تطرح المسألة العراقية تساؤلا جوهريا حول مدى جدية الولايات المتحدة الأمريكية في نشر الديمقراطية في ربوع الوطن العربي. ففي أعقاب غزو عام 2003 واحتلال البلاد، أرست سلطة الائتلاف المؤقتة برئاسة الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر قواعد دستور ونظام سياسي قام في ظاهره على الأسس والآليات الديمقراطية للحكم. ولكن من بوابة هذه الديمقراطية الناشئة، صعدت إلى السلطة نخب سياسية واجهت اتهامات واسعة بالفساد المالي، وهدر المال العام، وتغليب الولاءات العقائدية والسياسية الإقليمية لجهات كإيران على حساب المصلحة الوطنية العليا للبلاد. فهل هذه هي الديمقراطية التي بشر بها بريمر؟ ولمن يبحث عن تجسيد حي وعملي لمخرجات هذه الديمقراطية الهشة، فإن المشهد الحالي لزيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد يقدم الجواب الأبرز حول هوية المستفيد الحقيقي من النظام الذي تركه الاحتلال الأمريكي خلفه.
إن بذور الفشل لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت عيباً هيكلياً في التصميم الأمريكي نفسه. لقد أسس بول بريمر نظاماً يقوم على المحاصصة الطائفية والعرقية؛ وبدلاً من بناء دولة المواطنة والمؤسسات، أدت هذه البنية إلى تفتيت الهوية الوطنية الجامعة لصالح هويات فرعية مأزومة.
وتحولت الديمقراطية البريمرية من وسيلة لتداول السلطة إلى مجرد آلية «لتقاسم المغانم» بين كتل وأحزاب وجدت في «عقدة الولاء» للخارج مظلة لحماية نفوذها السياسي والاقتصادي. هذه البيئة المشوهة سمحت لإيران بالنفاذ عبر صناديق الاقتراع وبناء شبكة نفوذ معقدة داخل مفاصل الدولة العراقية.
وتأتي زيارة رئيس البرلمان الإيراني قاليباف لبغداد، لتضع هذا الإرث الديمقراطي أمام اختبار المصداقية والسيادة في توقيت بالغ الحساسية. إذ تواجه الحكومة العراقية برئاسة رئيس الوزراء علي الزيدي ضغوطاً واسعة لحصر السلاح بيد الدولة، والالتزام بمهلة 30 سبتمبر لنزع سلاح الفصائل والمليشيات المسلحة.
وفي هذه اللحظة الحرجة، يحمل قاليباف صفتين متداخلتين: رئيس السلطة التشريعية في بلاده، ورئيس الفريق الإيراني المفاوض مع الولايات المتحدة؛ مما يكشف أن طهران تتعامل مع بغداد كأحد أوراقها الاستراتيجية في ترتيبات ما تسميه «النظام الإقليمي الجديد».
وفي خضم هذا الاستقطاب، أعلنت الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي التوصل إلى اتفاق نهائي يقضي بالانسحاب الشامل للقوات الأمريكية من العراق، بالتزامن مع إلزام الفصائل بسحب سلاحها خارج السلطة بحلول نهاية سبتمبر، في خطوة تهدف إلى إنهاء الوجود الأجنبي وحصر السلاح بيد الدولة تماشياً مع الالتزامات الدستورية. غير أن هذا التحول المفصلي يتزامن مباشرة مع زيارة قاليباف، التي يراها مراقبون محاولة إيرانية جادة لإعادة ترتيب الأوراق وترسيخ نفوذ طهران السياسي والأمني في مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي، لضمان عدم خروج بغداد من فلكها الاستراتيجي.
المفارقة السياسية الصادمة تتبدى في الرسائل العلنية التي حملتها الزيارة لتحدي هذه التوجهات السيادية. فمنذ اللحظة الأولى لوصوله، اختار قاليباف الإدلاء بتصريحاته الصحفية من موقع مطار بغداد الدولي، واصفاً «المقاومة في العراق بأنها إحدى ركائز قوة هذا البلد»، في تحدَّ معلن لبرنامج حكومة الزيدي وحلفائها الرامي لتنظيم السلاح تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة. بل إن اللقاءات خلف الكواليس مع قادة الإطار التنسيقي الحاكم شهدت مناقشة خطط إيرانية لكيفية إخفاء أو إيداع سلاح الفصائل لدى هيئة الحشد الشعبي بدلاً من تسليمه كلياً للحكومة، بحجة أن تجريد الفصائل من سلاحها يعزز النفوذ الأمريكي؛ وهو ما يمثل تدخلاً فجاً يعكس كيف تحول حلفاء طهران الصاعدين بالآليات الديمقراطية إلى أدوات لتعطيل فرض سيادة القانون العراقي.
ولا تقتصر تداعيات هذا النموذج الديمقراطي العليل على الملف الأمني، بل تمتد لتخنق شريان الاقتصاد الوطني. ففي الوقت الذي ناقش فيه رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي مع الضيف الإيراني أزمة اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وتأثيرها في صادرات النفط العراقي، تصر طهران على ربط مصير وموارد العراق بملف صراعها مع واشنطن، مستغلة نفوذ حلفائها لاسترداد ديونها ومناقشة ملفات حساسة كبلدة جرف الصخر وأمن الحدود من منظور أمنها الذاتي أولاً.
في المحصلة، يثبت الواقع العراقي المعاش أن الديمقراطية لا يمكن فرضها عبر الدبابات أو استيرادها كقوالب جاهزة من الخارج. فإذا عُزلت الديمقراطية عن مفهوم المواطنة الحقيقية، وإذا عجزت عن إنتاج سلطة قادرة على تثبيت سيادة القانون وحماية القرار الوطني، فإنها تتحول إلى غطاء شرعي لفساد النخب ولمأسسة نفوذ القوى الإقليمية والمليشيات.
إن زيارة قاليباف إلى بغداد ومحاولاته صياغة شروط السلاح والاقتصاد خارج إرادة الدولة وفي توقيت الانسحاب الأمريكي، ليست سوى التوقيع الفعلي على شهادة فشل المشروع الديمقراطي الأمريكي في العراق؛ مشروع بدأ بشعارات «التبشير بالحرية» وانتهى بتقديم مقدرات بلد عريق كلقمة سائغة لخصوم واشنطن.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك