لم تعد دول مجلس التعاون الخليجي في الأزمة الإيرانية مجرد أطراف تتلقى تداعيات الصراع، بل أصبحت طرفًا رئيسيا في معادلة اللاحرب واللا سلم في الخليج والشرق الأوسط، فالجغرافيا تجعل دول الخليج في قلب الأزمة، والاقتصاد يجعل استقرارها مرتبطًا بأمن الطاقة والملاحة، بينما يفرض أمنها الوطني عليها أن تمتلك القدرة على الردع والدفاع عن سيادتها.
وقد كشفت تطورات عام 2026 أن دول مجلس التعاون تواجه معادلة شديدة التعقيد، كيف تحافظ على الردع من دون الانزلاق إلى الحرب، وكيف تدفع نحو السلام من دون أن يتحول الانفتاح الدبلوماسي إلى ضعف أمني؟ وهذه هي معادلة السلم واللاسلم التي ستحدد مستقبل الخليج خلال السنوات المقبلة، فالخليج العربي ليس ساحة للصراع بل هو شريك في صناعة السلام ومن الخطأ النظر إلى دول الخليج باعتبارها مجرد ساحة محتملة للمواجهة بين إيران والولايات المتحدة أو غيرهما، فدول مجلس التعاون الخليجي تمتلك مصالح مباشرة في منع الحرب، لكنها في الوقت نفسه تمتلك مصلحة أكبر في منع فرض الأمر الواقع بالقوة.
وقد اتخذ مجلس التعاون الخليجي العربي خلال الأزمة مواقف تؤكد ضرورة حماية أمن الدول وسيادتها، وفي الوقت نفسه أهمية الدبلوماسية ووقف التصعيد، كما أدانت دول المجلس الهجمات الإيرانية على أراضيها، وأكدت ضرورة وقفها، وهنا تظهر فلسفة خليجية يمكن تلخيصها في ثلاث كلمات، ردع يمنع الحرب، ودبلوماسية تمنع التصعيد، وقانون يحكم العلاقة بين الدول، باعتبار أن مفهوم (اللاسلم) أخطر من الحرب أحيانًا، والذي يعني أن تتوقف الحرب دون أن تنتهي أسبابها، وأن تبقى المنطقة في حالة تهديد متبادل، واستنفار عسكري، وضغوط اقتصادية، ومخاوف من عودة القتال، وهذه الحالة تضع دول الخليج أمام استنزاف مستمر، فإغلاق أو اضطراب الملاحة في مضيق هرمز لا يؤثر في إيران ودول الخليج العربي وحدهما، بل يمتد أثره إلى التجارة العالمية وأسواق الطاقة، ففي 11 أغسطس 2026 أعلنت إيران أن المضيق سيظل مغلقا ما لم تستجب الولايات المتحدة لشروطها، الأمر الذي يؤكد أن المضيق أصبح جزءًا مباشرًا من معادلة الصراع والتفاوض.
لذلك فإن المصلحة الخليجية الحقيقية ليست في استمرار «اللاسلم»، وإنما في تحويل الهدنة المؤقتة إلى سلام مستدام، وهذا هو الدور الذي تلعبه دول الخليج العربي عن طريق بناء الردع الجماعي فالسلام الذي لا يحميه الردع قد يتحول إلى مجرد هدنة، ومن هنا فإن تعزيز القدرات الدفاعية الخليجية ليس تعارضا مع السلام، بل يمكن أن يكون أحد شروطه، فكلما كانت دول الخليج قادرة على حماية أراضيها وأجوائها ومياهها الإقليمية ومنشآتها الحيوية، أصبحت قدرتها على التفاوض أكبر، وبالتالي يمكن صياغة المعادلة الخليجية على أساس ثلاث معادلات قوة دفاعية قوية وموقف سياسي موحد وقنوات دبلوماسية مفتوحة وتكون النتيجة ردعا مستقرا وسلاما أكثر قابلية للاستمرار.
لذا فالوحدة الخليجية شرط أساسي للانتقال من اللاسلم إلى السلم باعتبار الأزمة الإيرانية أثبتت أن أمن كل دولة خليجية أصبح مرتبطًا بأمن الدول الأخرى، فالصاروخ الذي يستهدف دولة خليجية، أو الهجوم على منشأة للطاقة، أو تعطيل الملاحة في هرمز، لا يمكن التعامل معه باعتباره مشكلة منفردة تخص دولة واحدة، ولهذا فإن مفهوم الأمن الخليجي الجماعي ينبغي أن يتطور من التنسيق السياسي إلى منظومة متكاملة، فوحدة الموقف الخليجي لا تعني إغلاق أبواب الحوار مع إيران؛ بل تعني أن الحوار إذا جرى يتم من موقع قوة وتماسك، إذا كان الردع يمثل خط الدفاع العسكري، فإن الدبلوماسية تمثل خط الدفاع السياسي، ومن هنا يمكن لدول الخليج أن تؤدي دورًا أكبر من مجرد دعم الوساطات الدولية؛ إذ يمكنها أن تصبح صاحبة مبادرة مستقلة للحوار الإقليمي، فالموقف الخليجي القائم على مبدأ واضح من أن حرية الملاحة الدولية ليست ورقة للمساومة السياسية، مع تأكيد دول مجلس التعاون ضرورة استعادة أمن وحرية الملاحة في المضيق، ورفض الإجراءات التي تعرقل حركة السفن، وبذلك تتحول دول الخليج من متلقية لمخاطر هرمز إلى شريك رئيسي في إدارة أمنه.
ولعل من أهم التحولات المطلوبة أن تنتقل دول الخليج من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة، ذلك أن العلاقات الخليجية ـ الإيرانية ليست محكومة بالصراع فقط، فهناك مصالح اقتصادية وجغرافية وثقافية وأمنية مشتركة، والدبلوماسية الخليجية قادرة، إذا توحدت، على بناء قناة اتصال مع إيران في الملفات التي تمثل مصدر خطر مشترك، وفي مقدمتها أمن الخليج، الملاحة البحرية أمن الطاقة وعدم اعتداء الصواريخ والطائرات المسيرة، والجماعات المسلحة المرتبطة بالصراعات الإقليمية ومنع استهداف المنشآت المدنية.
وهنا يمكن أن يكون الخليج جسرا للسلام وليس مجرد خط تماس في الحرب، ولا يمكن الوصول إلى سلام مستدام إذا شعرت دولة بأنها مطالبة بالتنازل عن أمنها مقابل حصول الطرف الآخر على أمنه، ولهذا فإن المعادلة الأكثر واقعية هي الأمن المتبادل، ولكن الأمن المتبادل لا يعني قبول التهديدات أو التدخلات أو الاعتداءات، بل يعني أن يتم الاتفاق على قواعد واضحة تمنع الاعتداء على دول الجوار، أو استخدام الأراضي أو الأجواء في أعمال عدائية، تهديد الملاحة، استهداف المنشآت المدنية، ودعم الأعمال المسلحة التي تهدد أمن الدول.
وبذلك يتحول الأمن من منافسة صفرية إلى مصلحة مشتركة، باعتبار أن المعادلة الأكثر توازناً هي ردع يحمي السلام، ودبلوماسية تمنع الحرب، وقانون دولي يضبط استخدام القوة، ونظام أمني إقليمي يمنع العودة إلى اللاسلم.
وبناء عليه، فإن الدور الخليجي المستقبلي ينبغي أن ينتقل من إدارة آثار الأزمة الإيرانية إلى المشاركة الفعلية في صناعة النظام الأمني الجديد للخليج، فإذا نجحت دول مجلس التعاون في الجمع بين الوحدة والردع والدبلوماسية، فإنها لن تكون مجرد طرف في معادلة السلم واللاسلم، بل يمكن أن تصبح القوة الأكثر تأثيرا في نقل المنطقة من منطق الصراع إلى منطق الاستقرار والسلام المستدام.
{ أستاذ القانون العام المشارك رئيس قسم القانون العام بجامعة البحرين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك