العدد : ١٧٦٨٢ - الجمعة ٢١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٢ - الجمعة ٢١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

مقالات

الملافظ سعد

بقلم: عبير محمد دهام.

الخميس ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

هل‭ ‬يدرك‭ ‬المسؤول‭ ‬أن‭ ‬الموظف،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬درجته‭ ‬الوظيفية،‭ ‬إنسان‭ ‬كامل‭ ‬الكرامة،‭ ‬له‭ ‬مساحة‭ ‬من‭ ‬الاحترام‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬تجاوزها،‭ ‬وأن‭ ‬صلاحيات‭ ‬الإدارة‭ ‬لا‭ ‬تمنح‭ ‬أحداً‭ ‬حق‭ ‬الانتقاص‭ ‬منه‭ ‬أو‭ ‬إهانته‭ ‬أو‭ ‬كسر‭ ‬معناه‭ ‬الإنساني؟

وهل‭ ‬يدرك‭ ‬الموظف،‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬أن‭ ‬كلمته‭ ‬وطريقة‭ ‬حضوره‭ ‬وأسلوبه‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬ليست‭ ‬تفاصيل‭ ‬عابرة؛‭ ‬فهي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬صورته‭ ‬المهنية،‭ ‬وأن‭ ‬الكفاءة‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يسندها‭ ‬سلوك‭ ‬يحفظ‭ ‬للآخرين‭ ‬قدرهم؟

هنا‭ ‬تبدأ‭ ‬حكاية‭ ‬‮«‬الملافظ‭ ‬سعد‮»‬

فالكلمة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬بانتهاء‭ ‬الجملة؛‭ ‬هي‭ ‬أثر‭ ‬يبقى‭. ‬قد‭ ‬تصدر‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬انفعال،‭ ‬أو‭ ‬تحت‭ ‬مسمى‭ ‬الحزم،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬مزاح‭ ‬ثقيل‭ ‬لا‭ ‬يضحك‭ ‬له‭ ‬إلا‭ ‬صاحبه،‭ ‬وقد‭ ‬تترك‭ ‬في‭ ‬النفس‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تمحوه‭ ‬الأيام‭ ‬بسهولة‭. ‬بعض‭ ‬العبارات‭ ‬لا‭ ‬تُنسى،‭ ‬لا‭ ‬لأنها‭ ‬طويلة‭ ‬أو‭ ‬بليغة،‭ ‬وإنما‭ ‬لأنها‭ ‬أصابت‭ ‬مكاناً‭ ‬موجعاً‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭.‬

وأذكر‭ ‬أن‭ ‬مسؤولاً‭ ‬استهل‭ ‬لقاءه‭ ‬الأول‭ ‬بفريق‭ ‬لم‭ ‬يتعرّف‭ ‬إلى‭ ‬أفراده‭ ‬بعد‭ ‬بقوله‭ ‬‮«‬اللي‭ ‬في‭ ‬رأسه‭ ‬حب‭ ‬ما‭ ‬انطحن،‭ ‬أنا‭ ‬باطحنه‮»‬‭ ‬وربما‭ ‬ظنها‭ ‬عبارة‭ ‬تفرض‭ ‬الهيبة،‭ ‬أو‭ ‬بطولة‭ ‬إدارية‭ ‬من‭ ‬النوع‭ ‬الذي‭ ‬يضحك‭ ‬له‭ ‬الجميع‭ ‬حفاظاً‭ ‬على‭ ‬مستقبلهم‭ ‬الوظيفي،‭ ‬لكنها‭ ‬اختصرت‭ ‬منذ‭ ‬اللحظة‭ ‬الأولى‭ ‬شكل‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬تنتظر‭ ‬الفريق‭.‬

فالموظف‭ ‬لم‭ ‬يدخل‭ ‬الاجتماع‭ ‬وفي‭ ‬رأسه‭ ‬حب‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬طاحونة؛‭ ‬دخل‭ ‬وفي‭ ‬رأسه‭ ‬خبرة‭ ‬وفكرة‭ ‬وكرامة‭ ‬ورغبة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬أثر‭. ‬وعندما‭ ‬تكون‭ ‬رسالة‭ ‬البداية‭ ‬هي‭ ‬‮«‬الطحن‮»‬،‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬همه‭ ‬كيف‭ ‬يضيف‭ ‬إلى‭ ‬العمل،‭ ‬وإنما‭ ‬كيف‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬الموقف‭ ‬بأقل‭ ‬الخسائر،‭ ‬وكيف‭ ‬يتجنب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هو‭ ‬الهدف‭ ‬التالي‭. ‬عندها‭ ‬يتعلم‭ ‬سريعاً‭ ‬أن‭ ‬الصمت‭ ‬أكثر‭ ‬أماناً،‭ ‬وأن‭ ‬الموافقة‭ ‬أسهل‭ ‬من‭ ‬النقاش،‭ ‬وأن‭ ‬بعض‭ ‬الأفكار‭ ‬من‭ ‬الأفضل‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬في‭ ‬الرأس‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تدخل‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬إلى‭ ‬الطاحونة‭.‬

وهنا‭ ‬لا‭ ‬يخسر‭ ‬الموظف‭ ‬وحده؛‭ ‬تخسر‭ ‬المؤسسة‭ ‬أيضاً‭. ‬فالمسؤول‭ ‬الذي‭ ‬يصنع‭ ‬حوله‭ ‬دائرة‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ ‬قد‭ ‬يظن‭ ‬أن‭ ‬الجميع‭ ‬مقتنع‭ ‬به،‭ ‬بينما‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬بعضهم‭ ‬توقف‭ ‬عن‭ ‬الكلام‭. ‬ومع‭ ‬الوقت‭ ‬تقل‭ ‬الملاحظات‭ ‬الصادقة،‭ ‬وتتراجع‭ ‬المبادرات،‭ ‬وتتحول‭ ‬الاجتماعات‭ ‬من‭ ‬مساحة‭ ‬للنقاش‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬لمعرفة‭ ‬ما‭ ‬يريده‭ ‬المسؤول‭ ‬والموافقة‭ ‬عليه‭. ‬والأسوأ‭ ‬أن‭ ‬الأخطاء‭ ‬قد‭ ‬تكبر،‭ ‬لا‭ ‬لأن‭ ‬أحداً‭ ‬لم‭ ‬يرها،‭ ‬وإنما‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬رآها‭ ‬تعلّم‭ ‬أن‭ ‬السلامة‭ ‬في‭ ‬الصمت‭.‬

وقد‭ ‬ينهي‭ ‬المسؤول‭ ‬الموقف‭ ‬ويمضي‭ ‬في‭ ‬يومه‭ ‬وكأن‭ ‬شيئاً‭ ‬لم‭ ‬يحدث،‭ ‬بينما‭ ‬تبقى‭ ‬كلمته‭ ‬عالقة‭ ‬في‭ ‬ذهن‭ ‬الموظف،‭ ‬ترافقه‭ ‬إلى‭ ‬مكتبه‭ ‬وربما‭ ‬إلى‭ ‬بيته،‭ ‬وتفسد‭ ‬يومه،‭ ‬وقد‭ ‬ينعكس‭ ‬ضغطها‭ ‬على‭ ‬أسرته‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭. ‬وهنا‭ ‬يحق‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭: ‬هل‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬إيصال‭ ‬الملاحظة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إهانة؟‭ ‬وهل‭ ‬يتطلب‭ ‬تصحيح‭ ‬الخطأ‭ ‬أن‭ ‬يُكسر‭ ‬صاحبه؟

المشكلة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬ليست‭ ‬دائماً‭ ‬في‭ ‬اختلاف‭ ‬الرأي،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬التعبير‭ ‬عنه‭. ‬فالفكرة‭ ‬يمكن‭ ‬مناقشتها،‭ ‬والخطأ‭ ‬يمكن‭ ‬تصحيحه،‭ ‬والتقصير‭ ‬يمكن‭ ‬معالجته،‭ ‬أما‭ ‬الأسلوب‭ ‬الجارح‭ ‬فيصنع‭ ‬مسافة‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬تُرمم‭ ‬بسهولة‭.‬

وهنا‭ ‬تتضح‭ ‬حكمة‭ ‬المثل‭ ‬‮«‬الملافظ‭ ‬سعد‮»‬‭ ‬فاللفظ‭ ‬لا‭ ‬يكشف‭ ‬فصاحة‭ ‬صاحبه‭ ‬فقط؛‭ ‬يكشف‭ ‬وعيه‭ ‬واحترامه‭ ‬للإنسان‭. ‬وقد‭ ‬يحمل‭ ‬المرء‭ ‬أعلى‭ ‬المناصب،‭ ‬ثم‭ ‬تأتي‭ ‬كلمة‭ ‬واحدة‭ ‬لتعرّف‭ ‬الناس‭ ‬به‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سيرته‭ ‬الذاتية‭ ‬كلها‭.‬

وتتضاعف‭ ‬مسؤولية‭ ‬الكلمة‭ ‬حين‭ ‬تصدر‭ ‬ممن‭ ‬يملك‭ ‬القرار‭ ‬والتقييم‭ ‬والتوجيه‭. ‬وكلما‭ ‬ارتفع‭ ‬المنصب،‭ ‬ضاقت‭ ‬مساحة‭ ‬العذر؛‭ ‬لأن‭ ‬كلمة‭ ‬صاحب‭ ‬القرار‭ ‬تصل‭ ‬محمّلة‭ ‬بسلطته‭. ‬فالقوة‭ ‬الحقيقية‭ ‬تُقاس‭ ‬بقدرة‭ ‬المسؤول‭ ‬على‭ ‬تصحيح‭ ‬الخطأ‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكسر‭ ‬الإنسان،‭ ‬لا‭ ‬بارتفاع‭ ‬صوته‭ ‬أو‭ ‬إحراجه‭ ‬أمام‭ ‬زملائه‭.‬

والمسؤول‭ ‬الواعي‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬الاحترام‭ ‬لا‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬الحزم،‭ ‬وأن‭ ‬الانضباط‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬قسوة،‭ ‬وأن‭ ‬الهيبة‭ ‬التي‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬الخوف‭ ‬لا‭ ‬تعيش‭ ‬أطول‭ ‬من‭ ‬المنصب‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬لا‭ ‬تُعفي‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬الموظف‭ ‬من‭ ‬مسؤوليته‭. ‬فأسلوبه‭ ‬مع‭ ‬زملائه‭ ‬ومرؤوسيه،‭ ‬واحترامه‭ ‬للمراجعين،‭ ‬وطريقته‭ ‬في‭ ‬الاختلاف‭ ‬والرد،‭ ‬كلها‭ ‬تعكس‭ ‬نضجه‭ ‬المهني‭. ‬فالاحترام‭ ‬لا‭ ‬يسير‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬واحد،‭ ‬ولا‭ ‬يرتبط‭ ‬بدرجة‭ ‬وظيفية؛‭ ‬هو‭ ‬ثقافة‭ ‬متبادلة‭ ‬تحفظ‭ ‬للعمل‭ ‬توازنه‭ ‬وللناس‭ ‬كرامتهم‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬قد‭ ‬ينسى‭ ‬الناس‭ ‬تفاصيل‭ ‬الاجتماعات‭ ‬والقرارات،‭ ‬لكنهم‭ ‬نادراً‭ ‬ما‭ ‬ينسون‭ ‬كيف‭ ‬جرى‭ ‬الحديث‭ ‬معهم،‭ ‬ومن‭ ‬حفظ‭ ‬كرامتهم،‭ ‬ومن‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬يطحن‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬رؤوسهم‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يمنحهم‭ ‬فرصة‭ ‬للكلام‭.‬

فالمناصب‭ ‬تتغير،‭ ‬والدرجات‭ ‬الوظيفية‭ ‬لا‭ ‬تدوم،‭ ‬ولا‭ ‬يبقى‭ ‬للمسؤول‭ ‬ولا‭ ‬للموظف‭ ‬إلا‭ ‬سمعته‭ ‬وخلقه‭ ‬والكلمة‭ ‬التي‭ ‬قالها‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يجبر‭ ‬خاطراً‭ ‬أو‭ ‬يكسره‭.‬

فالناس‭ ‬تنسى‭ ‬المسمى،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تنسى‭ ‬الأسلوب‭.‬

ولهذا‭ ‬كان‭ ‬أجدادنا‭ ‬محقين‭ ‬حين‭ ‬قالوا‭: ‬الملافظ‭ ‬سعد‭.‬

‭* ‬مهتمة‭ ‬بالحوكمة‭ ‬وتطوير‭ ‬الأداء‭ ‬المؤسسي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا