العدد : ١٧٦٨٢ - الجمعة ٢١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٢ - الجمعة ٢١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

مقالات

«قبائل الماساي» أكبر شاهد على السياحة المستدامة

بقلم محمود النشيط.

الأربعاء ١٩ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

خلال‭ ‬رحلتي‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬كينيا‭ ‬تعرفت‭ ‬عن‭ ‬قرب‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬أمور‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬السياحي‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أعرفها‭ ‬سابقاً‭ ‬بهذا‭ ‬العمق‭ ‬رغم‭ ‬اطلاعي‭ ‬الشبه‭ ‬يومي‭ ‬على‭ ‬التطورات‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬السياحي‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬والسياحة‭ ‬المستدامة‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭. ‬وتشكل‭ ‬السياحة‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الكيني،‭ ‬إذ‭ ‬حققت‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2024‭ ‬إيرادات‭ ‬بلغت‭ ‬قرابة‭ ‬3‭.‬5‭  ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬أمريكي‭ ‬من‭ ‬السياحة‭ ‬الدولية‭. ‬كما‭ ‬تسهم‭ ‬بنحو‭ ‬7‭%  ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة،‭ ‬وترتفع‭ ‬مساهمتها‭ ‬إلى‭ ‬10‭.‬1‭% ‬عند‭ ‬احتساب‭ ‬الأثر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الكلي‭ ‬وفق‭ ‬منهجية‭ ‬المجلس‭ ‬العالمي‭ ‬للسفر‭ ‬والسياحة‭ (‬WTTC‭)‬،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬دعمها‭ ‬لما‭ ‬يقارب‭ ‬1‭.‬7‭  ‬مليون‭ ‬فرصة‭ ‬عمل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬الدور‭ ‬المحوري‭ ‬للقطاع‭ ‬في‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬للبلاد‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬قلب‭ ‬سهول‭ ‬شرق‭ ‬إفريقيا‭ ‬الممتدة‭ ‬بين‭ ‬كينيا‭ ‬وتنزانيا،‭ ‬حيث‭ ‬تتداخل‭ ‬المراعي‭ ‬المفتوحة‭ ‬مع‭ ‬المحميات‭ ‬الطبيعية،‭ ‬تعيش‭ ‬قبائل‭ ‬الماساي‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬المجتمعات‭ ‬المحلية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالسياحة‭ ‬البيئية‭ ‬والثقافية‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬شهرتها‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬ملابسها‭ ‬الحمراء‭ ‬التقليدية‭ ‬ورقصاتها‭ ‬الشهورة‭ ‬وقفزاتها‭ ‬الاحتفالية،‭ ‬فإن‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للماساي‭ ‬اليوم‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬دورها‭ ‬المتنامي‭ ‬كشريك‭ ‬رئيسي‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬السياحة‭ ‬المستدامة‭.‬

لقد‭ ‬تغيرت‭ ‬النظرة‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬المجتمعات‭ ‬المحلية‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬عنصر‭ ‬تراثي‭ ‬يلتقط‭ ‬السياح‭ ‬صورًا‭ ‬له،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬شريكًا‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬واجتماعيًا‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬التنوع‭ ‬الحيوي‭. ‬وتُعد‭ ‬تجربة‭ ‬الماساي‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬النماذج‭ ‬التي‭ ‬تبرز‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭.‬

تنتشر‭ ‬قرى‭ ‬الماساي‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬المتنزهات‭ ‬الوطنية‭ ‬مثل‭ ‬محمية‭ ‬ماساي‭ ‬مارا‭ ‬في‭ ‬كينيا‭ ‬ومنطقة‭ ‬سيرينغيتي‭ ‬في‭ ‬تنزانيا،‭ ‬وهما‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الوجهات‭ ‬السياحية‭ ‬التي‭ ‬تستقطب‭ ‬ملايين‭ ‬الزوار‭ ‬سنويًا،‭ ‬خاصة‭ ‬خلال‭ ‬موسم‭ ‬الهجرة‭ ‬الكبرى‭ ‬للحيوانات‭ ‬البرية‭ ‬الذي‭ ‬يُعد‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬الظواهر‭ ‬الطبيعية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭. ‬وتقوم‭ ‬فلسفة‭ ‬السياحة‭ ‬المستدامة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬محاور‭ ‬رئيسية‭: ‬حماية‭ ‬البيئة،‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬الثقافية،‭ ‬وتحقيق‭ ‬عوائد‭ ‬اقتصادية‭ ‬مباشرة‭ ‬للمجتمعات‭ ‬المحلية‭. ‬وقد‭ ‬ساهم‭ ‬إشراك‭ ‬أبناء‭ ‬الماساي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬نموذج‭ ‬تنموي‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالنماذج‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬مركزية‭ ‬للمحميات‭ ‬دون‭ ‬مشاركة‭ ‬السكان‭.‬

اليوم‭ ‬يعمل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬القبيلة‭ ‬كمرشدين‭ ‬سياحيين‭ ‬محترفين،‭ ‬وحراس‭ ‬للحياة‭ ‬البرية،‭ ‬ومديري‭ ‬مخيمات‭ ‬بيئية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬مشاركتهم‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬البرامج‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬تعرف‭ ‬الزوار‭ ‬بتاريخ‭ ‬القبيلة‭ ‬وعاداتها‭ ‬وأساليب‭ ‬حياتها‭ ‬التقليدية‭. ‬كما‭ ‬أصبحت‭ ‬النساء‭ ‬الماساي‭ ‬جزءًا‭ ‬مهمًا‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السياحي‭ ‬عبر‭ ‬إنتاج‭ ‬المشغولات‭ ‬اليدوية‭ ‬والحلي‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬تُباع‭ ‬مباشرة‭ ‬للزوار،‭ ‬مما‭ ‬وفر‭ ‬مصادر‭ ‬دخل‭ ‬مستقرة‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الأسر‭.‬

حقيقة‭ ‬لمستها‭ ‬ومن‭ ‬معي‭ ‬في‭ ‬الرحلة‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬التوجه‭ ‬العالمي‭ ‬نحو‭ ‬تعزيز‭ ‬السياحة‭ ‬المسؤولة،‭ ‬تظل‭ ‬تجربة‭ ‬الماساي‭ ‬رسالة‭ ‬مهمة‭ ‬لصناع‭ ‬القرار‭ ‬والعاملين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬السياحي،‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬والثقافة‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭. ‬فالسائح‭ ‬المعاصر‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يبحث‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬المناظر‭ ‬الطبيعية،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬التجارب‭ ‬الأصيلة‭ ‬التي‭ ‬تترك‭ ‬أثرًا‭ ‬إنسانيًا‭ ‬عميقًا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬نجحت‭ ‬قبائل‭ ‬الماساي‭ ‬في‭ ‬تقديمه‭ ‬للعالم،‭ ‬لتصبح‭ ‬مثالًا‭ ‬حيًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬السياحة‭ ‬المستدامة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مفهوم‭ ‬نظري،‭ ‬بل‭ ‬ممارسة‭ ‬عملية‭ ‬تحقق‭ ‬المنفعة‭ ‬للإنسان‭ ‬والطبيعة‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا