العدد : ١٧٦٧٩ - الثلاثاء ١٨ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٩ - الثلاثاء ١٨ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

مقالات

الاقتصاد العالمي بين الحرب والتكنولوجيا.. أين تقف دول مجلس التعاون؟

{ بقلم: عدنان أحمد يوسف.

الثلاثاء ١٨ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

جاء‭ ‬تقرير‭ ‬‮«‬مستجدات‭ ‬آفاق‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ - ‬يوليو‭ ‬2026‮»‬‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬ليقدم‭ ‬قراءة‭ ‬مختلفة‭ ‬للاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يتحرك‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬دورة‭ ‬اقتصادية‭ ‬تقليدية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬محكوماً‭ ‬بقوتين‭ ‬متعارضتين‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭: ‬الأولى‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬التداعيات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للحرب‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وما‭ ‬تسببه‭ ‬من‭ ‬اضطرابات‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬والثانية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬الثورة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬المتسارعة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الطفرة‭ ‬غير‭ ‬المسبوقة‭ ‬في‭ ‬تطبيقات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬محركاً‭ ‬رئيسياً‭ ‬للنمو‭ ‬والاستثمار‭ ‬والإنتاجية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭.‬

ويتوقع‭ ‬التقرير‭ ‬تباطؤ‭ ‬النمو‭ ‬العالمي‭ ‬إلى‭ ‬3‭%‬‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتحسن‭ ‬إلى‭ ‬3‭.‬4‭%‬‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2027،‭ ‬بينما‭ ‬يتجه‭ ‬التضخم‭ ‬العالمي‭ ‬إلى‭ ‬الارتفاع‭ ‬مجدداً‭ ‬نتيجة‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬والغذاء،‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬معركة‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬مع‭ ‬التضخم‭ ‬لم‭ ‬تنته‭ ‬بعد‭. ‬كما‭ ‬يحذر‭ ‬التقرير‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬المخاطر‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬السلبي،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬احتمال‭ ‬اتساع‭ ‬رقعة‭ ‬الصراع‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وتصاعد‭ ‬التجزؤ‭ ‬التجاري‭ ‬العالمي،‭ ‬وتقلبات‭ ‬أسواق‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬رغم‭ ‬وجود‭ ‬فرص‭ ‬إيجابية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬عودة‭ ‬الاستقرار‭ ‬إلى‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬وتسارع‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬

ويولي‭ ‬التقرير‭ ‬اهتماماً‭ ‬خاصاً‭ ‬بمنطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬باعتبارها‭ ‬محوراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمي،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ارتباط‭ ‬صادراتها‭ ‬بمضيق‭ ‬هرمز‭. ‬ويقوم‭ ‬السيناريو‭ ‬الأساسي‭ ‬للصندوق‭ ‬على‭ ‬افتراض‭ ‬إعادة‭ ‬فتح‭ ‬المضيق‭ ‬تدريجياً‭ ‬وعودة‭ ‬حركة‭ ‬الإمدادات‭ ‬إلى‭ ‬طبيعتها‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2027،‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الاعتماد‭ ‬المؤقت‭ ‬على‭ ‬السحب‭ ‬من‭ ‬المخزونات‭ ‬العالمية‭ ‬لتخفيف‭ ‬أثر‭ ‬أي‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬الإمدادات‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬التقرير‭ ‬يتوقع‭ ‬بقاء‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬عند‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬مقارنة‭ ‬بما‭ ‬قبل‭ ‬الحرب،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬استفادة‭ ‬جميع‭ ‬اقتصادات‭ ‬الخليج‭ ‬بالقدر‭ ‬نفسه‭. ‬فارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬متوسط‭ ‬يقارب‭ ‬89‭ ‬دولاراً‭ ‬للبرميل‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2026،‭ ‬وارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬مقارنة‭ ‬بعام‭ ‬2025،‭ ‬يوفر‭ ‬دعماً‭ ‬مهماً‭ ‬للإيرادات‭ ‬العامة‭ ‬وتحسن‭ ‬شروط‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬للدول‭ ‬المصدرة‭ ‬للطاقة،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬التفاوت‭ ‬بين‭ ‬اقتصادات‭ ‬المجلس‭ ‬في‭ ‬درجة‭ ‬تعرضها‭ ‬للمخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬وتعطل‭ ‬مسارات‭ ‬التصدير‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يشير‭ ‬التقرير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السعودية‭ ‬تبدو‭ ‬الأقل‭ ‬تأثراً‭ ‬نسبياً‭ ‬بفضل‭ ‬تنوع‭ ‬مسارات‭ ‬تصدير‭ ‬النفط‭ ‬والإصلاحات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الجارية،‭ ‬مع‭ ‬توقع‭ ‬نمو‭ ‬يبلغ‭ ‬1‭.‬7‭%‬‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬يرتفع‭ ‬إلى‭ ‬5‭.‬5‭%‬‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2027‭. ‬أما‭ ‬الكويت‭ ‬وقطر،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬العراق،‭ ‬فهي‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الدول‭ ‬تعرضاً‭ ‬لتداعيات‭ ‬اضطرابات‭ ‬إنتاج‭ ‬الطاقة‭ ‬والنقل،‭ ‬ولذلك‭ ‬يتوقع‭ ‬التقرير‭ ‬أن‭ ‬تشهد‭ ‬انكماشاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬يعقبه‭ ‬تعافٍ‭ ‬قوي‭ ‬بمعدلات‭ ‬نمو‭ ‬ثنائية‭ ‬الرقم‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2027‭ ‬مع‭ ‬عودة‭ ‬الأوضاع‭ ‬إلى‭ ‬طبيعتها‭.‬

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬اهتمام‭ ‬التقرير‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬يدعو‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬إلى‭ ‬استثمار‭ ‬الفوائض‭ ‬المالية‭ ‬الحالية‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬استراتيجية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تجنب‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭ ‬الجاري،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬المالية،‭ ‬وتوجيه‭ ‬الموارد‭ ‬نحو‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬والتحول‭ ‬الرقمي،‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬والطاقة،‭ ‬وتنمية‭ ‬المهارات‭ ‬البشرية،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬استمرار‭ ‬النمو‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬تراجع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬مستقبلاً‭. ‬ومن‭ ‬وجهة‭ ‬نظري،‭ ‬فإن‭ ‬الرسالة‭ ‬الأهم‭ ‬التي‭ ‬يحملها‭ ‬التقرير‭ ‬ليست‭ ‬توقعات‭ ‬النمو‭ ‬أو‭ ‬أسعار‭ ‬النفط،‭ ‬وإنما‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬مصادر‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭. ‬فالعائدات‭ ‬النفطية‭ ‬ستظل‭ ‬عاملاً‭ ‬مهماً‭ ‬لدول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬وحدها‭ ‬كافية‭ ‬لضمان‭ ‬الريادة‭ ‬الاقتصادية‭. ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬ستنجح‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬المقبل‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬توظف‭ ‬الفوائض‭ ‬النفطية‭ ‬لبناء‭ ‬اقتصاد‭ ‬المعرفة،‭ ‬وتطوير‭ ‬الصناعات‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الابتكار،‭ ‬ورفع‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬وإعداد‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭ ‬لاقتصاد‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬الأزمات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أن‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬ليست‭ ‬بالضرورة‭ ‬الأغنى‭ ‬بالموارد‭ ‬الطبيعية،‭ ‬بل‭ ‬الأكثر‭ ‬تنوعاً‭ ‬ومرونة‭ ‬واستثماراً‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والمؤسسات‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬تمتلك‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬فرصة‭ ‬تاريخية‭ ‬لتحويل‭ ‬المرحلة‭ ‬الحالية‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬دورة‭ ‬ارتفاع‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬نقطة‭ ‬انطلاق‭ ‬نحو‭ ‬اقتصاد‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬العالمية،‭ ‬إذا‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬الإيرادات‭ ‬الاستثنائية‭ ‬إلى‭ ‬استثمارات‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬والابتكار‭ ‬والإنتاج‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا