هل يدرك المسؤول أن الموظف، مهما كانت درجته الوظيفية، إنسان كامل الكرامة، له مساحة من الاحترام لا يجوز تجاوزها، وأن صلاحيات الإدارة لا تمنح أحداً حق الانتقاص منه أو إهانته أو كسر معناه الإنساني؟
وهل يدرك الموظف، في المقابل، أن كلمته وطريقة حضوره وأسلوبه في الحديث مع من حوله ليست تفاصيل عابرة؛ فهي جزء من صورته المهنية، وأن الكفاءة وحدها لا تكفي إن لم يسندها سلوك يحفظ للآخرين قدرهم؟
هنا تبدأ حكاية «الملافظ سعد»
فالكلمة في بيئة العمل لا تنتهي بانتهاء الجملة؛ هي أثر يبقى. قد تصدر في لحظة انفعال، أو تحت مسمى الحزم، أو في سياق مزاح ثقيل لا يضحك له إلا صاحبه، وقد تترك في النفس ما لا تمحوه الأيام بسهولة. بعض العبارات لا تُنسى، لا لأنها طويلة أو بليغة، وإنما لأنها أصابت مكاناً موجعاً في الإنسان.
وأذكر أن مسؤولاً استهل لقاءه الأول بفريق لم يتعرّف إلى أفراده بعد بقوله «اللي في رأسه حب ما انطحن، أنا باطحنه» وربما ظنها عبارة تفرض الهيبة، أو بطولة إدارية من النوع الذي يضحك له الجميع حفاظاً على مستقبلهم الوظيفي، لكنها اختصرت منذ اللحظة الأولى شكل العلاقة التي تنتظر الفريق.
فالموظف لم يدخل الاجتماع وفي رأسه حب يحتاج إلى طاحونة؛ دخل وفي رأسه خبرة وفكرة وكرامة ورغبة في أن يكون له أثر. وعندما تكون رسالة البداية هي «الطحن»، لا يعود همه كيف يضيف إلى العمل، وإنما كيف يخرج من الموقف بأقل الخسائر، وكيف يتجنب أن يكون هو الهدف التالي. عندها يتعلم سريعاً أن الصمت أكثر أماناً، وأن الموافقة أسهل من النقاش، وأن بعض الأفكار من الأفضل أن تبقى في الرأس حتى لا تدخل هي الأخرى إلى الطاحونة.
وهنا لا يخسر الموظف وحده؛ تخسر المؤسسة أيضاً. فالمسؤول الذي يصنع حوله دائرة من الخوف قد يظن أن الجميع مقتنع به، بينما الحقيقة أن بعضهم توقف عن الكلام. ومع الوقت تقل الملاحظات الصادقة، وتتراجع المبادرات، وتتحول الاجتماعات من مساحة للنقاش إلى مساحة لمعرفة ما يريده المسؤول والموافقة عليه. والأسوأ أن الأخطاء قد تكبر، لا لأن أحداً لم يرها، وإنما لأن من رآها تعلّم أن السلامة في الصمت.
وقد ينهي المسؤول الموقف ويمضي في يومه وكأن شيئاً لم يحدث، بينما تبقى كلمته عالقة في ذهن الموظف، ترافقه إلى مكتبه وربما إلى بيته، وتفسد يومه، وقد ينعكس ضغطها على أسرته من حيث لا يشعر. وهنا يحق لنا أن نسأل: هل كان يمكن إيصال الملاحظة من دون إهانة؟ وهل يتطلب تصحيح الخطأ أن يُكسر صاحبه؟
المشكلة في بيئة العمل ليست دائماً في اختلاف الرأي، بقدر ما هي في طريقة التعبير عنه. فالفكرة يمكن مناقشتها، والخطأ يمكن تصحيحه، والتقصير يمكن معالجته، أما الأسلوب الجارح فيصنع مسافة بين الناس لا تُرمم بسهولة.
وهنا تتضح حكمة المثل «الملافظ سعد» فاللفظ لا يكشف فصاحة صاحبه فقط؛ يكشف وعيه واحترامه للإنسان. وقد يحمل المرء أعلى المناصب، ثم تأتي كلمة واحدة لتعرّف الناس به أكثر من سيرته الذاتية كلها.
وتتضاعف مسؤولية الكلمة حين تصدر ممن يملك القرار والتقييم والتوجيه. وكلما ارتفع المنصب، ضاقت مساحة العذر؛ لأن كلمة صاحب القرار تصل محمّلة بسلطته. فالقوة الحقيقية تُقاس بقدرة المسؤول على تصحيح الخطأ من دون أن يكسر الإنسان، لا بارتفاع صوته أو إحراجه أمام زملائه.
والمسؤول الواعي يعرف أن الاحترام لا يتعارض مع الحزم، وأن الانضباط لا يحتاج إلى قسوة، وأن الهيبة التي تُبنى على الخوف لا تعيش أطول من المنصب.
وفي المقابل، لا تُعفي هذه الحقيقة الموظف من مسؤوليته. فأسلوبه مع زملائه ومرؤوسيه، واحترامه للمراجعين، وطريقته في الاختلاف والرد، كلها تعكس نضجه المهني. فالاحترام لا يسير في اتجاه واحد، ولا يرتبط بدرجة وظيفية؛ هو ثقافة متبادلة تحفظ للعمل توازنه وللناس كرامتهم.
في النهاية، قد ينسى الناس تفاصيل الاجتماعات والقرارات، لكنهم نادراً ما ينسون كيف جرى الحديث معهم، ومن حفظ كرامتهم، ومن حاول أن يطحن ما في رؤوسهم قبل أن يمنحهم فرصة للكلام.
فالمناصب تتغير، والدرجات الوظيفية لا تدوم، ولا يبقى للمسؤول ولا للموظف إلا سمعته وخلقه والكلمة التي قالها حين كان قادراً على أن يجبر خاطراً أو يكسره.
فالناس تنسى المسمى، لكنها لا تنسى الأسلوب.
ولهذا كان أجدادنا محقين حين قالوا: الملافظ سعد.
* مهتمة بالحوكمة وتطوير الأداء المؤسسي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك