديد‮»‬‭.  ‬

وفي‭ ‬خضم‭ ‬هذا‭ ‬الاستقطاب،‭ ‬أعلنت‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬برئاسة‭ ‬علي‭ ‬الزيدي‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬نهائي‭ ‬يقضي‭ ‬بالانسحاب‭ ‬الشامل‭ ‬للقوات‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬العراق،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬إلزام‭ ‬الفصائل‭ ‬بسحب‭ ‬سلاحها‭ ‬خارج‭ ‬السلطة‭ ‬بحلول‭ ‬نهاية‭ ‬سبتمبر،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬إنهاء‭ ‬الوجود‭ ‬الأجنبي‭ ‬وحصر‭ ‬السلاح‭ ‬بيد‭ ‬الدولة‭ ‬تماشياً‭ ‬مع‭ ‬الالتزامات‭ ‬الدستورية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬المفصلي‭ ‬يتزامن‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬زيارة‭ ‬قاليباف،‭ ‬التي‭ ‬يراها‭ ‬مراقبون‭ ‬محاولة‭ ‬إيرانية‭ ‬جادة‭ ‬لإعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬الأوراق‭ ‬وترسيخ‭ ‬نفوذ‭ ‬طهران‭ ‬السياسي‭ ‬والأمني‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الانسحاب‭ ‬الأمريكي،‭ ‬لضمان‭ ‬عدم‭ ‬خروج‭ ‬بغداد‭ ‬من‭ ‬فلكها‭ ‬الاستراتيجي‭. ‬

المفارقة‭ ‬السياسية‭ ‬الصادمة‭ ‬تتبدى‭ ‬في‭ ‬الرسائل‭ ‬العلنية‭ ‬التي‭ ‬حملتها‭ ‬الزيارة‭ ‬لتحدي‭ ‬هذه‭ ‬التوجهات‭ ‬السيادية‭. ‬فمنذ‭ ‬اللحظة‭ ‬الأولى‭ ‬لوصوله،‭ ‬اختار‭ ‬قاليباف‭ ‬الإدلاء‭ ‬بتصريحاته‭ ‬الصحفية‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬مطار‭ ‬بغداد‭ ‬الدولي،‭ ‬واصفاً‭ ‬‮«‬المقاومة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬بأنها‭ ‬إحدى‭ ‬ركائز‭ ‬قوة‭ ‬هذا‭ ‬البلد‮»‬،‭ ‬في‭ ‬تحدَّ‭ ‬معلن‭ ‬لبرنامج‭ ‬حكومة‭ ‬الزيدي‭ ‬وحلفائها‭ ‬الرامي‭ ‬لتنظيم‭ ‬السلاح‭ ‬تحت‭ ‬إمرة‭ ‬القائد‭ ‬العام‭ ‬للقوات‭ ‬المسلحة‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬اللقاءات‭ ‬خلف‭ ‬الكواليس‭ ‬مع‭ ‬قادة‭ ‬الإطار‭ ‬التنسيقي‭ ‬الحاكم‭ ‬شهدت‭ ‬مناقشة‭ ‬خطط‭ ‬إيرانية‭ ‬لكيفية‭ ‬إخفاء‭ ‬أو‭ ‬إيداع‭ ‬سلاح‭ ‬الفصائل‭ ‬لدى‭ ‬هيئة‭ ‬الحشد‭ ‬الشعبي‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬تسليمه‭ ‬كلياً‭ ‬للحكومة،‭ ‬بحجة‭ ‬أن‭ ‬تجريد‭ ‬الفصائل‭ ‬من‭ ‬سلاحها‭ ‬يعزز‭ ‬النفوذ‭ ‬الأمريكي؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬تدخلاً‭ ‬فجاً‭ ‬يعكس‭ ‬كيف‭ ‬تحول‭ ‬حلفاء‭ ‬طهران‭ ‬الصاعدين‭ ‬بالآليات‭ ‬الديمقراطية‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬لتعطيل‭ ‬فرض‭ ‬سيادة‭ ‬القانون‭ ‬العراقي‭. ‬

‭ ‬ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬تداعيات‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬الديمقراطي‭ ‬العليل‭ ‬على‭ ‬الملف‭ ‬الأمني،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬لتخنق‭ ‬شريان‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭. ‬ففي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬ناقش‭ ‬فيه‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬هيبت‭ ‬الحلبوسي‭ ‬مع‭ ‬الضيف‭ ‬الإيراني‭ ‬أزمة‭ ‬اضطراب‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬وتأثيرها‭ ‬في‭ ‬صادرات‭ ‬النفط‭ ‬العراقي،‭ ‬تصر‭ ‬طهران‭ ‬على‭ ‬ربط‭ ‬مصير‭ ‬وموارد‭ ‬العراق‭ ‬بملف‭ ‬صراعها‭ ‬مع‭ ‬واشنطن،‭ ‬مستغلة‭ ‬نفوذ‭ ‬حلفائها‭ ‬لاسترداد‭ ‬ديونها‭ ‬ومناقشة‭ ‬ملفات‭ ‬حساسة‭ ‬كبلدة‭ ‬جرف‭ ‬الصخر‭ ‬وأمن‭ ‬الحدود‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬أمنها‭ ‬الذاتي‭ ‬أولاً‭. ‬

في‭ ‬المحصلة،‭ ‬يثبت‭ ‬الواقع‭ ‬العراقي‭ ‬المعاش‭ ‬أن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فرضها‭ ‬عبر‭ ‬الدبابات‭ ‬أو‭ ‬استيرادها‭ ‬كقوالب‭ ‬جاهزة‭ ‬من‭ ‬الخارج‭. ‬فإذا‭ ‬عُزلت‭ ‬الديمقراطية‭ ‬عن‭ ‬مفهوم‭ ‬المواطنة‭ ‬الحقيقية،‭ ‬وإذا‭ ‬عجزت‭ ‬عن‭ ‬إنتاج‭ ‬سلطة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تثبيت‭ ‬سيادة‭ ‬القانون‭ ‬وحماية‭ ‬القرار‭ ‬الوطني،‭ ‬فإنها‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬غطاء‭ ‬شرعي‭ ‬لفساد‭ ‬النخب‭ ‬ولمأسسة‭ ‬نفوذ‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬والمليشيات‭.‬

إن‭ ‬زيارة‭ ‬قاليباف‭ ‬إلى‭ ‬بغداد‭ ‬ومحاولاته‭ ‬صياغة‭ ‬شروط‭ ‬السلاح‭ ‬والاقتصاد‭ ‬خارج‭ ‬إرادة‭ ‬الدولة‭ ‬وفي‭ ‬توقيت‭ ‬الانسحاب‭ ‬الأمريكي،‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬التوقيع‭ ‬الفعلي‭ ‬على‭ ‬شهادة‭ ‬فشل‭ ‬المشروع‭ ‬الديمقراطي‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬العراق؛‭ ‬مشروع‭ ‬بدأ‭ ‬بشعارات‭ ‬‮«‬التبشير‭ ‬بالحرية‮»‬‭ ‬وانتهى‭ ‬بتقديم‭ ‬مقدرات‭ ‬بلد‭ ‬عريق‭ ‬كلقمة‭ ‬سائغة‭ ‬لخصوم‭ ‬واشنطن‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا